يقول التقليد الكنسي على لسان القديس الشهيد يوستين([1]) (150م) عمَّا وصله من التقليد الأقدم، إن يوسف ومعه القديسة مريم لما بلغا بيت لحم لم يكن لهما فيها أحد، إذ كانا قد استوطنا الناصرة منذ زمن بعيد. فاتَّجها إلى الخان (المنزل أو النُزُل) katalÚmati (وهو اللوكاندة الريفية التي تستقبل المسافرين مع دوابهم). فلما لم يجدا في المنزل مكاناً التجأا إلى “المغارة” الملحقة - والتي كانت مخصصة للدواب - وباتا فيها. وهناك ولدت ابنها البكر وقمَّطته وأضجعته في المذود. ويعود العلاَّمة أوريجانوس([2]) (185-254م)، ويكرر نفس القصة كما استلمها هو الآخر من التقليد. فهي حقيقة متداولة في الكنيسة منذ البدء. ويقول العلاَّمة فارر([3]) إنه في أيام القديس يوستين كانت هذه المغارة مزاراً باعتبارها مكان ميلاد المسيح. وقد شيدت الملكة هيلانة كنيسة فوق هذا المكان المقدس سنة 330م. وبعدها بقليل قام الإمبراطور جوستينيان الأول([4]) (483-563م) وبنى كاتدرائية كبرى على هذا المكان، ويُقال إن الكنيسة الحالية هي بقاياها أُعيد ترميمها. ويؤكِّد العلاَّمة يواقيم
إرميا([5]) أن تقليد الكنيسة بخصوص ميلاد المسيح في مغارة بيت لحم مبكِّر للغاية. كما يقرر هذا العلاَّمة أن الرعاة الذين ظهر لهم الملاك، وهم الذين كانوا يحرسون القطيع المخصص للذبائح الهيكلية، كانوا أنفسهم أصحاب هذه المغارة.
وعسير علينا أن نعبر على ميلاد المسيح في مذود للبهائم دون أن ينخطف قلبنا، ما هذا أيتها السماء؟ أهكذا لم يكن بين بني البشر في الدنيا قاطبة مكانٌ يستقبل جسد المسيح الغض إلاَّ مذود للبهائم!! نعم كان يتحتَّم أن يكون هذا!! حتى يتأهَّل هذا الجسد منذ اللحظة الأولى لدخوله العالم، لكي يسند ظهره في النهاية على خشبة الصليب كآخر مكان، وفي آخر لحظة له في العالم!! ليس من فراغ يقول المسيح: » ثقوا أنا قد غلبت العالم «(يو 33:16)، ولا كان تجاوزاً منه لما قال: » أنا لست من العالم «(يو 16:17)، وقد عيَّر الله الشعب القديم: » أين مكان راحتي «(إش 1:66)؟ وعاد في العهد الجديد يقول: » وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه. «(لو 58:9)
إذن، فليفرح وليعتز كل فقراء الدنيا، فلهم نصير وصديق في السماء عاش ومات فقيراً مثلهم، لم يملك عند دخوله العالم إلاَّ الخرق التي قمطته بها أمه، وأخرى ستروه بها على الصليب، وهو يستودع العالم لينطلق إلى مجده الأسنى، ليعدَّ ملكوته للذين غلبوا العالم: » وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم: إيماننا «(1يو 4:5)، » ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم. «(يو 16:17)
أول بشرى للميلاد تلقَّاها رعاة ساهرون:
لو 8 «وكان في تلك الكورة رعاة متبدِّين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم».
يقول العلاَّمة أدرزهايم اليهودي المتنصِّر الذي كتب حياة المسيح بالتفصيل إنهم فئة من الرعاة مختارين بشروط خاصة من جهة الطهارة والتطهير، يحرسون قطعان الغنم المخصصة للذبائح الهيكلية. وهناك نبوَّة سجَّلها ميخا النبي تقول إن من “برج القطيع” الواقع على أكمة جبل صهيون (وهو يُرى على طريق بيت لحم) يأتي من يملك ويحكم: » وأنت يا برج القطيع أكمة بنت صهيون إليك يأتي، ويجيء الحكم الأول مُلك بنت أورشليم. «(ميخا 8:4)
والقارئ يُلاحظ أن النبوَّة على المسيح منصبَّة على مجيئه من قِبَل “بنت” صهيون تعبيراً عن ميلاده من العذراء.
كذلك فإن أحد كتب التراث اليهودي([6]) يقول إن من على برج “مجدال عيدر” أي برج القطيع في بيت لحم سيُعلن ميلاد المسيَّا، وهذا البرج يقع على الطريق بين بيت لحم وأورشليم. وهذا ما تم بالفعل إذ ظهر هناك الملاك الذي كلَّم الرعاة.
ولكن لا يمكن أن يفوت على القارئ الملهم، العلاقة السرية ذات المغزى والمعنى، أن أول بشارة بميلاد » “حمل” الله الذي يرفع خطية العالم «(يو 29:1) يفوز بها “رعاة ذبائح” الهيكل من الحملان! بل ويولد “حمل” الله في مذود؟ إنها تُحسب صرخة من الوحي المقدس في
أُذن القارئ الموهوب وكأنها إصبع تشير كما أشارت إصبع المعمدان:
» هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم « بل ولا يخلو هذا الحبك الإلهي في الرواية ذات الأسرار، لماذا “للرعاة” يُستعلن “الحمل”؟
هـذه الإشـارة أخذتهـا الكنيســة المرتشدة بــالروح وأسمت كهنتهـا بـ “الرعاة”، وكأنهم المؤتمنون على سر الحمل يقدِّمونه كل يوم على المذابح ليُشبعوا الرعية!

([1])Justin, Contra Trypho 78:4.

([2])Origen, Contra Celsus 1:15.

([3])Farrer, Life of Jesus, ad loc.

([4]) معروف أن أول عيد ميلاد (كريسماس) احتفل به العالم كان سنة 354م في روما وسنة 379م في القسطنطينية. أما في مصر فكانت وظلَّت الكنيسة القبطية تعيِّد أعياد الميلاد والغطاس وعرس قانا الجليل معاً تحت اسم أعياد الظهور الإلهي إلى وقت قريب.
أما اختلاف تاريخ الميلاد عندنا إلى 7 يناير بدلاً من 25 ديسمبر عند الغرب، فهو نتيجة تعديل التاريخ الذي يُسمَّى بالغريغوري بفارق 13 يوماً.

([5])J. Jeremias TDNT, Vol. I, 490f.

([6])Targum Pseudo, Jon on Gen. 35:21.
يتبع