الإخوة والأبناء الأحباء،
منذ ستينات القرن الماضي طرأ حديث مفاجئ على تداولات الناس وقد تركَّز الحديث على لباس الناس وكيفيّة تصرُّفهم في ظروف مختلفة. في ذلك الوقت كانت موجة الثقافة الغربيّة قد تعاظمت وتلاطمت أمواجها ووصلت الى موانيء أفكار الناس فوجدت لها مستقراً أميناً لا يسأل عن كيف ولا لماذا يحدث مثل هذا الشيء وما علاقتنا نحن بهذه التغيُّرات التي تطال كلَّ شيء. طالت تلك التغيّرات فيما طالته تصرّفات الناس الإجتماعيّة والشخصيّة وطال اللباس منها دور كبير وانقسمت الآراء حوله بين متطرّف ومعتدل ومتطرّف بالتحرّر (إذا جازت العبارة) وبكل تأكيد الرأي الأول غير مقبول كنسياً في المجتمع ولكنه غير مرفوض أما الرأي القائل بترك الحبل على القارب فهو رأي مرفوض تماماً من قبل الكنيسة لأن اللباس المتطرّف بعدم الحشمة إنما هو ضد كرامة المرأة وضد كرامة الذوق الرفيع وضد عاداتنا وتقاليدنا التي تجعل من المرأة، أماً، أختاً، عمة، خالة، زوجة يزود عنها الإنسان بروحه لأنها تمثل بالنسبة لنا كرامتنا.
المنطلقات التي جاءت باللباس غير المحتشم في الغرب كانت نتيجة للمنطلقات الإباحيّة التي أتت بها دعايات واديولوجيات مختلفة، منها جماعات العبادات الشيطانية والجمعيات المنادية بالحرية الجنسية بلا ضابط ولا رقيب. عصفت رياح هذه الأفكار في أذهان الشرقيين وفعلت فعلها. الفتاة في بلادنا تلبس ما تصدّره الحضارة الغربيّة بدون تمييز وقد تلبس الفتاة اللباس الغربي وتتصرَّف بناءً على المعطيات الشرقية وهذا لا يستقيم إلا في حالة واحدة هي حالة القداسة عندما يغيب الإنسان كلياً في الحضرة الإلهية يصبح ذهنه كالأطفال. ولو لم يكن من ضرورة للباس لما أعطى الله ورق التين لآدم وحواء كسترٍ لهما بعد الخطيئة التي غيّرت فكرهما الى السيء بعد أن كانا طفلين في الشر في ملكوت السموات. وكذلك غيّر الغربيون اللباس الذي ورثوه عن الشرقيين عبر حضارات متتالية بعدما غيّروا أفكارهم ونظمهم الإجتماعية ولا تزال الكثير من العائلات الغربية التقية ملتزمة حدَّ الإعتدال في طرق الحياة وتلتزم حدود الإحترام وتكثر الدعوات للعودة الى الأصول والماضي الملتزم ولكن وسائل الاعلام ودور الحياة التي تروِّج للإباحيّة الجنسيّة تفعل فعلها بتزيين كل ما ليس حسن فتجعله براقاً ضمن برنامجها الاستهلاكي الذي باتت فيه المرأة سلعة تشترى وتباع. وانتقل الوضع الى أردية الشباب وحدِّث ولا حرج مما يجرح الذوق السليم. ثياب مهترئة، قمصان مرقعة وممزَّقة، سلاسل حديديّة مربوطة ما بين الخصر والأنف. أقراط العبوديّة تثقل الأنوف والآذان، البنطال الضيق الجلدي واللمّاع، التشبّه باللباس النسائي. وهنا موقف الكنيسة والمجتمع الملتزم المسؤول لا يفرّق بين هذا وذاك.
إن موقف الكنيسة لا يمنع الاختلاط بين النساء والرجال، وكنائسنا خير دليل على ذلك وما يرد في تاريخ الكنيسة يؤكد مقالنا هذا بأنهم كانوا يجتمعون معاً للصلاة بنفس واحدة ويقدِّمون القرابين وكان للعذارى والمكرّسات دورهنَّ في الخدمة الليتورجيّة. ويوصي الآباء كما الرسول بولس وربنا يسوع المسيح أن زينة المرأة ليست الزينة الخارجيّة من لباس وضفائر شعر وذهب وأقراط وأساور، إنما في زينة الإنسان الداخلي: المحبّة والوداعة والعفاف والطهر واستضافة المعوزين والعناية بالمرضى والأرامل والأيتام. وما عدا ذلك فهو من الشرير مهما صلحت أفكارنا.
وهنا لنا ملاحظة يحق للجميع أن يطرحها، هل اللباس واحد في كل مكان؟ بكل تأكيد ليس هو كذلك بل بحسب اللياقة والترتيب لكل مكان لباسه. للكنيسة لباسها الذي يوحي للنفس بالهدوء والتقوى والتفرّغ للصلاة، وللوظيفة لباسها، وللإحتفالات أرديتها. فاللباس المناسب في المكان المناسب يحدد مدى تهذيب الشخص وكم يحترم الآخرين وكم يقدِّر صورة الله التي فيه ويقدِّم لها كلَّ الكرامة اللائقة بما فيه ومع غيره. وفقنا الله الى سماع كلمته وعيش ما أوصانا إياه من محبة. آمين.
باسيليوس
مطران عكار وتوابعها

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات