لنقرأ أولاً هذا الكتاب، ومن ثم نقول أين قال الآباء هذا. الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد
إن الأخ كوستي بندلي ينطلق مما هو أعظم من كل كتب الآباء، فقد تم وصف في العهد الجديد بـ "الله محبة". فهو ينطلق من المحبة وعلى ضوء المحبة يتكلم. راجع مقدمة كلامه قبل أن يدخل إلى الموضوع. ومن بعدها نختلف معه بالرأي أو نتفق. ولكن لا ندينه فهو لم يأتِ بما هو مخالف للإيمان عندما يقول أن الله محبة.


أما بالنسبة لقصة حنانيا وزوجته سفيرة، فلنقرأ
1 وَرَجُلٌ اسْمُهُ حَنَانِيَّا، وَامْرَأَتُهُ سَفِّيرَةُ، بَاعَ مُلْكًا 2 وَاخْتَلَسَ مِنَ الثَّمَنِ، وَامْرَأَتُهُ لَهَا خَبَرُ ذلِكَ، وَأَتَى بِجُزْءٍ وَوَضَعَهُ عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ. 3 فَقَالَ بُطْرُسُ: «يَاحَنَانِيَّا، لِمَاذَا مَلأَ الشَّيْطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ وَتَخْتَلِسَ مِنْ ثَمَنِ الْحَقْلِ؟ 4 أَلَيْسَ وَهُوَ بَاق كَانَ يَبْقَى لَكَ؟ وَلَمَّا بِيعَ، أَلَمْ يَكُنْ فِي سُلْطَانِكَ؟ فَمَا بَالُكَ وَضَعْتَ فِي قَلْبِكَ هذَا الأَمْرَ؟ أَنْتَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّاسِ بَلْ عَلَى اللهِ». 5 فَلَمَّا سَمِعَ حَنَانِيَّا هذَا الْكَلاَمَ وَقَعَ وَمَاتَ. وَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذلِكَ. 6 فَنَهَضَ الأَحْدَاثُ وَلَفُّوهُ وَحَمَلُوهُ خَارِجًا وَدَفَنُوهُ.
7 ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ مُدَّةِ نَحْوِ ثَلاَثِ سَاعَاتٍ، أَنَّ امْرَأَتَهُ دَخَلَتْ، وَلَيْسَ لَهَا خَبَرُ مَا جَرَى. 8 فأَجَابَهَا بُطْرُسُ:«قُولِي لِي: أَبِهذَا الْمِقْدَارِ بِعْتُمَا الْحَقْلَ؟» فَقَالَتْ:«نَعَمْ، بِهذَا الْمِقْدَارِ». 9 فَقَالَ لَهَا بُطْرُسُ:«مَا بَالُكُمَا اتَّفَقْتُمَا عَلَى تَجْرِبَةِ رُوحِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا أَرْجُلُ الَّذِينَ دَفَنُوا رَجُلَكِ عَلَى الْبَابِ، وَسَيَحْمِلُونَكِ خَارِجًا». 10 فَوَقَعَتْ فِي الْحَالِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَمَاتَتْ. فَدَخَلَ الشَّبَابُ وَوَجَدُوهَا مَيْتَةً، فَحَمَلُوهَا خَارِجًا وَدَفَنُوهَا بِجَانِبِ رَجُلِهَا. 11 فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذلِكَ.
بالنسبة لحنانيا، فمن الواضح لم يأتِ الرسول بطرس بأي لعنة عليه. بل نجد أنه بعد موته قد تم معاملته بكل كرامة، إذ أخذوه ودفنوه. ولم يلقوه في الشارع.
وبالنسبة لسفيرة أيضاً لا يذكر الكتاب أن بطرس الرسول ألقى عليها أي لعنة، بل يذكر نبوءة للقديس بطرس حول أن نفس الاشخاص سيدفنوها. وأين دفنوها؟ في قرب زوجها! وهذا له معنى مزدوج.
قبل أن نتكلم عن المعنى، يقول القديس جيروم بحسب ماجاء في تفسير القمص تادرس ملطي: في الواقع لم يستدعِ الرسول بطرس الموت بأية وسيلة عليهما كما يدعي برفوري Prophery في غباوة. إنما أعلن حكم الله بروح النبوة، إن مصير الاثنين هو مثال للكثيرين. (أتحفظ على فهم معنى كلمة "حكم روح الله". فأنا أفهمه على ضوء الجملة اللاحقة وهي:إن مصير الاثنين هو مثال للكثيرين. وهذا ما سيتوضح لاحقاً )
الأول أن من يرتد عن الإيمان فله نفس المصير في الحياة الثانية. والمعنى الأخلاقي أنهم قد عاملوها باحترام وكرامة ودفنوها بجانب زوجها.
أما بالنسبة للموت، فهل كان الله هنا قاتلاً؟
يخبرنا الآباء باتفاق أن الموت دخل الطبيعة البشرية بسبب السقوط ولم يكن الموت حكماً إلهياً. إذ يرفض الآباء أن يكون الله مسبباً للموت. وأعتقد الأخ طاناسي هنا يوافقني.

قبل ان نُجيب على هذا السؤال دعونا نسترجع حدثاً إنجيلياً يُلقي الضوء على هذا الحدث:
مرقس 5: 1 وَجَاءُوا إِلَى عَبْرِ الْبَحْرِ إِلَى كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ. 2 وَلَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ لِلْوَقْتِ اسْتَقْبَلَهُ مِنَ الْقُبُورِ إِنْسَانٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ، 3 كَانَ مَسْكَنُهُ فِي الْقُبُورِ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَرْبِطَهُ وَلاَ بِسَلاَسِلَ، 4 لأَنَّهُ قَدْ رُبِطَ كَثِيرًا بِقُيُودٍ وَسَلاَسِلَ فَقَطَّعَ السَّلاَسِلَ وَكَسَّرَ الْقُيُودَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُذَلِّلَهُ. 5 وَكَانَ دَائِمًا لَيْلاً وَنَهَارًا فِي الْجِبَالِ وَفِي الْقُبُورِ، يَصِيحُ وَيُجَرِّحُ نَفْسَهُ بِالْحِجَارَةِ. 6 فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ مِنْ بَعِيدٍ رَكَضَ وَسَجَدَ لَهُ، 7 وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ:«مَا لِي وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ الْعَلِيِّ؟ أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ أَنْ لاَ تُعَذِّبَنِي!» 8 لأَنَّهُ قَالَ لَهُ:«اخْرُجْ مِنَ الإِنْسَانِ يَا أَيُّهَا الرُّوحُ النَّجِسُ». 9 وَسَأَلَهُ:«مَا اسْمُكَ؟» فَأَجَابَ قِائِلاً:«اسْمِي لَجِئُونُ، لأَنَّنَا كَثِيرُونَ». 10 وَطَلَبَ إِلَيْهِ كَثِيرًا أَنْ لاَ يُرْسِلَهُمْ إِلَى خَارِجِ الْكُورَةِ. 11 وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الْجِبَالِ قَطِيعٌ كَبِيرٌ مِنَ الْخَنَازِيرِ يَرْعَى، 12 فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ الشَّيَاطِينِ قَائِلِينَ:«أَرْسِلْنَا إِلَى الْخَنَازِيرِ لِنَدْخُلَ فِيهَا». 13 فَأَذِنَ لَهُمْ يَسُوعُ لِلْوَقْتِ. فَخَرَجَتِ الأَرْوَاحُ النَّجِسَةُ وَدَخَلَتْ فِي الْخَنَازِيرِ، فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى الْجُرْفِ إِلَى الْبَحْرِ. وَكَانَ نَحْوَ أَلْفَيْنِ، فَاخْتَنَقَ فِي الْبَحْرِ. 14 وَأَمَّا رُعَاةُ الْخَنَازِيرِ فَهَرَبُوا وَأَخْبَرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَفِي الضِّيَاعِ. فَخَرَجُوا لِيَرَوْا مَا جَرَى.

ماذا يقول الأرشمندريت -المتروبوليت حالياً- أفرام كرياكوس في الكتاب الذي ترجمه لأستاذ العهد الجديد في تسالونيكي الدكتور يوحنا كرافيذوبولوس؟ لنسمع:
يطلب الشياطين من يسوع ألا يرسلهم إلى مكان العذاب بل أن يسمح لهم بأن يسكنوا في قطيع من الخنازير القريبة (الآيتان 11-12). يقبل يسوع طلبهم "غير مقتنع منهم بل بتدبير مقصود من قبله"، حسب القديس يوحنا الذهبي الفم. ما هو "التدبير" الذي اتخذه يسوع عندما سمح للشياطين أن تسكن في حوالي 2000 خنزير اندفعت من على الجرف إلى البحر (الآية 13)؟ يقول البعض أن ما جرى كان لمعاقبة الرعاة الذين يربّون الخنازير المحرّمة في الناموس الموسوي. هذا التفسير غير صحيح لأن الحدث جرى في أرض وثنية (المدن العشر Décapole) حيث لا معنى للتحريم. يريد يسوع على الأرجح، عن طريق تلبية مطلب الشياطين، أن يشدّد على تأثير حضورهم المهلك، لأنهم حيث وُجدوا، أفي الناس كان أم في الحيوانات، فهم يجلبون الهلاك.

وليس من الضروري دائماً أن يكون الهلاك متشابها في التفاصيل ولكن هو دائماً واحداً في النهاية، والنهاية هي في عدم الاتحاد بالمسيح وبالتالي عدم دخول الملكوت.
ونرى أن النتيجة في كل النصين لحادثة غرق الخنازير (14 وَأَمَّا رُعَاةُ الْخَنَازِيرِ فَهَرَبُوا وَأَخْبَرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَفِي الضِّيَاعِ. فَخَرَجُوا لِيَرَوْا مَا جَرَى) وموت سفيرة وحنانيا (11 فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذلِكَ.) متشابهة.

لا أعتقد وأصر على كلمة "أعتقد" حتى لو رأها البعض هرطقة، أن المغزى من هذا الحدث الذي نقله الإنجيلي لوقا أن يخبرنا بأن من يُخطئ سيقتله الله. بل أراد أن يخبرنا أن من يًسلم نفسه للشيطان ويخون الكنيسة ستكون نهايته الأبدية كنهاية حنانيا وسفيرة ولذلك ركّز القديس لوقا على أنهما دفنا بجانب بعضهما البعض. وهذا هو ما أفهمه من ناحية ماقاله القديس جيروم عن "حكم روح الله".

ونهايةً أضع صلاة القديس نيقولاوس الصربي من أجل الأعداء (الأعداء هنا هم الشيوعيون الذين حاربوا الكنيسة أكثر مما حاربها نيرون وكل اباطرة الرومانيين، وقدمت الكنيسة في هذا العصر شهداء أكثر مما قدمتهم في العصور الأولى للاضطهاد):

بارك أعدائي يا رب ولا تلعنهم! فأباركهم أنا أيضاً.
الأعداء قادوني إلى عناقك أكثر مما فعل أصدقائي.
أصدقائي ربطوني بالأرض، فيما أعدائي حلّوني من الأرض وبعثروا كل مطامحي الدنيوية.
أعدائي قد غرّبوني عن الحقائق الدنيوية وجعلوني طارئاً ومقيماً في هذا العالم غير مرتبط به.
كما يجد الحيوان المطارَد مخبئاً أكثر أماناً من الحيوان غير المطارَد، كذلك أنا، لأحمي نفسي من أعدائي، وجدتُ ملاذاً مأموناً عندما التجأت إلى هيكلك، حيث لا الأصدقاء ولا الأعداء يقدرون على تهديد نفسي.
لذا يا رب بارك أعدائي ولا تلعنهم! فأباركهم أنا أيضاً.
ليس أنا، بل بالأحرى هم، مَن اعترف بخطاياي أمام العالم.
لقد جلدوني عندما ترددت أمام الجلد.
لقد عذبوني كلما حاولت تجنّب العذابات.
لقد وبّخوني في حين أني تملّقتُ نفسي.
لقد ضربوني فيما كنتُ أمدح نفسي من الجهل.
فبارك أعدائي يا رب ولا تلعنهم! فأباركهم أنا أيضاً.
في كل مرة قدّمتُ نفسي على أني حكيم كانوا ينادونني بالأحمق.
في كل مرة تقدمت بها مثل قويٍ، كانوا يسخرون مني وكأني قزم.
كلّما تمنيّت أن أقود آخرين، كانوا يدفعونني إلى الخطوط الجانبية.
كلما حاولت أن أُغني نفسي، كانوا يمنعونني بيد من حديد.
كلّما فكّرت بأني سوف أنام بسلام، كانوا يوقظونني.
في كل مرة كنت أحاول أن أبني بيتاً لحياة مديدة هادئة، كانوا يطردونني منه ويهدمونه.
في الحقيقة، إن أعدائي قد حلّوني من هذا العالم ومدّوا يديّ لألامس هدب ثوبك.
لذا، بارك أعدائي يا رب ولا تلعنهم! فأباركهم أنا أيضاً.
باركهم يا رب وكثّرهم! كثّرهم واجعلهم أكثر قساوة عليّ.
ليكون جريي إليك بلا رجعة.
ليتحطّم كل رجاء بالإنسان، كما تتحطّم شبكة العنكبوت.
ليحكم السلام المطلَق على نفسي.
ليصير قلبي قبراً لأخوَي الشريرَين: العجرفة والغضب.
فأخبئ كل كنوزي في السماوات.
وأصير مؤهّلاً للتحرر إلى الأبد من وَهْم الذات الذي أسرني في الشبكة المميتة لهذه الحياة الخادعة
الأعداء علّموني، ما يتعلّمه المرء بصعوبة، أن ما من عدو للإنسان في هذا العالم إلا نفسه
وأن الإنسان يكره أعداءه عندما يفشل في معرفة أنهم ليسوا أعداء بل أصدقاء قساة وبلا قلب!
فعلاً، من الصعب عليّ أن أخبر مَن الذي نفعني أكثر من الآخر أو آذاني أكثر من الآخر: الأعداء أم الأصدقاء.
فبارك أعدائي يا رب ولا تلعنهم! فأباركهم أنا أيضاً.

ونسأل القديس نيقولاوس: هل تحب أعداء الكنيسة أكثر مما يحبهم الله؟
ياترى ماذا سيكون جواب القديس نيقولاوس؟

الجواب لكم...