الطاعة في مفهوم الحياة الروحية :
ان فعل "أطاع " باللغة اليونانية يساوي فعل " استمع" و" أصغى" ( ηυπακοι, ακοθο) ، فالطاعة عي الاستماع، هي الاصغاء الداخلي لصوت الله، لنداء الرجوع الى الله من تحت نير الخطيئة، لنداء المسيح الذي يدلنا على طريق الرجوع. هي الانفتاح الكلي النهائي لصوت المسيح
وعدم السماح لحريتنا وارادتنا بالانغلاق على ذاتها من جديد، " كالأفعى الصماء التي تسد اذنيها ولا تصغي الى صوت الحواة ولا تأبه لرقية يعدَها راق حكيم "( مزمور 57: 4- 5 ) .
بحسب الكنيسة الارثوذكسية ، ما من احد كامل . من يؤمن بانه معصوم عن الخطأ يرتكب اكبر غلطة. حتى الاب الروحي الاكثر قداسة، معرض لان يرتكب الاخطاء ، لا ينبغي ان يفتكر الابناء
الروحيون ان أباهم الروحي كامل ، فهم يملكون الحرية لان يستفهموا رأيه. هذا يعني انهم يبدون رأيهم بتواضع واحترام اذا كان أبوهم الروحي على خطأ.
فاذا كانت وصاياه تخالف الكتاب المقدس، يجب عليهم ان لا يطيعوه، بحسب القديس باسيليوس الكبير . اما اذا كانت وصاياه بحسب الكتاب المقدس فيجب اتباعها ( القوانين الطويلة ب، 47).
في الكنيسة الارثوذكسية لا ينتهي الابناء الروحيون ككائنات بلا مشيئة في ايدي أبيهم الروحي ، من غير رأي ومنطق . انهم يملكون رأيهم وقرارهم الشخصي ، احرار ان يرفضوا واحرار ان يطيعوا. هذه الطاعة لا تهدف الى قهر المنطق بل اسحق " الأنا" التي لا تهدأ. قد يكون رأيك أصح من رأي أبيك الروحي، ولكن الطاعة له تضرب أنانيتك . هذا يمكن ان يتم بالطاعة المستمرة. فعندما تقهر الانانية، يتنقى العقل. ان الالتزام بعلم الغيب يقتل المنطق والارادة الحرة، اما التزام بالكنيسة فيحيي المنطق وينقيه ويقدسه.
قد يؤمن الانسان ان أباه الروحي على خطأ، لهذا لا يطيعه. يجب ألاَ يلام الاب الروحي ، وفي الوقت نفسه هذا الابن بريء. لو قال له الأب شيئا يوافق عليه لكان أطاعه. انه يطيع لا لانه وافق على اتباع ارشاده بل لان الارشاد يوافق تفكيره .
هذا يعني في الجوهر انه ينصح نفسه بينما يقول ان يطيع أباه الروحي. لماذا لم يطعه عندما كانت اختلفت افكارهما ؟ اترى انه يتبع نصحية نفسه وليس نصيحة أبيه ؟ ثمة كبرياء وراء عدم طاعته. " ان شجرة السرو المتكبرة لا تنحني "( السلم الى الله 23: 7) .هذا نفسه ينطبق عليه. فهو يبقى صلبا وغير مطيع.
وهذا الامر نفسه يصح حتى ولو كان المسيح نفسه هو أباك الروحي. لقد قال المسيح :" فكل ما قالوا لكم ان تحفظوه فاحفظوه وافعلوا " ( متى 23: 3) . هذا يعني: افعل كل ما يطلبه منك أبوك الروحي. انت تستهين بالمسيح عندما تستهين بأبيك الروحي .ان اطعت نصحيته " غير المعقولة" ( وليست غير الاخلاقية )، تكتسب فرصة ذهبية لتحارب أنانيتك التي لا تكن احتراما للمسيح .أتفعل ذلك ؟ انت تقدم نفسك كشخص روحي وعندك أب روحي وتحزن لمن ليس لهم أب روحي ، لكنك لا تصغي لابيك الروحي. في الجوهر انت ايضا بلا أب روحي . مع ذلك ، كي نكون عادلين، انت تملك عقلك " الحكيم" و "الملهم" من الله كمرشد.
لذا قليلون هم الذين يدركون سر الطاعة. ان الذي يطيع فهو عظيم امام الله، لانه يحذو حذو المسيح الذي اعطانا ذاته مثال الطاعة. ان السيد يحب النفس المطيعة ويمنحها سلامه وهكذا يصير كل شيء حسنا عندها ولها فتختبر الحب للجميع.
ان المطيع قد وضع كل امله وتكاله على الله، ولذلك فان نفسه تسكن دائما في الاله. والسيد يسبغ عليه نعمته، وهذه النعمة ترشد النفس الى كل ما هو جيد وموافق، وتمنحها القدرة على السكنى في الخير.يرى الانسان الشر، لكن لا يكون لهذا الشر اية سلطة عليه، لان النعمة الروح القدس معه تحفظه من كل خطيئة . وهو يصلي لله بسلام وبدون اي جهد .( القديس سلوان الاثوسي).
ان الروح القدس يحب النفس المطيعة ، فتعرف السيد بسرعة وتحصل على نعمة صلاة القلب.
ان الطاعة ضرورية، ليس فقط للراهب، بل لكل انسان. حتى السيد الرب اطاع ، حتى الموت، موت الصليب. ان المتكبرين لا يفعلون الا بحسب مشيئتهم ما يوافقهم، ولا يتركون النعمة تعمل
فيهم ، لهذا فانهم لا يملكون سلام النفس ابدا. اما نعمة الروح القدس فتدخل روح المطيع وتمنحه فرحا وسكونا .
ان الذي يطيع حقيقة يكره مشيئته الذاتية، ويحب أباه الروحي ، وبفضل هذا، فانه يحصل على امكانية الصلاة بروح وبعقل نفيين. روحه تتأمل الاله بحرية ، بدون تشوش، وهي تسكن بسلام فيه. هذا يحصل بسرعة على النعمة وعلى حب الله بفضل تواضعه وبصلوات ابيه الروحي.( القديس سلوان الاثوسي).
ان حياتنا سهلة بسيطة لكنها بحاجة الى الحكمة. قالت والدة الاله للقديس سيرافيم ساروفسكي :" اعطهن ( للراهبات) عمل الطاعة ، واللواتي يحفظن الطاعة والحكمة يكن معك ومعي ، بجانبي " .
سؤال يطرح لماذا وضع الآباء القديسون الطاعة في مرتبة أعلى من الصوم والصلاة ؟
لاننا اذا قمنا بجهود نسكية بدون طاعة، فهذا ينشئ لدينا روح الكبرياء بينما الذي يطيع فانه يفعل كل ما قيل له، وليس عنده اية حجة لكي يتكبر. من جهة اخرى، فان المطيع قد قطع مشيئته في كل شيء وهو يستمع لابيه الروحي، ولهذا تبقى نفسه حرة وعقله غير منشغل باي هم وهو يحصل بفضل هذا على " الصلاة النقية".
بالطاعة يحفظ الانسان نفسه من الكبرياء، بالطاعة تعطى له الصلاة، بالطاعة تمنح نعمة الروح القدس. لاجل هذا وضعت الطاعة في مرتبة اعلى من الصوم والصلاة ( القديس سلوان الاثوسي).
لو حفظ الملائكة الطاعة، لكانوا سكنوا السماوات ورنموا التسابيح السيدية ولو يسقطوا. ولو حفظ آدم الطاعة ، لكان هو ونسله سكنوا الفردوس ايضا. وحتى الآن بالامكان الحصول على الفردوس بالطاعة. ان السيد يحبنا برغم خطايانا شرط ان نملك التواضع وان نحب اعداءنا. ( القديس سلوان الاثوسي).
يقول القديس افرام السوي في الطاعة :
" مغبوط من يحوز ملك الطاعة الحقيقية المنزهة عن الرياء. فانه يشبه معلمنا الصالح الذي أطاع حتى الموت (2:8) .الطائع مشابه له. سينال الميراث مثله. من هندع طاعة يتحد بالجميع بفضل المحبة. ويقتني ثروة عظيمة. المطواع يرضي الجميع ويمدحه ويعظمه الجميع. يرتفع وينجح سريعا. ينتهر فلا يجاوي. يؤمن بالله بصدق. يزجر فلا يسخط. هو متهيئ لكل عمل صالح. لا ينحط الى الاحتداد بسهولة. ان سمع كلاما غير لائق لا ينزعج منه لا يضطرم غضبه في الشتائم، ويسر بالاحزان، ويشكر في الغموم. لا ينتقل من موضوع الى آخر، .. اذا وعظ لا يحرد . يثبت في المكان الذي دعي اليه... واما ثمار الطاعة فهي بالحقيقة كثيرة . لذا قمغبوط من قد اكتسبها."
الطاعة في المفهوم الرعائي:

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات