-4-
الآن ننتقل إلى الإشكالية الثانية والتي تخص الإعتقاد بأن نجم المشرق لم يكن نجماً وإنما كان بحسب إكتشاف وتعبير العالم الفلكى الإسترالي "ديف رينيكي" عبارة عن "beacon of light" والتي ترجمت إلى "منارة للضوء" او "منارة مشعة" ونقدم هنا لدراسة بحثية مُقتضبة حول نجم المشرق الذى يبدو لى انه من الخطأ لغوياً ان نطلق عليه لفظ "نجم"
إن كان بإستطاعتك أن تعرف ما هو النجم؟
وما هو نوعه؟
وما إذ كان احد النجوم العادية أم نجماً جديداً ومُختلفاً عن باقي النجوم؟
وما إذ كان نجماً بالطبيعة أم انه كان نجماً بالظاهر فقط؟
إذا تسنى لك معرفة ذلك فسوف يسهل عليك معرفة باقي الأمور أيضاًَ, تلك هي المقدمة البليغة التي صاغها يوحنا فم الذهب بطريرك القسطنطينية في مُستهل حديثه عن نجم المشرق في تلك العظة التي ألقاها في عيد الميلاد في القرن الميلادي الرابع والتي قدم فيها لواحدة من أهم النظريات المُتفحصة والمُستقصية لأمر نجم المشرق.
دعونا إذن - قبل أن نخوض في هذه النظرية- نستعرض كافة النظريات الأخرى التي دارت حول نجم المشرق.
-نجم المشرق... أي نجم هذا الذي يتمشى في السماء ويشير إلى بعض أزقة أورشليم دون بعض .. !!
-نجم المشرق... حادثة خارقة تؤصل لعلوم التنجيم .... !!
-نجم المشرق... ليس مُعجزة وليس إستثناءاً للقوانين الصارمة لهذا الكون العظيم .... !!
-نجم المشرق... كوكب يضيء بالنهار وتُرى في وسطه صورة صبية عذراء .... !!
-نجم المشرق... الذي لم يكن نجماً .... !!
غير المؤمنين:
( أي نجم هذا الذي يتمشى في السماء ويشير إلى بعض أزقة أورشليم دون بعض .. !!)
لقد إعترض غير المؤمنين كثيراً على نجم المشرق وقالوا عنه "أي نجم هذا الذي يمشي وحركته تشير إلى بعض أزقة اورشليم دون بعض ثم إلى بيت من بيوتها حيث يوجد المسيح فيتوقف وهو في السماء على الرغم من بعده الهائل الملحوظ على الأرض".
كيف مشى ..؟! وكيف دلهم على البيت..؟! وكيف وقف..؟! وكيف رأوا ذلك كله..؟!
إنه من المستحيل أن يشير نجم يبلغ حجمه أضعاف حجم الشمس إلى موضع ولادة طفل
المنجمين:
( نجم المشرق... حادثة خارقة تؤصل لعلوم التنجيم) لقد دأب المنجمين على الإستعانة بنجم المشرق كواحد من الأدلة الدامغة على صدقهم وصدق علوم التنجيم ويقولون هوذا نجم ظهر في السماء عند ميلاد السيد المسيح نفسه وهذا دليل على إنه بإستطاعتنا الإعتماد على التنجيم ويدعمون قصتهم هذه بتشابه ما أورده البشير متى مع ما يعتقده البوذيون في بوذا وتحديداً ما نقله المؤرخ (بيال) إذ ذكر ما جاء في كتب البوذيون المقدسة بقوله
" لقد بشرت السموات بولادة بوذا بنجم ظهر مُشرقاً في الأفق ويدعونه في هذه الكتب ب (نجم المسيح) "
وما سجله أيضاً المؤرخ (ثورنتن) في كتابه (تاريخ الصين) "أنه عند ولادة (يو) المولود من عذراء ظهر نجم في السماء دل عليه ومثله حصل عند ولادة الحكيم الصينى لاوتز"
ويقول القس جيكس في كتابه (حياة المسيح) عن مثل هذه الأمور " لقد عم الإعتقاد في الحوادث الخارقة للعادة وخصوصاً حين ولادة او موت احد الرجال العظام وكان يُشار إلى ذلك بظهور نجم او ذنب او إتصالات بين الأجرام السماوية"
العلماء والعلامة اوريجانوس :
( نجم المشرق... ليس مُعجزة وليس إستثناءاً للقوانين الصارمة لهذا الكون العظيم)
دعونا نستعرض سريعاً آراء العلماء الذين أكدوا أن نجم المشرق الذي صاحب ميلاد السيد المسيح ليس مُعجزة وليس إستثناءاً للقوانين الصارمة لهذا الكون العظيم وإنه لابد وأن يكون هناك تفسيراً علمياًَُ منطقياً لما حدث
1 – قدمت إحدى المجلات العلمية البريطانية تعليلاً – أعده العلماء مقبولاً– اشار فيه كل من (دافيد كلارك) و(جون باركنسون) عالمي الفلك بجامعة لندن بالإشتراك مع (ريتشارد ستيفنسون) العالم بجامعة نيوكاسل إلى أن ظهور النجم يرجع إلى نجم انفجر وقتئذاك في السماء وهو ما يعرف علمياً بإسم نوفا Nova (نجم يظهر ويلمع فجأة في السماء )
وتأكدوا من ذلك بفحص ما دونه علماء الفلك القدامى عن الأحداث غير العادية إذ أشاروا إلى ظهور نجمين جديدين في الفترة ما بين 10 ق.م و13 ب.م وأن أحد هذين النجمين إنفجر في الفترة التي ولد فيها السيد المسيح ولقد تحقق العلماء من ذلك بعد إجراء عمليات حسابية وفلكية عويصة.
2- أرجع بعض العلماء ظهور هذا الجسم اللامع إلى وقوع كل من المشترى وزُحل على خط واحد بالنسبة لعين راصد على كوكب الأرض.
3- أرجع البعض الأخر هذا الحدث إلى تجمع الكواكب الأربعة على خط واحد فيتراءى للناس وقتها ظهور واضح الضياء
4 – ثمة نظرية آخرى تقول بأن الأمر كله يرجع لمذنب قريب من الأرض
والغريب أن القديس أوريجانوس يدعم هذه النظريات إذ يقول "إننا نعتقد أن الذي ظهر في المشرق كان نجماً جديداً لكنه يُحسب في عداد المذنبات التي تشاهد في أحيان كثيرة او النيازك او النجوم الملتحمة او النجوم التي على شكل الجرار او أي إسم مما يصف به اليونانيون أشكالها المختلفة "
لكن العلماء والعلامة أوريجانوس لم يوضحوا لنا بعض المظاهر والظواهرالغريبة التي صاحب ظهور نجم المشرق
على غرار مساره المخالف لحركة النجوم الطبيعية وظهوره في وضح النهار دون الليل وتوقفه تارة وتحركة تارة آخرى طبقاً لما إقتضتاه الطبيعة البشرية للمجوس والأعجب من كل ذلك خروجه عن كل الأطارات المتعارف عليها علمياً وفلكياً بمغادراته للسماء وإنحداره إلى منطقة قريبة من الأرض للإشارة إلى مكان المولود ملك اليهود, ولعله فعل ذلك مقتداً ومُتمثلاً بملك المجد الذي تعالى لدى الناس وتنازل لدينا صائراً في شبه الناس واخذاً صورة عبد.
زرادشت الفارسي:
( نجم المشرق... كوكب يضيء بالنهار وتُرى في وسطه صورة صبية عذراء ..)
كانت هناك العديد من النبوءات عن نجم المشرق وأغلب هذه النبوءات جاءت على لسان أنبياء الوثنية – كما يحب القديس أكليمندس السكندري أن يلقب إياهم –
وسوف نورد في بحثنا المُفصل مُلخصاً وافياً لهذه النبوءات التي دارت حول مجىء المخلص وزيارة المجوس له وكافة الظواهر التي أحاطت بمولده وحياته على الأرض, لكن دعونا هنا نحصر حديثنا في أهم النبوءات التي تحدثت عن نجم المشرق ولن نجد أهم ولا أدق من نبوءات زرادشت التي أوردها في كتابه الأقدس "الأفستا"
يقول زرادشت:
- " في أخر الزمان بكراً تحبل بجنين من غير أن يمسها رجل وعند ولادته يظهر كوكب يضىء بالنهار وتُرى في وسطه صورة صبية عذراء ... "
- " سيولد في فلسطين مولود اصله في السماء وسيتعبد له اكثر العالم وأية ظهوره إنكم ترون نجماً غريباً وهو يهديكم إلى حيث هو فأحملوا ذهباً ولباناً ومُراً وإنطلقوا إليه ولاطفوه بهل لئلا ينالكم بلاءاً عظيماً ... "
- كما يُذكر أيضاً أن سيبيل من الأرتيرة (مُقاطعة ما في إيطاليا) تنبأ عن نجم المشرق بقوله
" انه سيضىء في المشرق نجم عجيب يهتدي به مجوس إلى طفل مُضجع في مزود"
نجم المشرق.. الذي لم يكن نجماً....!!
نعود الآن إلى نظرية القديس يوحنا ذهبي الفم وهي أكثر النظريات منطقية ونعود لأسئلته, إن كان بإستطاعتك أن تعرف ما هو النجم؟
وما هو نوعه؟
وما إذ كان أحد النجوم العادية أم نجماً جديداً ومُختلفاً عن باقي النجوم؟
وما إذ كان نجماً بالطبيعة أم انه كان نجماً بالظاهر فقط؟
إذا تسنى لك معرفة ذلك فسوف يسهل عليك معرفة باقي الأمور أيضاًَ وقد كانت إجابته عن تلك الأسئلة كالتالي:-
اولاً: لم يكن أحد النجوم العادية المعروفة او إنه لم يكن نجماً على الإطلاق – كما يبدو الأمر لى على الأقل – إنما كان عبارة عن قوة خفية أخذت مظهر النجوم وهو ما يبدو جلياً من مسار هذا النجم فالواقع يخبرنا بأنه لا يوجد أي نجم يتحرك على هذا النحو ولكنك إذا كنت تتحدث عن الشمس او القمر او باقى النجوم الأخرى فإننا نراهم يتحركون من الشرق إلى الغرب أما هذا النجم الفريد فقد كان مُنطلقاً من الشمال إلى الجنوب تمشياً مع موقع فلسطين بالنسبة لبلاد الفرس.
ثانياً: يمكننا التوصل إلى حقيقة أن هذا النجم لم يكن نجماً عادياً من خلال زمان ظهوره فإن هذا النجم لم يظهر في الليل بل في منتصف النهار والشمس ساطعة وهو أمر ليس في مقدرة النجوم او القمر حيث أن القمر الذي يفوق الجميع لا يكاد يلمح أشعة الشمس إلا ويختبىء مُسرعاً مُختفياً عن الأعيُن اما هذا النجم فقد فاق بهائه كل شىء حتى أشعة الشمس نفسها وظهر لامعاً براقاً لكثر منها وساطعاً بضياء اكثر عظمة وتفوقا.ً
ثالثاً: لابد لنا من تأمل أمر ظهور النجم وإختفائه من تلقاء نفسه مرة ثانية فالنجم يظهر لهولاء الرجال على إمتداد طريقهم وحتى وصولهم إلى فلسطين وكأنه يقودهم اما بعد دخولهم إلى أورشليم فيُخفى نفسه ثم بعد أن يتركوا هيرودس وقد أخبروه عن سبب قدومهم وبعد أن كانوا على وشك الرحيل إذ بالنجم يعاود ظهوره كل هذا يختلف تماماً عن حركات النجوم بل قد تم بقوة حباها الله بكثير من العقل والمنطق فعن هذا النجم لم يكن له مسار خاص على الإطلاق بل كان يتحرك عندما يتحركون ويقف عندما يقفون وفق ما إقتضت الحاجة كما كان عمود السحاب يقود اليهود تارة وباليقظة والإستعداد تارة آخرى حسب ما كانت الضرورة تدعو.
رابعاً: أيضاً يمكننا التأكد بمنتهى الوضوح من حقيقة أن هذا النجم لم يكن نجماً عادياً من طريقة الإعلان عن مكان الصبي فنجمنا هذا لم يفصح للمجوس عن مكان المولود وهو باق بعيداً في العلاء لأنه في تلك الحالة يكون من المحال بالنسبة لهم التأكد من المكان المشار عليه ولكن النجم نزل مؤدياً هذه المهمة وهو على مقربة منهم ولعلنا نعرف جيداً أنه من المحال أن تستخدم النجوم للإشارة إلى موقع او مكان نقطة صغيرة الأبعاد على هذا النحو لا تزيد مساحة حظيرة او بالحرى عن الحيز الذي يشغله جسد طفل رضيع فإن الإرتفاع الشاهق للنجم يجعل من المُتعذر عليه تمييز نقطة صغيرة ومحصورة بالدقة المطلوبة ويجعل من الصعب جداً إيضاح هذه النقطة لمن يرغبون في رؤيتها اما القمر فالجميع يستطيعون الإهتداء بضوئه لرؤية الأشياء حيث يظهر نوره فائقاً على ضوء النجوم ويبدو لجميع الساكنين في العالم والمنتشرين على نطاق واسع على ظهر الأرض وكأنه قريب من كل واحد منهم, إخبرنى إذن كيف أشار النجم إلى تلك النقطة المحصورة التي لا تزيد عن مساحة المزود والحظيرة إلا إذا كان النجم قد نزل عن إرتفاعه الشاهق ووقف عند رأس الصبي.
هل تأكدت الآن من كل هذه الدلائل والإثباتات كيف أن هذا النجم لم يكن يظهر كأحد النجوم وإنه لم يسر تبعاً لنظام الخليقة المنظورة, وإنه ليس نجماً كما أكد ايضاً القديس الأنبا بواس البوشي أسقف مصر (1240 م) فيما بعد بقوله عن النجم ( إنه ملك من الله ولم يكن من تلك الكواكب الظاهرة).