أطروحة هوكينغ الثانية تنفي الأولى. فبحسب النظرية الثانية، الكون خلق نفسه بنفسه. وحجته هي أن سعة الكون وتشابه بعض كواكبه يجعل الصدفة أمرًا ممكنًا، ولذا يمكن للكون أن يكون وليد الصدفة. هذه الكلمات – بحسب الحاخام ساكس – هي بعيدة عن الحكمة وأناقة الكون. إنها تعبير عن علم يريد أن يتنكر بثياب الدين، وهو سخيف بقدر دين يريد أن يتنكر بثياب العلم.
الله ليس خلاصة من خلاصات المعادلة الكونية
لا تزعم بأننا سنقدم الحل لمشكلة العلاقة بين العلوم والإيمان، ولكن لا يسعنا إلا أن نقول كلمة بشأن مجال بحث كل من العلوم. إن إدعاء علماء الفيزياء أو البيولوجيا بأن تقدم من خلال نتائج حقلها العلمي خلاصات تنطبق على حقول أخرى هو خطأ يشابه من يريد أن يقرأ الموسيقى الموجودة على القرص المضغوط (compactdisc) مستعملاً قارئ الأقراص الموسيقية القديمة المعروف بالفونوغراف. إن إبرة الفونوغراف لا تصلح لقراءة الأقراص المضغوطة، وبشكل مماثل أدوات ووسائل العلوم المخبرية لا تصلح للحصول على نتائج في حقل الإلهيات.
هذا وإن تحليلات هوكينغ، رغم إبداعها الفيزيائية، حالما تتطرق إلى مواضيع تخرج عن إطار تخصصه نراه مبنية على سفطائية في حقل المنطق. نقدم مثالاً سفطائيًا لتوضيح ما نريد أن نقوله. أحد الأمثلة السفسطائية الكلاسيكية هو:
كل إنسان فانٍ
كل حصان فانٍ
إذًا كل إنسان حصان.
لمن يُلمّ ولو قليلًا بعلم المنطق يعرف أن هذا التركيب لا ينخرط في إطار المقولة المنطقية (syllogism) المشروعة. ففي هيكلتها البسيطة يجب على المقولة المنطقية المبدأية أن تكون مركبة بهذا الشكل:
يجب على العنصر "أ" أن يكون مستخلصًا بكليته من العنصر "ب"، وعلى العنصر "ب" أن يكون بدوره قابلاً للاستخلاص بكليته من العنصر "ج"، الأمر الذي يجعل بالضرورة العنصر "أ" قابل للاستخلاص من العنصر "ج".
المثال على تركيب مقولة منطقية صحيحة هو التالي:
أرسطو إنسان
كل إنسان يموت
إذًا أرسطو يموت
إذا ما حولنا أن ننظر إلى أطروحة هوكينغ التي تزعم المنطقية نراه يقول:
الله ضروري لكي نشرح وجود الكون (هذه هي أطروحة هوكينغ الأولى في كتابه السابق)
يمكننا أن نشرح الكون بمعزل عن الله (هذه أطروحة هوكينغ في كتابه الجديد)
إذًا الله غير موجود.
التناقض المنطقي جلي وواضح، ولن نتوقف على تحليله، فما من ترابط بين الأطروحة الأولى والأطروحة الثانية، إنهما تصريحان مختلفان لا يساعدان على تقديم تضمين (inclusion) يساعدنا على استنتاج خلاصات ثالثة. ببساطة تصريح هوكينغ لا يتبع التركيبة المنطقية ولا يمكن استخلاص النتيجة الأخيرة من دمج الكبرى والصغرى، وذلك لأن التركيبة بحد ذاتها ناقصة.
أما ما نريد التوقف عليه الآن ضيق نظر هذه الأطروحات.
أولاً: "الله ضروري لكي نشرح وجود الكون". هذه الأطروحة هي آفة الكثير من العلوم انطلاقًا من ديكارت. هذا خطأ! الله ليس ضروري لشرح الكون. الله أخلى ذاته خالقًا الكون حرًا، ودراما البشرية هو هذا: أن الله ليس جزءًا من المعادلة الكونية والدنيوية لكي نستخلصه من الأشياء. المسيرة نحو معرفة الله لا تمر بالضرورة في الإطار الكوني. ومع أن "السماوات تنطق بمجد الله والجلد يخبر بعمل يديه" (مز 18) إلا أن إلهنا يبقى إلهًا خفيًا ومتساميًا (أش 45، 15) لا يقبل أن يدخل في معادلاتنا الحسابية. إن المبدأ الذي كان يعتنقه هوكينغ في كتابه السابق هو مبدأ يعرف باللاتينية بـ "deus ex machina" الذي يمكننا أن نشرحه بهذا الشكل: الله ضروري لنفهم الوجود. هذا المبدأ ينكر البعد الشخصاني والعلائقي لله ويحده في إطار حاجتنا البشرية للتفسير. استعمله ديكارت ليجلو شكه حول وجوده، وجود النفس ووجود العالم المادي فأضحى الله بالنسبة له وسيلة لا غاية، آلة لا شخصًا. استعمال الله بهذا الشكل قد لا ينافي المنطق ولكنه بكل تأكيد ينفي العلاقة وأناقة الوجود: كما ولو ربطنا وجود آبائنا بحاجتنا إلى الإرث وإلى تعليل وجودنا. تفكير محدود ويخرج من إطار العلاقة الشخصانية التي يجب أن تربطنا بالله (وبكل إنسان!).
أما الوحي فيكشف لنا عن إله أفرغ ذاته عندما خلق (وليس فقط عندما تجسد يسوع!) مفسحًا المجال للخليقة لكي تكون، ولكي تكون مختلفة عن الله. يشرح المتصوفون هذا الواقع بصور تبين الفكرة: بما أن الله هو كل شيء وهو الموجود الوحيد من الأزل، عندما خلق أفرغ جزءًا من وجوده من ذاته لكي يفسح للكون المجال بالوجود وللإنسان بالمجال لكي يكون حرًا ويجب بحرية على الدعوة إلى الحب. هذه الصورة البسيطة لا تشرح سر الخلق ولكنها تفتح لنا طاقة صغيرة على الفهم.
وعليه، فالله ليس ضروريًا لفهم الكون، لأنه شاء أن يكون الكون كواقع مستقل. أجل، الله يحفظ الكون في الوجود ولكنه – أعتذر على السخرية – لا ينشر إنجازاته في كل الصحف. عمل الله خفي وهو التواضع الحقيقي. هذا التواضع الذي تجلى في اتضاع يسوع المسيح وحياته الخفية كان شكًا على مدى التاريخ، شكك أيضًا معاصري يسوع، ولكنه بالحقيقة عظمة الله. فيسوع، عندما يدعو إلى الاقتداء به – هو "صورة الله غير المنظور" – لم يقل اقتدوا بعظمتي، بل "تعلموا مني أني وديع ومتواضع القلب" (مت 11، 29). تواضع الله هو إشعاع عظمته، الله أكبر لأنه وحده رغم كبره يعرف كيف يتواضع حقًا، يتواضع ليفسح مجالاً للخليقة لأن تكون. يتواضع لكي يكون الكون حقًا، ولا يكون مجرد تمثيلية دمى يحركها جبار متشامخ. الله عظيم لأنه خلق كونًا يستطيع أن يقوم بذاته، وبما أنه يستطيع أن يقوم بذاته يستطيع أن يقول لا. وبما أنه يستطيع أن يقول "لا" تأخذ كلمة "نعم" كامل معناها. الكون – في الإنسان – يستطيع أن يقول نعم بحق وحقيق لدعوة الله للولوج في سر المحبة.
الكون ينطق بمجد الله
لننتقل إلى الفكرة التي يعتبرها هوكينغ السبب في تغيير رأيه: أن الكون واسع جدًا لدرجة أنه لا يمكن أن يكون الله خلق كل هذا الكون للإنسان.
هناك أيضًا التركيبة المنطقية سخيفة:
الكون واسع جدًا
الدين يقول أن محور الكون هو الإنسان
هذا الأمر ليس منطقيًا إذا علم الفيزياء يستطيع أن يقول أن الله غير موجود.
تتوارد إلى ذهني كلمة أينشتاين: "هناك أمران لا متناهيان: الكون وغباوة الإنسان. ولكن عندي بعض الشكوك بأن الأول هو حقًا لامتناهٍ".
هل الكون لامتناهٍ؟ بكل بساطة الأمر لا يهمني لأن وجود الله لا يرتبط بهذا الأمر. فليمتّع العلماء فضولهم في البحث عن حدود الكون. بارك الله عملهم! ولكن حذار أن يؤدي سفرهم إلى حدود اللامحدود إلى ضياع حقائب الذكاء. بأي حق يخلُص مرء إلى أن شخص آخر غير موجود لأنه على ما يبدو كان مبذّرًا؟!! أليس هذا ما يقوله هوكينغ؟ - العالم واسع إذَا الله غير موجود!! والداعي إلى ذلك؟ لأنه بحسب ما يقول هوكينغ من السخافة أن نعتقد أن الله خلق كل هذا الكون من أجل الإنسان.
أود أن أتوقف هنا لأستعرض بعض خصائص الكائن البشري نسبة إلى المخلوقات الأخرى. في نظرة ظواهرتية إلى الخلائق نجد أنه بقدر ما ترتفع المخلوقات في سلم التطور والتعقيد الجيني نراها تنفتح أكثر على أبعاد جمالية وفنية لا توجد في مخلوقات أدنى. فالإنسان يستطيع أن يميز بين لوحة لبيكاسو ولوحة لبوتيتشلّي ولوحة خشبية بسيطة، بينما الحيوانات لا تميز بين هذه الأمور. إنها لوحات وحسب بالنسبة لها. ولكن ما هي الجماليات؟ ما هو الفن؟ إنه أمر لا نفع له بالمعنى المباشر: إنه لا يفيد للحاجات الأولية: الغذاء، الخباء... ومع ذلك، ما معنى الوجود لولا هذا البعد الجمالي، البعد الشعري، بعد اللقاء، بعد الحلم، بعد البسمة؟ إن هذه الأمور الإضافية، الفائضة هي التي تضفي غنىً خاصًا على الحياة البشرية.
لا يمكننا أن ننظر إلى الكون نظرة بخل، فالخلق بحد ذاته هو فعل سخاء من قبل الله. وهوكينغ ليس أول من يدرك بذخ الله في الكون. فكتاب أيوب، والمزامير وسواها من أسفار الكتاب المقدس غنية بهذه التساؤلات عن سعة الكون والعظمة المتجلية فيه. ولكن هذا التساؤل لا يؤدي في الكتاب المقدس إلى نفي الله بل إلى تسبيحه وتعظيمه، وإلى التعجب من حكمته التي لا تسبر. على سبيل المثال، يتساءل سفر بن سيراخ: "من يعدّ رمل البحار، من يعد قطرات المطر وأيام المطر؟ من يعيش ارتفاع السماء واتساع الأرض وعمق البحار؟ " (سي 1، 2 – 3). ومن له الحكمة، تلك التي يفيضها الرب على من يحفظ الوصايا يستطيع أن يدرك عظمة الله في خلائقه، لأن السماوات تنطق بمجد الله والجلد يخبر بعمل يديه" (مز 18، 1).
يتوارد إلى ذهني بيت من أشعار أبي العلاء المعري القائل:
"عجبي للطبيب كيف يلحد بعد درسه التشريحا"
العظمة التي يشع بها الكون تحدثنا عن الله. أليست هذه خبرة صاحب المزامير في المزمور الثامن؟
"أيها الرب سيدنا ما أعظم اسمك في الأرض كلها! لأعظمن جلالك فوق السموات
بأفواه الأطفال والرضع أعددت لك تسبيحًا [...].
عندما أرى سمواتك صنع أصابعك والقمر والكواكب التي ثبتها
ما الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده؟
دون الإله حططته قليلا بالمجد والكرامة كللته
على صنع يديك وليته كل شيء تحت قدميه جعلته
الغنم والبقر كلها حتى بهائم البرية
وطير السمار وسمك البحر ما يجوب سبل البحار.
أيها الرب سيدنا ما أعظم اسمك في الأرض كلها!"
إن عظمة الخليقة لصاحب المزامير ليست سبب شك، بل سبب تواضع. فعندما نرى عظمة الخلائق نرى في مرآة مغبشة شيئًا من عظمة الخالق. ومن نحن لكي نحارج الخزاف على صناعته؟ ألا يمكننا أن نرى في عظمة الخليقة حافزًا أولاً يدفع (وقد دفع بالفعل في تاريخ نشأة الأديان) يدفع الإنسان إلى التساؤل عما إذا كان هناك واقع أبعد من الوجود اليومي البحت والباهت.
ولكن لرؤية عظائم الله لا بد من الولادة من جديد، لا بد من قلب طفل بسيط، هذا القلب الذي يشابه قلب يسوع والذي دفعه يومًا إلى التهلل: "أحمدك يا أبت، رب السموات والأرض، على أنك أخفيت هذه الأشياء على الحكماء والأذكياء، وكشفتها للصغار. نعم يا أبت، هذا ما كان رضاك. قد سلمني أبي كل شيء، فما من أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا من أحد يعرف الآب إلا الابن ومن شاء الابن أن يكشفه له" (مت 11، 25 – 27).
فلنختم هذه المقالة بصلاة بسيطة، طالبين من الرب تلك الحكمة التي تتغنى بها الأسفار الحكمية في الكتاب المقدس، حكمة القلب التي ترى الكون وجميع الأمور كما يراها الله. فليفعل الرب لنا ما يقوله كتاب ابن سيراخ: "القى عينه في قلوبهم ليريهم عظائم أعماله" (سي 17، 8). فليضع الرب عينه في قلوبنا فيكون لنا مشاعر يسوع المسيح ونظرة يسوع المسيح إلى الكون. آمين.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات