إن رد العذراء مريم على إعلام رئيس الملائكة لها بأنها سوف تُعطى أن تلد المسيح كان معبراً: "هئنذا أمة للرب. ليكن لي بحسب قولك" (لوقا 1: 38). هنا تظهر العذراء مريم لقول رئيس الملائكة وأيضاً طاعتها لله أمام حدث غريب وشاذ بحسب المنطق البشري. هكذا أخضعت منطقها لإرادة الله.
يدّعي البعض بأنه في تلك اللحظة كل أبرار العهد القديم، لا بل كل البشرية، انتظرت بقلق لتسمع جواب العذراء مريم، خوفاً من أن ترفض وألا تطيع إرادة الله. إنهم يتمسكون بهذا لأن في كل مرة يقع الإنسان في هكذا مأزق، وبالضبط لأنه حر، يستطيع أن يقول نعم أو لا، كما حدث في حالة آدم وحواء، الشيء نفسه كان ممكناً حدوثه مع العذراء مريم. في أي حال، لم يكن ممكناً لها أن ترفض، ليس لأنها كانت بلا حرية بل لأن كان عندها الحرية الحقيقية.
يميّز القديس بوحنا الدمشقي بين الإرادة الطبيعية والإرادة العنيدة. يتشبث المرء بإرادته عندما يتميز بجهله لأمر ما، بالشك وفي النهاية بعجزه عن الاختيار. هذا يشير إلى التردد حول ما يفعله. يكون المرء ذا إرادة طبيعية عندما ينقاد بطريقة طبيعية من دون تردد ولا جهل إلى تحقيق الحق.
وهكذا يبدو أن الإرادة الطبيعية مرتبطة بالرغبة، بينما العناد مرتبط بكيفية ما نريد، وفوق هذا أن يتحقق ما نريد إنما بشكوك وتردد. بالنتيجة، تتضمن الإرادة الطبيعية كمال الطبيعة بينما الإرادة العنيدة تتضمن نقص الطبيعة، لأنها تفترض مسبقاً شخصاً من دون معرفة للحق وغير واثق مما عليه أن يقرره.
ومع أن للمسيح إرادتان بسبب طبيعته الإلهية والبشرية، إلا أن له إرادة طبيعية من وجهة النظر التي ندرسها هنا. لم يكن لديه إرادة معاندة. كإله، هو دائماً يعرف إرادة الله الآب، وليس فيه أي تردد أو شك. يختبر القديسون هذا الأمر بالنعمة أيضاً، وخاصةً العذراء مريم. فلأنها بلغت التأله كان من المستحيل أن ترفض إرادة الله وألا تقبل بالتجسد. لقد كان عندها الحرية الكاملة ولهذا فقد عملت حريتها دوماً طبيعياً وليس بخلاف الطبيعة. نحن عندنا حرية غير كاملة لأننا لم نبلغ التأله، إرادتنا العنيدة، ولهذا نحن نتردد في ما نقوم به. سؤالها "كيف لي هذا وأنا لم أعرف رجلاً؟" (لوقا 1: 34)، يُظهر الاتضاع وضعف الطبيعة البشرية، لكنه أيضاً ظُهر غرابة الأمر إذ قد كان في العهد القديم ولادات عجائبية ولكن ليس من دون زرع.
المصدر: الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، بشارة العذراء مريم، الأعياد السيدية، (دمشق: منشورات مكتبة البشارة، 2009) ص ص 29- 30
اقرأ أيضاً:
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (1)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (2)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (3)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (4)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (5)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (6)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (7)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (8)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (9)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (10)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات