لماذا الانتقال؟
للقديس يوحنا الدمشقي
في الواقع، إنّ هذا المسكن اللائق بالله، والينبوع غير المنقوب بيدٍ الّذي يتدفق منه الماء الغافر الخطايا، والأرض غير المحروثة المثمرة الخبز السماوي، والكرمة التي أعطت خمر الخلود دونما سقاية، وزيتونةَ رحمةِ الآب الدائمة الاخضرار ذات الثمار البهيّة، كان يجب ألا تقاسي اعتقال لجج الأرض لها. بل كما أن الجسد المقدس الطاهر الذي بواسطتها وحّده الكلمة الإلهي بأقنومه قد قام من القبر في اليوم الثالث، هي أيضاً كان يجب أن تُنتزع من اللحد وتنضمَّ الأمُّ إلى ابنها. وكما نزل هو إليها، هكذا هي نفسها محطُّ حبّه كان يجب أن تُنقَلَ إلى "المسكن الأعظم والأكمل" إلى السماء بعينها".
كان يجب أن تأتي لتسكن في مظالّ ابنها، تلك التي قدّمت ملاذاً للكلمة الإلهي في حشاها. وكما قال الرب إنه سيكون في مسكن أبيه الخاصّ (بالضرورة)، هكذا كان يجب أن تسكن الأمّ في بلاط ابنها، "في بيت الرب وفي ديار بيت إلهنا" (مز134: 1، 135: 2). لأنّه إذا كان ها هنا مسكنُ جميع الفرحين" (مز7:78)، فأين ستسكن إذاً من هي علّة الفرح؟
كان يجب أن تحفظ جسدها بلا فساد، وحتّى بعد موتها، تلك التي حفظت بتوليتها كاملةً في الولادة.
كان يجب أن تسكن في المظالّ السماوية تلك التي حملت خالقها طفلاً في حشاها.
كان يجب أن تأتي لتسكن في خدر الزواج السماوي، العروس التي اختارها الآب لنفسه. كان يجب أن تشاهد ابنها جالساً بقرب الآب، من قد شاهدته على الصليب متقبلةً بذلك في قلبها سيف الألم الذي تركها في ولادتها.
كان يجب أن تتسلّم والدة الإله خيرات ابنها وأن تكرّمها كلّ الخليقة كأمّ لله وأَمَةٍ له. فالميراث يمرّ دوماً من الوالدين إلى الأولاد؛ وأما ها هنا، واقتباساً لعبارة أحد الحكماء، فينابيع النهر المقدس ترتقي ثانيةً إلى أصلها، وذلك لأنّ الابن قد أخضع لوالدته الخليقة بأسرها.
أقوال آبائية

قيل عن الأب يوحنا الكولوفي إنه تضرع إلى الله، فابتعدت عنه أهواؤه، وصار بدون همّ. عندئذ ذهب إلى أحد الشيوخ الرهبان وقال له: إني أرى نفسي في راحة لا في حرب. قال له الشيخ اذهب وتضرع إلى الله حتى تعاودك الحرب وانسحاق القلب والتواضع التي كانت لك فيما مضى. فالنفس بالحروب والتجارب تنمو وتتقدّم. فتضرع يوحنا إلى الله، ولما جاءته الحرب، لم يصلِّ إلى الله لكي تفارقه، بل كان يقول: يا رب أعطني الصبر في الحروب.
قال هو أيضاً: لا يمكنك أن تبني بيتك من أعلى إلى أسفل، إنما من الأساس إلى فوق. قالوا له: وما هو هذا الكلام يا أبانا؟ أجابهم: الأساس هو القريب الذي ينبغي أن تربح، وينبغي أن يكون اهتمامك الأول، لأن به تتعلق كل وصايا المسيح.
سئل القديس بيمين "ما هي التوبة؟" فقال: "الإقلاع عن الخطيئة وأن لا يعاود فعلها، لأنه لذلك دعي الصديقون لا عيب فيهم، لأنهم أقلعوا عن الخطيئة فصاروا صديقين".
قال القديس مقاريوس الكبير: "كما أن الماء إذا تسلط على النار يطفئها ويغسل كل ما أكلته. كذلك أيضاً التوبة التي وهبها الرب بيسوع تغسل جميع الخطايا والأوجاع والشهوات التي للنفس والجسد معاً". وقال القديس اسحق: المعمودية هي الولادة الأولى من الله. والتوبة هي الولادة الثانية.. كذلك الأمر الذي نلنا عربونه بالإيمان بالتوبة نأخذ موهبته.
وقال أيضاً: التوبة هي باب الرحمة المفتوح للذين يريدونه. وبغير هذا الباب لا يدخل أحد إلى الحياة لأن الكل أخطأوا كما قال الرسول: وبالنعمة نتبرر مجاناً.. فالتوبة إذن هي النعمة الثانية وهي تتولد في القلب من الإيمان والمخافة. بر المسيح يعتقنا من بر العدالة، وبالإيمان باسمه نخلص بالنعمة مجاناً بالتوبة.