ليس من إنسان مولوداً متحرراً من الخطيئة الأصلية. لقد ورث الجنس البشري سقوط آدم وحواء ونتائج هذا السقوط. كلمة الرسول بولس واضحة: "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (روما 3: 23). يبرز هذا المقطع الرسولي أن الخطيئة هي الحرمان من مجد الله وبالتالي ما من أحد متحرر منها. وهكذا، وُلدت العذراء مريم بالخطيئة الأصلية. لكن متى تحررت منها؟ ينبغي بالجواب على هذا السؤال إلا يُبنى على وجهات النظر السكولاستيكية. في البداية يجب أن نذكر أن الخطيئة الأصلية هي الحرمان من مجد الله والتغرب عنه وفقدان الشركة معه.
ولهذا الأمر مفاعيل حسية لأن الفساد والموت دخلا إلى جسدي آدم وحواء. في التقليد الأرثوذكسي، لا يعني الكلام عن ميراث الخطيئة الأصلية ميراث الشعور بالذنب لهذه الخطيئة، بل بالدرجة الأولى يعني ميراث نتيجتها أي الفساد والموت. تماماً كما تمرض أغصان النباتات وأوراقها عندما يموت جذرها، هكذا حدث مع سقوط آدم. كل الجنس البشري صار مريضاً. الفساد والموت اللذان ورثهما الإنسان هما المناخ المفضّل للأهواء وبهذه الطريقة صار فكر الإنسان معتماً. لهذا السبب بالتحديد ساعد اتخاذ المسيح هذا الجسد المائت والمتألم من خلال تجسده على تصحيح نتائج سقطة آدم. لقد كان هناك تأله في العهد القديم، كما كان هناك استنارة للفكر، لكن الموت لم يكن قد أبيد بعد. لهذا السبب ذهب كل الأنبياء معايني الله إلى الجحيم. بتجسد المسيح وقيامته، تألهت الطبيعة البشرية وهكذا أُعطيت لكل إنسان إمكانية التأله. ففي المعمودية المقدسة نصبح أعضاء جسد المسيح المؤله والقائم من بين الأموات، لهذا السبب نقول أن بالمعمودية المقدسة يتحرر الإنسان من الخطيئة الأصلية. عندما نطبق هذه الأمور على حالة العذراء مريم يمكننا أن نفهم علاقتها بالخطيئة الأصلية وتحررها منها.
وُلدت العذراء مريم بالخطيئة الأصلية وورثت في جسدها كل نتائج الفساد والموت. بدخولها إلى قدس الأقداس بلغت التأله. هذا التأله لم يكن كافياً ليحررها من نتائج السقوط وهذا بالضبط لأن الطبيعة الإلهية لم تكن قد اتحدت بعد مع الطبيعة البشرية في أقنوم الكلمة. وهكذا، عند لحظة اتحاد الطبيعتين الإليهة والبشرية في رحمها بقوة الروح القدس، تذوقت التحرر من الخطيئة الأصلية ونتائجها. إلى هذا، فالسقوط تم في اللحظة التي فيها فشل آدم وحواء في جهادهم الشخصي الحر. ولهذا السبب، في لحظة البشارة، بلغت العذراء مريم حالةً أعظم من تلك التي كان عليها آدم وحواء قبل السقوط. لقد أعطيت أن تتذوق غاية الخليقة وهدفها، كما سوف نرى في التحليل الآخر. لهذا السبب، لم يكن من داع للعنصرة لدى العذراء كما لم يكن من ضرورة لمعموديتها.
ما اختبره الرسل في يوم العنصرة عندما أصبحوا أعضاء جسد المسيح بالروح القدس، وما يحدث لنا جميعاً خلال سر المعمودية، حدث للعذراء مريم قبل يوم العنصرة. لقد تحررت من الخطيئة الأصلية ليس بمعنى أنها تخلصت من الذنب بل قد بلغت التأله بنفسها وتجسدها بسبب اتحادها بالمسيح. في هذه الأطر ينبغي تفسير كلام القديس يوحنا الدمشقي بأن العذراء مريم في يوم البشارة تلقت الروح القدس الذي طهرها وأعطاها قوة تقبل ألوهية الكلمة مع قوة الولادة في وقت واحد. أي أن العذراء مريم تلقّت من الروح القدس نعمة مطهرة ولكن أيضاً نعمة لتتقبل كلمة الله كإنسان وتكون قادرة على ولادته.
المصدر: الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، بشارة العذراء مريم، الأعياد السيدية، (دمشق: منشورات مكتبة البشارة، 2009) ص ص 27- 28
اقرأ أيضاً:
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (1)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (2)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (3)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (4)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (5)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (6)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (7)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (8)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (9)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (10)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
بوركت اخت مايده .لك كل الشكر .

المفضلات