كثيرًا ما نسمع بالدّينونة، وكيف حذّرَنا الربّ من إدانة الآخرين كي لا نُدان نحن بدورنا، لكنّنا أحيانًا نسيء إلى إخوتنا وندينهم من دون أن ننتبه، الأمر الذي يلزمه الوعي واليقظة دائمًا، وهذا يتمّ بعدّة طرق أهمّها الصّلاة والتّوبة المترافقة مع الاعتراف بالخطايا.
الصّوم غدا على الأبواب، والكنيسة، كأمٍّ حنون، تبدأ بتهيئتنا شيئًا فشيئًا من جميع النواحي، جسديًّا كان أو روحيًّا. جسديًّا، نبدأ منذ اليوم بالانقطاع عن تناول اللحوم لتتحضّر أجسادنا ولا تنصدم بالانقطاع المفاجئ عن كلّ أنواع المآكل دفعةً واحدة. أمّا روحيًّا، فبعدما تعلّمنا مساوئ الكبرياء ومحاسن التواضع مع الفريسي والعشار، وجمال التوبة مع الابن الشاطر، يُقرأ على مسامعنا إنجيل الدينونة حيث يفصل المسيح بين الخراف والجداء الذين أدانتهم أفعالهم الأرضيّة فورثوا اليمين أو اليسار.
في الكثير من الأحيان ننصّب أنفسنا أساتذةً في الحياة الروحيّة على الآخرين، في حين نكون نحن بأشدّ الحاجة إلى تدريب. أحيانًا أيضًا لا يكون الآخر في حاجة إلى من يكلّمه، بل إلى من يزوره ويطعمه ويُلبسه، الأمر الذي تكلّم عليه الربّ في الإنجيل: "لأنّي جعتُ فأطعمتموني وعطشتُ فسقيتموني وكنتُ غريبًا فآويتموني وعريانًا فكسوتموني ومريضًا فعدتموني ومحبوسًا فأتيتم إليَّ" (متى 25: 35-36). الحيث عن يسوع المسيح سهل جدًّا، يمكن لأيٍّ كان أن يقوم به، لكنّ الحياة المسيحيّة الحقيقيّة بالإيمان المقترن بالأفعال صعب. قليلون هم الذين يقرنون بين ما يتكلّمون عليه وما يقومون به. إذا مرّ مسيحيٌّ فخور بمسيحيّته بأحد الفقراء المستعطين على الطريق نجده يبدأ بوعظ هذا الفقير بأن يذهب ويعمل بدلاً من أن يستعطي وما إلى ذلك وفي النهاية إمّا يعطيه مالاً أو لا يعطيه. المسيحيّ لا يدين ولا يعطي بشروط. مَن طُلبت منه صدقة عليه أن يعطيها من دون أن يدرس حال الإنسان الواقف على الطّريق. إذا كان هذا الشخص سارقًا فإنّ الله يدينه لا نحن، لأنّه ربّما يكون محتاجًا فعلاً.
أحيانًا أخرى نقع في دينونة إخوتنا حسب المظهر الخارجي. مَن لا يلبس ثيابًا تليق بذوقنا نحن نحسبه خاطئًا ويستحقّ الرّجم لأنّنا نعتبره غير مرتّب. الذي نشاهده غاضبًا مرّةً نُسقط عليه صفة اللؤم والقسوة والشرّ من دون حتّى أن نعرف سبب غضبه وإذا كان على حقّ أو لا. إذا أُخبِرنا عن أحدٍ أمرًا ما، يسهل علينا الحكم عليه ممّا سمعناه بدلاً من التحقّق شخصيًّا من صحّة الأمر، إذ نجد صعوبة في مواجهة الآخر وسؤاله عوضًا عن الحكم عليه سمعيًّا.
أن ندين الآخر أمر سهل جدًّا، لكن هل فكّرنا كيف ستكون دينونتنا؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "المسيحي يفكّر دائمًا بموته ودينونته الآتية والجواب الذي سيعطيه عن أعماله، ويفكّر دائمًا بخطاياه طالبًا إلى الله مسامحته عليها". إن أمضينا حياتنا والوقت المُعطى لنا للتوبة ولربح الملكوت في الثرثرة والنميمة وإدانة الآخرين فإنّنا لن نجد الوقت لنخلّص أنفسنا. يقول الذّهبي الفم أيضًا: "لنتألّم على الذين يؤذوننا أكثر ممّا يتألّمون هم، لأنّ الأذى الذي يحاولون أن يسبّبوه لنا ينقلب عليهم. إنّ أولئك الذين يتباهون بعملهم جديرون بالشفقة كما أنّ أولئك الذين يظلمون الآخرين يستحقّون شفقتنا لأنّهم يجرحون أنفسهم".
في النّهاية، لننظر إلى أنفسنا في أيّ طريق نسير. إن سلكنا طريق الشرّ ستكون نهايتنا مع الجداء عن اليسار، أمّا مَن يسلك بالبرّ فيكون من مباركي الآب السماوي ويجلس مع الخراف عن اليمين.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات