الرب يسوع التاريخي
بداية ، أشكر جميع الإخوة الأحباء الذين اهتموا - أو حتى تحفظوا - بخصوص تعبير " يسوع التاريخي " . وعلى سبيل الخصوص أشكر جدا الأخ " أليكسيوس " من أجل تعليقه الموضوعي الرائع .
وأما بعد ، فما ترصده مقالة " حتمية الصليب " هو المفهوم الواسع لموت الصليب المحيي . هذا المفهوم الذي ينظر إلى موت الصليب ، بشقيه : شق صليب الرب وموته ، وشق شركة موت الصليب ، المحيية .
الشق الأول هو ماقد اجتازه جسد الكلمة الخاص ، في حدث مرصود تاريخيا في لحظة زمنية معينة . وقد أطلقنا على هذا الشق تعبير " الحتمية التجسدية " ؛ فالكلمة بتجسده قد اجتاز حتمية موتنا وهو قد مات موت الصليب ، تحديدا ، وخرج ظافرا مجتازا بنجاح أبدي هذا الاختبار الحتمي الذي خضع له ، خضوعنا نحن ، وبنصرته صار باكورة انتصارنا وباكورة تحررنا من هذه الحتمية .
والشق الثاني هو حتمية الموت مع المسيح كآلية للنعمة ، بها تجتاز الكنيسة واقعها الحاضر في هذا العالم لتدخل إلى ماقد صار استحقاقا لتجسد الكلمة في البشر ، أي تنضم إلى رأس خلقتها الجديدة .وهذا ماقد أطلقنا عليه " الحتمية النعموية " .
القضية ، إذن ، ليست تقسيما أو ازدواجا للشخص - بين تاريخي وإيماني - ولكنها كشف لعمق مفهوم صليب المسيح المحيي وتجذره كقوة حياة سارية في كل الكيان الممتلئ ، برأسه وأعضائه ، قوة الحياة الأبدية السارية من رأس الكيان ، الرب يسوع التاريخي ، إلى كافة أعضاء الكنيسة الكائنة فيه .
بالتأكيد ، وبالقطع ، إن يسوع التاريخي هو ذاته شخص المسيح ، ولكن ، بأي حال من الأحوال - ومن منظور الدقة اللاهوتية - لا يمكن اختزال شخص المسيح في شخص يسوع التاريخي المستقل ، بمعزل عن الكنيسة .
يظل جسد الكلمة الخاص رأسا يلملم ، الآن ، باقي أعضاء الجسد . فالرب يسوع التاريخي لم يصر مسيحا إلا بامتلائه بكنسيته ، وبحسب تعبير الرسول بطرس " قد جعله الله ربا ومسيحا " ( أع 2 : 36) .
التمييز والتمايز - هنا - أمر واجب ؛ فالرأس هو رأس وهو ليس مثل أي عضو من الأعضاء ، فهو منبع حياة ووجود باقي الجسد ، والأعضاء هم أعضاء وليسوا رأسا ، فهم يستقبلون وجودهم من الرأس . وأما الكيان الكامل الممتلئ فهو شخص واحد ، هو شخص المسيح المستوعب لكنيسته .
يغيب عن " بولتمان " المفهوم العميق للكنيسة ، كمكون عضوي حي داخل كيان المسيح ذاته . هذا هو الحق الإنجيلي ، وأما بولتمان فماذا ننتظر منه بعد شكه في كل شيئ يخص تاريخية يسوع ماعدا كونه شخصا قد حوكم وأعدم كمجرم سياسي على يد الرومان ( Fuller, NTCS ,14 ) ، وبالتالي فمن المنطقي أن يفصل بين مسيح التاريخ ومسيح الإيمان ، وهذا انحراف عن الفهم الأرثوذكسي الأصيل .
فالرب يسوع التاريخي - الذي ظهر في التاريخ وصلب ومات ودفن ، ونادى تلاميذه بقيامته - ليس مجرد شخص تاريخي نؤمن بمبادئه وأفكاره ، بل هو شخص يمتد ويتعاظم فينا ، فنتجذر فيه ، صائرين جميعا - معه وبه وفيه - مسيحا واحدا ، فهو رأس أبدي لنا ونحن أعضاء أبديون له .