كيف نعرف أن فرضية ما في التعليم المسيحي صحيحة ومقبولة ويجب الأخذ بها وتعليمها؟
الجواب البسيط هو: انظر اللاهوت الكامن فيها: إن كان لاهوتها غير صحيح عندئذ لا يمكن القبول بها أو تعليمها حتى ولو قال بها (بالحري منسوبة إلى) قديسٍ أو أبٍ أو معلم. إن كانت الفرضية تخالف الكتاب المقدس عندئذ هي مرفوضة.
السؤال هنا كيف يقول قديس أو أب بشيء مخالف للاهوت الأرثوذكسي أو للكتاب المقدس؟
الجواب معقّد لأنه لا يوجد جواب واحد بسيط. فأولاً: كل إنسان يُخطىء. وثانياً: توجد أقوال تُعزى لقديس أو أب وهو بريء منها. وثالثاً: توجد أقوال منسوبة لقديس تؤخد من إطارها الأصلي التي قيلت فيه وتُفسر (أو تُستعمل) بصورة لم يقصدها صاحبها الأصلي. فأي تفسير لأي نص "آبائي" مخالف للكتاب المقدس أو للعقيدة الأرثوذكسية هو تفسير مرفوض.
ومن جهة أخرى، إن الأدب النسكي مشحون بالاستعارات والكنايات والأمثلة التي لا يجب أن تؤخذ حرفياً أو أن تُفسر بمعزل عن إطار كتابتها. فالأدب النسكي ليس الإطار الذي منه يمكن أن نجد العقائد اللاهوتية مدوّنة تدويناً لاهوتياً، وليس مصدر صياغة العقائد. الأدب النسكي أدب ذو أهداف معينة من تهذيب النفس وصقل الأخلاق ورفع السوية الروحية والإرشاد الروحي. العقائد موجودة في المجامع المسكونية المبنية على كتابات آباء الكنيسة.
أيضاً، يقول البعض إن التعاليم الواردة في الأدب النسكي (مثل المحطات الجمركية) موجودة لتعليم الرهبان وإرشاد حياتهم الروحية، وليست الغاية منها صقل تعاليم عقائدية معينة. هذه الفكرة، على سذاجتها، فكرة خطيرة. فكيف نعلّم الرهبان تعاليم مناقضة للكتاب والآباء بحجة صقل حياتهم الروحية؟ كيف نعلّم الرهبان لاهوتاً خاطئاً، والحياة الروحية والنسكية بدون لاهوت صحيح حي مثل الشيك بدون رصيد؟ ومَن قال إنه من المسموح تعليم الرهبان أموراً حصراً بهم دون العلمانيين، وكأن مسيحية الرهبان هي غير مسيحية العلمانيين؟ لا يحق للمسيحي سوى قول الحق لا الباطل، سواء كان القول موجهاً للرهبان أو العلمانيين أو الكهنة.
مرة أخرى، القاعدة الذهبية الخالدة هي: إن كان أي قول أو تعليم يخالف الكتاب المقدس واللاهوت الأرثوذكسي (التعليم الآبائي بالإجماع) فهو مرفوض حتى ولو نُسب إلى أي قديس أو ملعم. نظرية المحطات الجمركية مثال حي على هذه القاعدة. إذا نظرنا إلى الأقوال الآبائية المتعلقة بهذه النظرية لوجدنا أن هذه الأقوال تقع في ثلاث فئات: أقوال تُذكر فيها المحطات الجمركية بصورة صريحة (بريانتشانينوف، مكسيموفيتش). أقوال لا تُذكر فيها المحطات الجمركية بالاسم، ولكنها قد توحي بها. أقوال تنفي تعاليم المحطات الجمركية بصورة صريحة. من هنا نستنتج أنه لا يوجد إجماع آبائي على تعليم هذه المحطات الجمركية. ونستنتج أن هذا التعليم غير آبائي لوجود آباء قد علّموا تعليماً مغايراً لهذه النظرية دون ذكرها بالاسم. وبدراسة فئة الأقوال التي قد توحي بهذه النظرية نجد أن مؤيديها قد حرّفوا النص الأصلي أو تفسير النص الأصلي أو ترجمة النص الأصلي بطريقة تجعله يوحي بهذه النظرية. هذا التحريف طال حتى بعض النصوص الليتورجية (خاصة الروسية منها). لضيق المجال أُحيل القارىء إلى بعض المصادر الإنكليزية التي ناقشت بعض جوانب هذا التحريف.
من الجدير بالذكر هنا أن قصة غريغوريوس (تريس)، وهي أصل نظرية المحطات الجمركية، مبنية على حلم. لا توجد عقيدة أو تعليم أرثوذكسي يُبنى على حلم أو وهم أو تخيّل أو ظهور. بئس الفكرة!
أيضاً، لا يمكن أن نقبل بأي شكل من الأشكال نظرية المحطات الجمركية على أنها مجرد رأي لاهوتي (لا عقيدة) يمكن الأخذ به بدون فرضه على أحد. هذه النظرية تخالف التعليم الأرثوذكسي في عدة نقاط وهي نظرية هرطوقية ذات أساس غنوصي. لهذا يجب رفضها رفضاً قاطعاً رفضنا للهرطقات الكنسية. فلا يمكن، مثلاً، الأخذ ببدعة نسطوريوس أو آريوس على أنها مجرد رأي لاهوتي! الحال نفسه مع المحطات الجمركية.
بدون لاهوت مستقيم لا توجد روحانية سليمة، ولا موسيقا كنسية صائبة، ولا ليتورجيا صحيحة، ولا سير قديسين موثوقة، ولا قوانين كنسية مُلزمة. اللاهوت أساس كل شيء. إذا نزعنا اللاهوت المستقيم من أي وجه من أوجه الحياة الكنسية لتعرضنا لخطر الزلل والضياع والانحراف والبدع. لهذا السبب لا توجد قداسة بدون لاهوت مستقيم. هذا نظرياً، أما عملياً فيمكن أن نجد قديسين يتعرضون للخطأ أو الزلل أو التفرد برأي أو تعليم. الأصل هو للإجماع الكنسي الآبائي المبني على لاهوت أرثوذكسي سليم.
إذاً، نظرية المحطات الجمركية مرفوضة لأسباب لاهوتية مهمة. لهذه النظرية أصول غنوصية وثنية واضحة جداً، ولكنها مع الأسف لاقت رواجاً شعبياً واسعاً لدى الكثيرين من عامة الشعب الأرثوذكسي البسيط الذي تستهويه الحياة ما بعد الموت، وأسرار ما وراء القبر، وسوى ذلك من الأسرار والغوامض الطنانة، غير آبه بالتجاوزات اللاهوتية التي تعتبرها الكنيسة (لو اجتمعت في مجمع أرثوذكسي مسكوني ثامن) بدعاً لا يمكن السكوت عنها.
تم.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات