الفرق بين الأرثوذكس والغرب ليس مجرد لاهوت تجريدي نظري. الفروق تطال حتى أوجه التقوى المسيحية. هذا يظهر عند مناقشة الخلاص. فالبروتستانتي يتباهي بأنه نال الخلاص مرة وإلى الأبد. أما الأرثوذكسي التقي فيعترف أنه خاطئ ولسان حاله يقول إن ما هو عليه إنما هو نعمة الله. البروتستانتي يفسّر موقف الأرثوذكسي بأنه لا يعرف يسوع. في موقف البروتستانتي غباوة وكبرياء. بولس قال إنه أول الخطأة (1تيمو1: 15). البروتستانتي لا يقرع صدره مثل العشّار.
بالنسبة لمعظم البروتستانت: من الممكن أن يعرف المرء بكل تأكيد بأنه مخلَّص وبأنه يضمن الملكوت السماوي. تحتاج هذه الفكرة الهامة إلى نقاش.
التأكد المغبوط من الخلاص: "كتبتُ هذا إليكم أنتم المؤمنين باسم ابن الله لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية ولكي تؤمنوا باسم ابن الله" (1يو 5: 13).
بالنسبة للبروتستانتي من البديهي أن يعرف المسيحي بأنه مخلَّص وأن يضمن خلاصه. فكيف يستطيع الأرثوذكسي أن ينكر ما قيل ببساطة في الكتاب المقدس؟
الجواب هو أن البروتستانتي والأرثوذكسي يستعملان كلمة "خلاص" بمعنيين مختلفين، لهذا يصلان إلى نتيجتين متناقضتين في نقاش هذه المسألة.
الفهم البروتستانتي متأصّل في إطار نظرية التكفير السابق ذكرها. فالفرق بين المخلَّص والهالِك هو في موقف الله منهما، وليس في أية صفات فيهما. وأيضاً يفترض أن حالة الإنسان يمكن أن تتغيّر في لحظة من خاطئ كبير إلى قديس عظيم.
أن تكون "مخلّصاً" بالنسبة للبروتستانتي يعني أن تُعلَن "غير مذنب" من قبل الله. هذا يعني أن الله عندما ينظر إليك فإنه يرى برَّ المسيح بدلاً من خطاياك وحالتك الساقطة الخاطئة. بفداء المسيح البديل على الصليب أرضى المسيح عدالة الآب وكرامته وأطفأ غضبه. ولأن الشخص "المخلَّص" يقف أمام الله "مبرّراً"، أي بريئاً من كل تهم الخطيئة ضده، فإنه باستطاعته أن يدخل إلى الملكوت ويتمتع بالحياة الأبدية.
من جهة أخرى فإن الذي ينكر المسيح ولا يقبله رباً ومخلصاً شخصياً، يبقى في خطيئته. عندما ينظر الله إليه، فإنه لا يرى برَّ المسيح بل حالة هذا الإنسان الخاطئة لهذا يُلقى هذا الإنسان في الجحيم.
ضمن هذا الإطار فإن عقيدة التأكد المغبوط ذات معنى. إذا قبل المرءُ المسيحَ ووضع كل ثقته في عمل المسيح الفدائي، عندئذ يمكنه أن يكون واثقاً من الله سيحفظ وعده: "ويكون كل مَن يدعو باسم الرب يخلص" (أعمال 2: 21). لقد قبلتُ المسيحَ، لهذا أنا مخلَّص. لا شيء يمكن أن يكون أبسط من هذا.
بالنسبة للأرثوذكسي ليست مسألة الخلاص كيف يرى اللهُ الإنسانَ. الله دائماً ينظر إلى الإنسان بمحبة، بغض النظر عن تصرفات الإنسان: "فإنه يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار والظالمين" (متى 5: 45). إنها مقدرة الإنسان على الاتصال بالله وليست مقدرة الله على الاتصال بالإنسان.
بما أن الخلاص بالنسبة للأرثوذكسي يشير بالنهاية إلى الحالة الروحية الفعلية للمسيحي، لهذا نجد المسيحي الأرثوذكسي متحفظاً عن التصريح بأنه مخلّص. القول بأنه مخلص يعني أنه يأخذ مكانة الله في الدينونة. عندما يقول البروتستانتي بأنه مخلص فإنه لا يصف حالة روحه، بل أن الله لا يعد يراه خاطئاً. أما القول بأنه مخلّص بالنسبة للأرثوذكسي فهو يعني أنه وصل إلى حالة سامية من البر أمام الله. وهذا ما لا يتجاسر الأرثوذكسي على الانتفاخ ليلفظه. هو يعرف أنه يوحنا السلمي قال إن حالة المرء الأخيرة مرتبطة بلحظة وفاته (26: 107). وأنطونيوس الكبير قال إن التجربة باقية حتى لحظة الموت. والذهبي الفم قال إن يسوع يكمل في اللحظة الأخيرة الذين هم للمجد. هذا كله يعني أن المجد مرتبط بالجهاد حتى الرمق الأخير. وذلك لا يكفي لأنه ليس شيء طاهراً أمام الله. بل هو أي الله يكمّلنا في اللحظة الأخيرة. في الفكر الغربي هي حالة ثابتة static بينما في الفكر الأرثوذكسي هي متحركة ديناميكية. فالتوبة ديناميكية متواصلة بحرارة.
إن جوهر سقوط الإنسان هو الكبرياء. ولبّ مرض الإنسان الروحي هو أثرته (محبته لذاته). فحتى يُشفى الإنسان بجب أن يكون متواضعاً وأن يعتنق الفقر الروحي "طوبى للفقراء بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات" (متى 5: 3 و8). ملكوت السماوات ليس للذين قد أُعلن أنهم "غير مذنبين"، بل لأولئك الفقراء بالروح والأنقياء القلب.
لهذا فالمسيحي الأرثوذكسي التقي يحجم عن تقويم ذاته وحياته الروحية. إنه يترك هذا لأبيه الروحي (البروتستانتي ليس لديه أبوّة روحية ولا يفهم معناها لهذا فهو بعيد جداً عن التقوى المسيحية بالمفهوم الأرثوذكسي). فكلما اقترب من الله كلما شعر بعدم استحقاقه وأدرك مدى عظمة الله ومدى صغر نفس الإنسان. وبالعكس، كلما ابتعد الإنسان عن الله كلما رأى اللهَ صغيراً ورأى ذاته كبيراً وشعر بعظمى نفسه وبكبريائه. أعظم القديسين في الكنيسة وضعوا ثقتهم في نعمة الله لكنهم لم يتباهوا قط بأنهم مخلَّصين أو قديسين. لا يعني هذا فقدان الثقة بالله. حاشا، بل يعني تواضعاً عميقاً أمام الله. القديس يقول مع أشعياء: ".. ويلٌ لي إني هلكت لأني إنسانٌ نجسد الشفتين وأنا ساكن بين شعبٍ نجس الشفتين" (أشعيا 6: 5).
بالنسبة للقديس اسحق السوري، التواضع هو أن يرى الإنسان نفسه دون كل الملخوقات. فالإنسان المتواضع حقاً لن يدين أو يحكم على أي إنسان. أما في اللحظة التي نظن فيها أننا وصلنا فإن الكبرياء تفصلنا عن الله.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات