62ــ من عادة الغضب ان يعكر النفس ويقلقها اكثر من الاهواء الاخرى، ولكنه يخدمها احيانا اعظم خدمة. فاننا عندما نستعمله بهدوء ضد الملحدين، او اي خطأة آخرين لنخلصهم او نفحمهم نكسب النفس مزيدا من الوداعة، لاننا نسهم على كل حال في ابتغاء العدل والصلاح الالهيين. بل نحن، عندما تثور ثائرتنا ضد الخطيئة، كثيرا ما نحول الى شهامة رجولية ما في النفس من ضعف انثوي، ومن جهة اخرى لا ريب في اننا اذا كنا في حالة من اليأس وارتعشنا بالروح ضد شيطان الهلاك سوف نزدري تبجحات الموت. ولكي يعلمنا هذا فقد ارتعش الرب نفسه مرتين واضطرب لدى مواجهته الجحيم، وان كان قد اتم كل ما شاء بمجرد ارادته دون ان يضطرب، وهكذا ارجع نفس العازر الى جسده ( يو 33:11 وما بعدها) . وبالتالي فإن خالقنا على ما ارى انما اعطانا الغضب المعتدل بالاحرى كسلاح. ولو استعملته حواء ضد الحية لما كانت خضعت للذة الشهوانية. فمن يستخدم الغضب باعتدال دفاعا عن الدين سوف يجد اذا في ميزان المجازاة بلا شك افضل معدنا من الذي لا يتحرك ابدابالغضب لبلادته. فواضح ان هذا الاخيرانما يقتني لقيادة مركبة مشاعره البشرية حوذيا غير متمرن. في حين ان الاول ، الحاضر ابدا في الميدان تحمله خيل الفضائل الى وسط الجيش الشيطاني، يجتذب الى مخافة الله عربة الامساك ذات رؤوس الخيل الاربعة، تلك هي " مركبة اسرائيل" التي نجدها مسماة هكذا في الكتاب المقدس عند ارتقاء ايليا الالهي. لذا يبدو ان الله قد كلَّم اليهود اولا بوضوح عن الفضائل الاربع، بل لاج هذا رفع على مركبة نارية ربيب الحكمة الشهير وكأنه في امساكه اتخذ فضائله على ما يتراءى لي بمثابة خيل نارية حين رفعه الروح في العاصفة نحو السماء ( 4 مل 11:2)
في التجرد والفقر
63ـ على من نال نصيبا من المعرفة المقدسة وذاق عذوبة الله أن لا يدافع عن نفسه في المحاكم ولا يقاضي احدا، حتي ولو جردوه من ثيابه، فإن عدالة سلاطين هذا العالم هي دون عدالة الله على الاطلاق. بل ليست بالاحرى شيئا مقابلها. والا فما الفارق بين اتباعه الله واتباع هذا الدهر، ان كان حق هؤلاء لا يتبين ناقصا ازاء حق اولئك، حتى انه يحكى في الحالة الاولى عن الحقوق البشرية وفي الحالة الثانية عن العدالة الالهية؟ على هذا المنوال فربنا يسوع " اذ شئتم لم يكن يشتم عوضا واذ تألم لم يكن يهدد ( بطرس الاولى 23:2)، بل احتمل ان يعروه من ثيابه وهو صامت، واكثر من ذلك فقد ذهب الى ان يلتمس من ابيه خلاص المجرمين. اما اناس هذا العالم فما كانوا ليوقفوا دعاويهم لو لم يكونوا قد استعادوا مع ربا'' احيانا الاملاك التي من اجلها يتقاضون، خاصة حين يحصلون الفوائد قبل استرجاع الدين، حتى ان الحق كثيرا ما يصير على هذا الوجه فرصة سانحة لهم ليظلموا الآخرين باجحاف
64ـ سوف يقال مع بعض الناس الاتقياء انه يجب ألا ندع أيا كان يجردنا مما نملك سواء لمعيشتنا او لاعانة الفقراء، لا سيما اذا كان المجردون من المسيحيين، ذلك أننا برضوخنا هذا نصير فرصة لوقوع الذين يؤذوننا في الخطيئة. لكن هذا يعني تفضيل املاكنا على انفسنا بحجة باطلة ( انظر ا ع 24:20). فتركي الصلاة وحفظ القلب لمقاضاة الذين ينازعونني والتردد كل يوم على المحاكم يعني جليا وضع الاملاك التي اطالب بها فوق خلاصي، لئلا اقول فوق الوصية الخلاصية نفسها. فكيف لي ان اتبع الوصية الانجيلية التي تأمرني بأن " من اراد ان يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء ايضا، ( متى 40:5) ان لم احتمل سلب اموالي بفرح" حسب قول الرسول ( انظر عب 34:10) ما دمت لم احرر السالب من خطيئته حتى بعد مقاضاته واسترجاعي كل مبتغاي؟ فمحاكم الفساد لا تستطيع ان تحد حكم الله غير القابل للفساد لان الاحكام القانونية التي يخضع لها المدعي ليست ابدا سوى التي يتفق له ان يدافع عن قضيته بموجبها. حسن اذا ان نصبر على ضيم الذين يريدون الاضرار بنا ونصلي من اجلهم لكي يبرَّأوا من جرم السرقة بالتوبة لا بارجاع ما سلبونا اياه. هذا ما تنشده عدالة الرب : ان نستعيد لا الاملاك المختلسة بل الانسان المختلس معتقا من خطيئته بالتوبة
65ـ من الموافق جدا والنافع تماما ان نعمد، حال تعرفنا على طريق التقوى، الى بيع املاكنا كلها وتوزيع ثمنها حسب وصية الرب ( متى 21:19) عوض ان نهمل هذا التنبيه الخلاصي بحجة اننا نحفظ الوصايا في كل شيئ. فإن هذا يجزينا اولا زهدا جميلا وفقرا نصير به في مأمن من فخاخ العدو، فلا نبالي بأية ظلامة او منازعة تصادفنا اذ لا يعود لنا ما يذكي فينا النار التي تحرق الطماعين. ولكن ما سيدفئنا حينذاك اكثر من سائر الفضائل هو التواضع. فإنه سوف يحتضننا كوننا عراة كما تحتضن الام طفلها لتدفئه اذا ما نزع عنه ثيابه ورماها بعيدا ببساطة الاطفال، وهو في براءته هذه سعيد بعريه اكثر مما لو كان في لباس بهي الالوان. فانه مكتوب " الرب يحفظ الاطفال، أنا اتضعت فخلصني " ( مز 6:114)
يتبع