انحناء الفضاء والنسبية العامة



تعرف الهندسة المستوية بالهندسة الإقليدية, نسبة إلى إقليدس الذي عاش حوالي عام 300ق.م وبواسطة هذه الهندسة يمكن توصيف أي شكل هندسي بواسطة نظام الإحداثيات الكارتيزية, أي استخدام الأسطح المستوية في توصيف الخطوط المنحنية والمجسمات الفراغية. والفضاء طبقا لهذه الهندسة هو فضاء مستو. ولم تكن تلك هي الهندسة الوحيدة الممكنة, فقد طرح لوباتشفسكي عام 1828 هندسة لاإقليدية ذات أسطح منحنية مفتوحة معتمدة على منحنى القطع الزائد. ثم طرح برنارد ريمان عام 1850 هندسة لاإقليدية معتمدة على السطح الكروي المنغلق, وطورها ويليام كليفورد عام 1870 وافترض احتمال أن يكون الفضاء الكوني رباعي الأبعاد ينطوي على تشوّهات وتضاريس تشابه تضاريس سطح الأرض. ولم يكن ينقص تصور كليفورد سوى التفسير الفيزيائي الصحيح حتى يتطابق مع نظرية النسبية العامة, التي طرحت بعد 45 عاما. فالبعد الرابع في الفضاء لم يكن سوى الزمن وتشوّهات الفضاء لم تكن سوى التأثيرات الجذبوية للأجسام.
وبتقديم آينشتين لنظرية النسبية الخاصة عام 1905 والتي وضع فيها معادلات حركة الأجسام في فضاء مستو رباعي الأبعاد, وبوجود الهندسة اللاإقليدية منذ زمن ثم طرحه لفكرة التواء الزمان والمكان بتأثير الجاذبية, تكونت لدى آينشتين المادة الخام لنظرية متكاملة للجاذبية يمكن أن تكون بديلاً لنظرية نيوتن. ولما لم يكن آينشتين بارعًا في الرياضيات فقد لجأ إلى صديقه في الدراسة مارسيل جروسمان, وكان قد أصبح آنذاك عميدًا لمعهد البوليتكنيك بزيوريخ, وكان بارعًا في الهندسة اللاإقليدية, ووجد الحل في هندسة ريمان للأسطح المنحنية المغلقة. وقدمت الصورة النهائية للنظرية في ثلاث جلسات في أكاديمية العلوم في برلين عام 1915, وطبعت عام 1916.وكان من أهم نتائج النسبية العامة تغير نظرتنا إلى الكون, فالمكان والزمان ليسا خلفية ثابتة للأحداث, وإنما هما مساهمان نشيطان في ديناميات الكون. والفكرة الأساسية هي أنها تضم (بعد) الزمان إلى أبعاد المكان الثلاثة لتشكّل ما يسمى بمتصل (الزمكان). وتدمج النظرية تأثير الجاذبية بأن تطرح أن توزيع المادة والطاقة في الكون (يحني) و(يشوه) الزمكان بحيث أنه لا يكون مسطحا, ولما كان (الزمكان) منحنيا فإن مسارات الأجسام تظهر منحنية, وتتحرك كما لو كانت متأثرة بمجال جذبوي. وانحناء (الزمكان) لا يؤدي فقط إلى انحناء مسار الأجسام ولكنه أيضًا يؤدي إلى انحناء الضوء نفسه. وقد وجد أول برهان تجريبي لذلك عام 1919 حينما تم إثبات انحناء الضوء الصادر من أحد النجوم عند مروره بجوار الشمس بتأثير مجاله الجذبوي. وتم ذلك بمراقبة الموقع الظاهري للنجم خلال كسوف الشمس ومقارنته بموقعه الحقيقي. فالزمكان ينحني بشدة في حضور الأجسام ذات الكتلة الضخمة, ويعني ذلك أن الأجسام تنحرف في المكان أثناء الحركة وكذلك تنحني في الزمان بأن تبطئ زمنها الخاص نتيجة للتأثير الجذبوي لتلك الكتلة. فإذا تصوّرنا فضاء رباعي الأبعاد له ثلاثة أبعاد تمثل المكان وبعدا رابعا للزمان ورسمنا خط الحركة المنحنية للجسم مع تباطؤ الزمن على المحور الرابع, ظهر لنا (الزمكان) منحنيا بتأثير الكتلة الجاذبة.