إن الله
((بعد أن كلّم الآباء بالأنبياء))، مجتهداً عبرهم أن يرمّم تدريجياً صورته المشوّهة فى الإنسان، متخذاً لهذا الغرض شعباً اختصه لنفسه ليجعل منه خميرة لجميع شعوب الأرض، الله ((كلّمنا أخيرًا فى ابنه)) المتجسّد يسوع المسيح. الذي كشف لنا حقيقة صورة الله، كاملة، دون زيغ وتشويه وهذه الحقيقة كانت بسلوكه وتعليمه، فمثلاً،نجده يكشف عن سلوك الله، عند جواب يسوع على طلب وجّهه إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي. فقد كان السامريون واليهود أعداء ألداء فى ذلك العهد. وكان السامرين، من جراء ذلك يتربّصون باليهود الذين كانوا يمرّون بقراهم فيسيئون معاملتهم، خاصة إذا كانوا حجاجاً صاعدين إلى أورشليم. هذا ما يلقى ضوءاً على تلك الحادثة التي يرويها لوقا الإنجيلي:

51 وَحِينَ تَمَّتِ الأَيَّامُ لارْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، 52 وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ رُسُلاً، فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا لَهُ. 53 فَلَمْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهًا نَحْوَ أُورُشَلِيمَ. 54 فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالاَ:«يَارَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟» 55 فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ:«لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! 56 لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ». فَمَضَوْا إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى. (لوقا 9: 51 - 56)

لقد أطلق يسوع بحق على ابني زبدي لقب ((ابني الرعد))، وها هما فى هذه الحادثة يتصرفان وفقا للقبهما. ولكن الموقف الذي وقفاه من السامريين الرافضين استقبال يسوع لم يكن من عندياتهما. لقد استلهماه من حادثة يرويها الكتاب عن إيليا عندما استنزل ناراً من السماء أحرقت على دفعتين رسل الملك أخزيا:

[ ‏وَسَقَطَ أَخَزْيَا مِنَ اَلْكُوَّةِ اَلَّتِي فِي عُلِّيَّتِهِ اَلَّتِي فِي اَلسَّامِرَةِ فَمَرِضَ، ‏وَأَرْسَلَ رُسُلاً وَقَالَ لَهُمُ: [اِذْهَبُوا اِسْأَلُوا بَعْلَ زَبُوبَ إِلَهَ عَقْرُونَ إِنْ ‏كُنْتُ أَبْرَأُ مِنْ هَذَا اَلْمَرَضِ ]. فَقَالَ مَلاَكُ اَلرَّبِّ لإِيلِيَّا اَلتِّشْبِيِّ قُمِ: ‏‏[ اِصْعَدْ لِلِقَاءِ رُسُلِ مَلِكِ اَلسَّامِرَةِ وَقُلْ لَهُمْ: هَلْ لأَنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي ‏إِسْرَائِيلَ إِلَهٌ، تَذْهَبُونَ لِتَسْأَلُوا بَعْلَ زَبُوبَ إِلَهَ عَقْرُونَ؟ فَلِذَلِكَ ‏هَكَذَا قَالَ اَلرَّبُّ: إِنَّ اَلسَّرِيرَ اَلَّذِي صَعِدْتَ عَلَيْهِ لاَ تَنْزِلُ عَنْهُ بَلْ ‏مَوْتاً تَمُوتُ ]. فَانْطَلَقَ إِيلِيَّا. وَرَجَعَ اَلرُّسُلُ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُمْ: [ لِمَاذَا ‏رَجَعْتُمْ؟ ] فَقَالُوا لَهُ: [ صَعِدَ رَجُلٌ لِلِقَائِنَا وَقَالَ لَنَا: اِذْهَبُوا ‏رَاجِعِينَ إِلَى اَلْمَلِكِ اَلَّذِي أَرْسَلَكُمْ وَقُولُوا لَهُ: هَكَذَا قَالَ اَلرَّبُّ: هَلْ ‏لأَنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي إِسْرَائِيلَ إِلَهٌ أَرْسَلْتَ لِتَسْأَلَ بَعْلَ زَبُوبَ إِلَهَ عَقْرُونَ؟ ‏لِذَلِكَ اَلسَّرِيرُ اَلَّذِي صَعِدْتَ عَلَيْهِ لاَ تَنْزِلُ عَنْهُ بَلْ مَوْتاً تَمُوتُ ]. ‏‏فَقَالَ لَهُمْ: [ مَا هِيَ هَيْئَةُ اَلرَّجُلِ اَلَّذِي صَعِدَ لِلِقَائِكُمْ وَكَلَّمَكُمْ ‏بِهَذَا اَلْكَلاَمِ؟ ] فَقَالُوا لَهُ: [إِنَّهُ رَجُلٌ أَشْعَرُ مُتَنَطِّقٌ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ ‏جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ ]. فَقَالَ: [ هُوَ إِيلِيَّا اَلتِّشْبِيُّ ]. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَئِيسَ ‏خَمْسِينَ مَعَ اَلْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَهُ، فَصَعِدَ إِلَيْهِ وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى ‏رَأْسِ اَلْجَبَلِ. فَقَالَ لَهُ: [ يَا رَجُلَ اَللَّهِ، اَلْمَلِكُ يَقُولُ اِنْزِلْ ]. فَأَجَابَ ‏إِيلِيَّا رَئِيسَ اَلْخَمْسِينَ: [ إ ِنْ كُنْتُ أَنَا رَجُلَ اَللَّهِ فَلْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ ‏اَلسَّمَاءِ وَتَأْكُلْكَ أَنْتَ وَالْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَكَ ]. فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ ‏وَأَكَلَتْهُ هُوَ وَالْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَهُ. ثُمَّ عَادَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَئِيسَ ‏خَمْسِينَ آخَرَ وَالْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ: [ يَا رَجُلَ اَللَّهِ، هَكَذَا ‏يَقُولُ اَلْمَلِكُ: أَسْرِعْ وَانْزِلْ ]. فَأَجَابَ إِيلِيَّا: [ إِنْ كُنْتُ أَنَا رَجُلَ اَللَّهِ ‏فَلْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَتَأْكُلْكَ أَنْتَ وَالْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَكَ]. فَنَزَلَتْ ‏نَارُ اَللَّهِ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُ هُوَ وَالْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَهُ‏ ][ 2 ملوك 1: 2- 12].

لقد كان إيليا عظيماً. وقد غدت غيرته على الإله الحيّ مضرب مثل إلى يومنا هذا. وكان ذا جرأة مدهشة فى التصدّي للملوك المفسدين. ولكنه كان يتصوّر الله ناراً تحرق الكافرين. وفى جبل الكرمل، تحدّى كهنة البعل قائلاً:

[ ثُمَّ تَدْعُونَ بِاسْمِ آلِهَتِكُمْ وَأَنَا أَدْعُو بِاسْمِ اَلرَّبِّ. وَالإِلَهُ اَلَّذِي يُجِيبُ بِنَارٍ فَهُوَ اَللَّهُ ] [ 1 ملوك 18: 24].

ولم يكن يدرك أنه بمبادرة الاقتدار تلك التي أقحم الله فيه، كان ينحدر، من حيث لا يشاء، بالإله الحيّ إلى مصف البعل، الذى كان، باعتقاد الكنعانيين، إله العاصفة والريح والرعد والصاعقة. ولكنه، بعد أن نجح فى مبادرته تلك وذبح على أثر ذلك كهنة البعل وغدا صاحب نفوذ لدى الملك، ارتدّ عليه انتصاره واتضح له أنه، فى لعبة العنف هذه، أضعف من أن يجاري الملكة إيزابيل، فهرب من أمام انتقامها واكتشف حدود إقتداره. عند ذاك لقنه الله درساً بليغاً على جبل حوريب، يرويه سفر الملوك:

[ وَدَخَلَ هُنَاكَ اَلْمَغَارَةَ وَبَاتَ فِيهَا. وَكَانَ كَلاَمُ اَلرَّبِّ إِلَيْهِ: [ مَا ‏لَكَ هَهُنَا يَا إِيلِيَّا؟ ] . فَقَالَ: [ قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلَهِ اَلْجُنُودِ، لأَنَّ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا ‏أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي. وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي ‏لِيَأْخُذُوهَا ]. فَقَالَ: [ اُخْرُجْ وَقِفْ عَلَى اَلْجَبَلِ أَمَامَ اَلرَّبِّ ]. وَإِذَا ‏بِالرَّبِّ عَابِرٌ وَرِيحٌ عَظِيمَةٌ وَشَدِيدَةٌ قَدْ شَقَّتِ اَلْجِبَالَ وَكَسَّرَتِ ‏اَلصُّخُورَ أَمَامَ اَلرَّبِّ، وَلَمْ يَكُنِ اَلرَّبُّ فِي اَلرِّيحِ. وَبَعْدَ اَلرِّيحِ زَلْزَلَةٌ، وَلَمْ ‏يَكُنِ اَلرَّبُّ فِي اَلزَّلْزَلَةِ. وَبَعْدَ اَلزَّلْزَلَةِ نَارٌ، وَلَمْ يَكُنِ اَلرَّبُّ فِي اَلنَّارِ. ‏وَبَعْدَ اَلنَّارِ صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ. فَلَمَّا سَمِعَ إِيلِيَّا لَفَّ وَجْهَهُ ‏بِرِدَائِهِ وَخَرَجَ وَوَقَفَ فِي بَابِ اَلْمَغَارَةِ ] [ 1 ملوك 19: 9- 13].

إنه لكشف رائع لحقيقة الله، أتيح لإيليا على جبل حوريب. فقد كانت الريح الشديدة ((تصدع الجبال وتحطم الصخور أمام الرب)) ولكن الرب لم يكن فى الريح. كذلك، عبرت الزلزلة والنار عن اقتدار، ولكنه لم يكن فى هذه و تلك. وكان إيليا اكتشف، بعد أن كان مأخوذاً باقتدار الله ومتخذاً منه -ربما من حيث لا يدري- سبيلاً لتحقيق اقتداره هو وبسط سلطانه، كأنه اكتشف أن الله، وهو الكلي الاقتدار فعل، إنما يتجاوز اقتداره هذا، وأنه بالتالي أعظم من اقتداره ومتعالٍ عليه.

تلك كانت ومضة فى حياة إيليا، لحظة سريعة سقطت فيها الحُجُب فأطل عليه وجه الله بنوره المحير. ولكن هذه الومضة تحوّلت إلى حقيقة ثابتة راسخة فى فكر يسوع المسيح ابن الله المتجسّد وسلوكه. من هنا ((انتهاره)) لابني الرعد عندما عرضا عليه تكرار ما روى عن إيليا من استنزال نار من السماء لاحراق جند ذلك الذي لم يراع حرمة النبوّة. هذا الانتهار غني عن التعليق، ولو أنه قد وردت بعد ذكر هذا الانتهار، العبارة التالية على لسان الرب يسوع:
{ لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ اِبْنَ اَلإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ اَلنَّاسِ بَلْ لِيُخَلِّصَ }.

ومما يؤكد ذلك كون يسوع أيّد بتعليمه عن الله صحّة صورة الله التى تتجلّى فى سلوكه الإنسانى. فمثلاً نرى أن محبة الأعداء التى نادى يسوع بها اتخذت نموذجاً لها سلوك الله نفسه، بحيث تبين بأن الله ليس الإله المنتقم الذى يقابل الشر بالشر، بل هو ذاك الذي يُنعم بخيراته على الأخيار والأشرار على حد سواء، ذاك الذي هو ((رحيم)) أى واسع القلب إلى حدّ أنه يشمل برحابة حبه الأبرار والأثمة:

[ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ اَلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ اَلَّذِي فِي اَلسَّمَاوَاتِ فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى اَلأَشْرَارِ وَاَلصَّالِحِينَ وَيُمْطِرُ عَلَى اَلأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ اَلْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ اَلْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا؟ فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ اَلَّذِي فِي اَلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ ] [ متى 5: 44 - 48].

[ بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئاً فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيماً وَتَكُونُوا بَنِي اَلْعَلِيِّ فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ اَلشَّاكِرِينَ وَاَلأَشْرَارِ.فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ ] [ لوقا 6: 35، 36].

أتمنى أخي طاناسي وأخي مكسيموس أن تكون الصورة واضحة الآن.

صلواتكم