لأن المسيح هو الله المتجسد فهو وحده بقادر أن يُظهر الله لنا، وهو وحده بقادر أن يجدّد الصورة الإلهية في الإنسان لأن المسيح نفسه هو الصورة السرمدية لشخص الآب (كول 1: 15 وعبر 1: 3). تجسد المسيح سمح لنا أن نصير "شركاء الطبيعة الإلهية" بتعبير بطرس الرسول (2 بطرس 1: 4). يقول مكسيموس المعترف: "إذا صار كلمة الله وابن الله الآب ابناً للإنسان وإنساناً نفسه لهذا السبب، ليجعل الناس آلهة وأبناء لله، علينا أن نؤمن إذاً أننا سنكون حيث هو المسيح الآن كرأس لكامل الجسد وقد صار بطبيعه البشرية سابقاً نحو الآب من أجلنا. فالله سيكون في <<وسط الآلهة>> (مزمور 82: 1)، أي أولئك المخلَّصين (مزمور 82: 6)، واقفاً في وسطهم وموزِّعاً هناك صفوف الغبطة بدون أي مسافة حيزية تفصله عن المختارين" (الفصول في المعرفة 2: 25).

احتاجت البشرية إلى "ترياق ضد الموت" (اغناطيوس الإنطاكي). "طبيعتنا المريضة احتاجت إلى شافٍ. إنساننا الساقط احتاج إلى مَن يقوّمه. مَن فقد نعمة الحياة احتاج إلى مانح حياة" (غريغوريوس النيصصي). وكما يقول الدمشقي: "من هو بلا بدء ولا جسد تجسد من أجل خلاصنا لكي بالمثل يخلّص المثل". "الطبيعة الساقطة" تشير إلى كامل الإنسان الذي احتاج إلى إعادة ولادة من جديد في الجسد والروح، ليقوم ويعود إلى درب عدم الفساد وعدم الموت. عندما قال المخلّص بأن العلاج الوحيد لمرض البشرية هو إعادة الولادة كان يتكلّم عن واقعٍ روحي نفسي جسدي في الإنسان وليس عن فكرة حقوقية. إعادة الولادة تعني التحرّر من سيطرة الشيطان ومن عبودية النزوات والاهتمامات الذاتية والإشباع الذاتي والنهوض من حالة الفساد التي نحن فيها وأخيراً التحرر من الموت والفسادية.

ترياق هذه الحالة هو "ناسوت الله" (غريغوريوس اللاهوتي)، خميرة وتخمر استنارتنا وتقديسنا: التجسد الذي كان دائماً الحطة الإلهية قبل الدهور. لهذا استعادتنا لم تحتاج إلى تبدّل في تدبير الله نحونا، والذي كان دائماً محبة غير منقطعة. أن نولد ثانية بالجسد والروح يعني أن نصير أولاد آدم الثاني والجديد، الإنسان الحقيقي الوحيد وصورة الله الحقيقية. لهذا، تخليص المثل بالمثل يعني أن يولد آدمُ الثاني الناسَ بالطبيعة البشرية التي أخذها من أمه ومجّدها بالقيامة.

إن جسد الكلمة المتجسد ودمه هما "الترياق ضد الموت، دواء عدم الموت" (اغناطيوس الأنطاكي). يقول المسيح: "مَن يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أُقيمه في اليوم الأخير" (يو 6: 54). بهذه الكلمات لا يشير المسيح إلى حل قانوني بل إلى ترياق يشفي ويخلّص النفس من ذيفانات الخطيئة وتأثير الفساد الطفيلي على النفس. عندما يقدّم الرب جسده ودمه لغفران الخطايا فإنهما للشفاء المتواصل للجسد والنفس ولتقديسهما وتطهيرهما واستنارتهما وتأليهما. بالجسد والدم يشترك كامل الإنسان، جسداً وروحاً، بناسوت آدم الثاني الجديد لاستعادة وتجميع آدم الأول المهشَّم في كل إنسان ممزَّق بناموسي ذهنه وأعضائه المتحاربين.

هكذا تخلّص الإنسان من الفساد والموت، أي من مستقر الخطية، واستعادته إلى الحياة الأبدية تبدأ في الحياة الحاضرة ليكون له قيامة صالحة عندما يأتي الرب ثانية بمجد. يقول القديس ايريناوس: "لكننا ننال الآن حصة معينة من روحه، تعمل نحو الكمال وتجهيزنا لعدم الفساد، فنصير رويداً رويداً معتادين على نيل الله وحمله (استعداداً لذلك الوقت)... عندما، وقتما نقوم ثانية، نعاينه وجهاً لوجه...". لهذا فأسرار الإفخارستيا المقدسة المانحة الحياة هي بكل وضوح لا غنى عنها لنفس وجسد المؤمن لأنها وعد القيامة ومشاركتنا في القضاء على الشرير، والموت والفساد. هذا لم يُفهم قط في الغرب الذي ينظر إلى إرضاء العدالة هو الحل الوحيد الممكن.

الغرب يفهم الفداء والفساد بمعنى قانوني حرفي، كجزء من حديثة شرعية. يعلّم أوغسطينوس والغرب بأن الفساد والخطايا الناجمة منه ما هي إلا نتائج الخطيئة الأصلية. يقول أوغسطينوس: "تنشأ الشهوة كنتيجة جزائية للخطيئة (الأصلية)". وعندما يشير إلى شفاء البشرية فإنه لا يعني شفاء المرض الأصلي بل رفع العقوبات. الخطيئة والفساد والموت هي، بالمفهوم الغربي، عقوبات فرضتها العدالة الإلهية. رفع العقوبات هو رفع لعنة، مما يسمح للمختارين أن يمارسوا مناقب خارجية.

موت المسيح وقيامته: تجسّد المسيح وأخذ الطبيعة البشرية بكل جوانبها. يقول غريغوريوس اللاهوتي: "ما لم يتّخذه لم يُشفَ" . أي حتى يحرّرنا المسيح من سيطرة الخطيئة والموت، وحتى يعطينا حياة أبدية، كان عليه أن يشارك موتنا كما في حياتنا. قال ذلك للرد على أبوليناريوس الذي أنكر وجود النوس nous (باليونانية أي الذهن أو الروح). فيسوع أخذ nous بشرياً وإرادة بشرية وإلا فلا يكون قد خلّصهما.

لم يمت المسيح لأنه كان مضطراً أن يموت. لقد فعل كل شيء باختياره طوعاً. موت المسيح وقيامته أديا إلى:
1- غفران الخطايا والمصالحة مع الله. 2- التحرر من سلطان الموت. 3- الوعد بتجديد العالم كله. 4- القيامة العامة. 5- النصر على الشيطان.6- سحق الجحيم.

غفران الخطايا: يقول ايريناوس: "الخطيئة التي أتت بالشجرة (تك 3: 6) أُلغيت بشجرة الطاعة لله عندما سُمِّر ابن الله على الشجرة. هناك تغلّب هو على معرفة الشر وأحضر معرفة الخير. الشر هو عصيان الله، والخير هو الطاعة لله". إن كان عصياننا هو أقصى عمل للأثرة (محبة الذات والتمركز حول الذات)، فإن موت المسيح الطوعي على الصليب هو أقصى عمل من نكران الذات.

التحرر من سلطان الموت: لم يقضِ يسوع فقط على سلطان الخطيئة وفتح الطريق لنا للعودة إلى بيت الآب، بل أيضاً قضى على سلاسل الموت التي تسبي الناس. لأن يسوع هو ابن الله، كان من المستحيل على الموت أن يُمسك به. كتب القديس باسيليوس: "إذ نزل من الصليب إلى الحجيم -ليملأ كل الأشياء بنفسه- حلّ وخزات الموت.

قام في اليوم الثالث وقد جعل لكل ذي جسد طريقاً نحو القيامة من الأموات، لأنه لم يكن ممكناً لخالق الحياة أن يكون فريسة للفساد". بموته وقيامته أزال يسوع شوكة الموت. الآن يستمر الناس بالموت، ولكن لأن يسوع ملأ عالم الموت بحياته لم يعد الموت بعد نهاية الوجود البشري: لقد صار طريقاً للحياة الأبدية في الله. قيامة يسوع من الأموات هي ضمانتنا أنه يوماً سيقوم كل الناس من الأموات ويشاركون حياة الله الأبدية.