( دائمة البتولية (أَم) فقدت بتوليتها )
إن موضوع دوام بتولية العذراء هو موضوع قديم جداً, وقد تحدّث عنه آباء الكنيسة منذ القرون الثلاثة الأولى للميلاد, وكذلك تحدّث عنه آباء القرنين الرابع والخامس, ولكن حتى يومنا هذا مازال موضوع دوام بتولية العذراء مطروحاً فمن جهة يؤمن الأرثوذكس والكاثوليك أنها دائمة البتولية ومن جهة أخرى ينكر البروتستانت دوام بتوليتها ويقولون إنها بعد ميلاد السيد المسيح عاشت مع القديس يوسف كزوجة وأنجبت منه أولاداً تسمّوا "أخوة يسوع" أو "أخوة الرب", وقد زعموا ذلك نقلاً عن الهراطقة القدامى كأمثال هلفيديوس, وأبيون, وبونيفاس.
و قد أعتمدوا في آرائهم لرفض دوام بتولية العذراء على أربعة نقاط وهي:
1. عبارة "لَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ" (مت25:1) وكذلك "قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت18:1).
2. عبارة "ابنها البكر" التي وردت في (مت25:1) "وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ" و(لو7:2) "فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ". معتمدين أن البكر معناه الأول وسط أخوته.
3. عبارة "امرأتك" التي قيلت ليوسف عن العذراء مريم في (مت20:1) وكلمة امرأة عموما متى أطلقت على العذراء كما دعاها يسوع (يو4:2) و (يو26:19).
4. الآيات التي وردت فيها عبارة "أخوته" عن السيد المسيح مثل (مت46:12), (مت54:13-56), (يو12:2).
وسأتناول هذه النقاط بالتفصيل مع الرد على جميع الاعتراضات بنعمة الرب يسوع:
v لم يعرفها حتى.
إن كلمة (حتى) أو (إلى أن) Until إذا كانت مسبوقة بنفي فغالباً ما ترد في الكتاب بمعنى القطع بعدم وقوع ما تعلّقت به في الماضي دون اثبات وقوعه في المستقبل, وصيغة "ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر" تدل حتماً على الزمان السابق لكلمة "حتى eos" ولا تعطي أيّة معلومات تفيد ما حدث بعد "حتى", فالبشير متى هنا مهتم بالتأكيد على بتولية مريم قبل الولادة تحقيقاً لنبوة اشعياء النبي "هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا" (اش14:7) وليؤكد لليهود أن المولود من مريم لم يكن ابن يوسف النّجار كما كانوا يظنّون "ألَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟" (مت55:13) لذلك أكّد في عبارته أن يوسف لم يعرف مريم حتى ولدت يسوع.
وللتأكيد على أن "حتى" تنسحب على ما قبلها, ولا تعني عكسها فيما بعد, نعطي عدّة أمثلة من الكتاب المقدس:
- "وَأَرْسَلَ الْغُرَابَ، فَخَرَجَ مُتَرَدِّدًا حَتَّى نَشِفَتِ الْمِيَاهُ عَنِ الأَرْضِ" (تك7:8) فإذا قدّرنا الإثبات بعد النفي حسب زعم البروتستانت في تأويل "ولم يعرفها .... ثم عرفها", نضطر إلى القول بأن الغراب رجع إلى الفلك, وليس من يقول بذلك قط.
- "يُشْرِقُ فِي أَيَّامِهِ الصِّدِّيقُ، وَكَثْرَةُ السَّلاَمِ إِلَى أَنْ يَضْمَحِلَّ الْقَمَرُ" (مز7:72) ولا يعني هذا أن الصديق وكثرة السلام سيغربان بعد اضمحلال القمر.
- "...كَمَا أَنَّ عَيْنَيِ الْجَارِيَةِ نَحْوَ يَدِ سَيِّدَتِهَا، هكَذَا عُيُونُنَا نَحْوَ الرَّبِّ إِلهِنَا حَتَّى يَتَرَأَّفَ عَلَيْنَا" (مز2:123) طبعاً لن تكفّ عيوننا عن النظر نحو الله حتى بعد أن يترأّف علينا.
- "وَلَمْ يَكُنْ لِمِيكَالَ بِنْتِ شَاوُلَ وَلَدٌ حَتَّى يَوْمِ مَوْتِهَا" (2صم23:6) و بالطبع لم تنجب ميكال بعد موتها (لم تلد أبداً).
- "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت20:28) ومن المؤكّد سيظل يسوع معنا حتى بعد انقضاء الدهر.
- "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" (مز1:110) , (مت44:22) و بالطبع بعد هذا سيظل جالساً عن يمينه.
- "لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ" (1كو25:15) وبالتأكيد لن يزول ملك المسيح حتى بعد أن يضع أعدائه تحت قدميه. والأمثلة من هذا النوع كثيرة جداً.
وقد دوّن القديس إيرونيموس (جيروم) مقالاً دافع فيه عن دوام بتولية العذراء ضد رجل يدعى هلفيديوس سنة 383م. و كل الآراء التي يعتمد عليها أخوتنا البروتستانت حالياً لا تخرج عن آراء هلفيديوس هذا !
وحول عبارة "لم يعرفها حتى" قال القديس جيروم في هذا المجال: "لو قلنا أن المبتدع هلفيديوس لم يتب حتى مات, فهل يؤخذ من ذلك أنه تاب بعد موته ؟ كلا. وبالتالي كلمة "حتى" لا يستدل منها بتاتاً على أن القديس يوسف عرف القديسة مريم, بعد أن ولدت السّيد له المجد".
اذن كلمة حتى لا تعني بالضرورة عكس ما بعدها.
فيوسف لم يعرف مريم حتى ولدت ابنها البكر. ولا بعد أن ولدته عرفها أيضاً. لأنه ان كان قد احتشم عن أن يمسّها قبل ميلاد المسيح, فكم بالأولى بعد ولادته, وبعد أن رأى المعجزات والملائكة والمجوس وتحقّق من النبوءات وعلم يقيناً أنه مولود من الروح القدس, وأنه ابن العلي يدعى, وأنه القدوس وعمانوئيل والمخلّص.
وأنه هو الذي تحققت فيه نبوءة اشعياء "هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (اش14:7) و أيضاً " لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ" (اش6:9-7) ولعل هذا الجزء الأخير هو الذي اقتبسه الملاك في بشارته للعذراء (لو31:1-33).
v قبل أن يجتمعا.
كما ذكرنا سابقاً فإنّ هدف البشير متى هو اثبات أن السيّد المسيح قد حبل به من عذراء لم تعرف رجلاً وإنه ليس ابن يوسف النجار كما ظنّ اليهود (مت55:13) لسببين:
1. لاثبات أن المولود, لم يولد ولادة طبيعية من أبوين كباقي الناس, إنما ولادته من عذراء دليل على لاهوته, إذ يكون قد ولد من الروح القدس. وهذا ما عبر عنه الملاك بقوله: "لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت20:1).
2. لأن ولادته من عذراء بغير زرع بشر, تجعلنا نؤمن أنه لم يرث نتائج الخطية الجدّية, وبهذا يكون قادراً على تخليصنا, لأنه اذ هو بلا خطية يمكن أن يموت عن الخطأة.
لذلك كان تركيز الرسول هو أن العذراء لم تجتمع برجل قبل ميلاد الرب يسوع لاثبات ميلاده العذراوي. أما كونها بعد ميلاده لم تجتمع برجل فهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى اثبات.
v ابنها البكر.
الإبن البكر هو الإبن المولود أولاً, إن كان وحيداً أو بين أخوة, وحسب ترجمة هذه الكلمة بالإنجليزية (First born) فإنها تعطينا تعريف أوضح لمعنى البكر, اذ يقول الوحي الإلهي: "قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي" (خر2:13) فكان كل فاتح رحم, يصير مقدّساً للرب, مخصّصاً للرب, سواء ولد بعده ابن آخر أو لم يولد, ولا ينتظر أبواه إن كان انساناً أو مالكوه إن كان من البهائم حتى يولد له أخوة يصير بهم بكراً ! ثم يخصّصونه للرب.
وهكذا كان السيد المسيح له كل المجد هو الإبن البكر, وهو الإبن الوحيد وقد صدق القديس جيروم حينما قال: "كل ابن وحيد هو ابن بكر, ولكن ليس كل ابن بكر هو ابن وحيد".
إنّ تعبير البكر لا يشير إلى شخص ولد بعده آخرون, ولكن إلى واحد ليس له من يسبقه. وبكر الحيوانات الطاهرة كان يقدم ذبيحة للرب, وما كانوا ينتظرون حتى يولد أبناء بعده. إنه بكر حتى لو لم يولد بعده, لأنه فاتح رحم.
وهكذا فأن السيد المسيح له كل المجد (كابن بكر للعذراء) قدّموا عنه ذبيحة للرب في يوم الأربعين (يوم تطهير العذراء بعد ولادتها) ويقول الكتاب عن العذراء: "وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا، حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى، صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ. وَلِكَيْ يُقَدِّمُوا ذَبِيحَةً كَمَا قِيلَ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ" (لو22:2-24).
و واضح هنا أن السيد المسيح قد طبّقت عليه شريعة البكر في اليوم الأربعين من مولده, وطبعاً لا علاقة هنا بين البكر وميلاد أخوة آخرين.
والكتاب المقدس أعتاد أن يدعو "المولود الأول" بكراً, حتى ولو كان وحيداً. وقد دعي الرب يسوع المسيح بكر الله الآب في (عب6:1) "وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ" رغم أنه ابنه الوحيد (monogenus) من نفس طبيعته ومساوي له بالجوهر "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ..." (يو16:3).
وقد دعى الله شعب اسرائيل "ابني البكر" رغم أنه لم يكن له شعب آخر سواه (خر22:4) وأيضاً قال الله على لسان اشعياء النبي "أَنَا الأَوَّلُ..." (اش 6:44) فهل من إله ثان أو ثالث ؟ حاشا !
والقديس جيروم يتسائل "هل حينما ضرب الرب أبكار المصرييّن, ضرب فقط الأبكار الذين لهم أخوة, أم كل فاتحي الرحم سواء كان لهم أخوة أو لم يكن ؟
وسأجيب أنا على قول القديس, فقد كان لفرعون ابن وحيد, ومع ذلك قتل مع أبكار مصر لأنه قد حصي بكراً. ونرى أيضاً أن داوود بن يسّى قد دعي بكراً أيضاً "أَنَا أَيْضًا أَجْعَلُهُ بِكْرًا، أَعْلَى مِنْ مُلُوكِ الأَرْضِ"(مز27:89) وكان داوود أصغر أبناء يسّى, والله لم يعكس ترتيب ولادته هنا وإنما كان يتكلم عن "بكورية" داوود الروحية, عن مكانته المتميّزة بين الآخرين, لهذا لكلمة "البكر" معنى مهم في الكتاب, اذ تشير إلى علاقة خاصة بين الله وبين شعبه. وعندما ينتهك البكر هذه العلاقة فإنه يفقدها, كما حدث عندما أعطيت البكورية ليوسف بدلاً من رأوبين (1أخ1:5-2). ومن هنا نفهم لماذا استخدم البشير متى كلمة "البكر" ليسوع, لأن يسوع هو الإبن الأول لمريم ولأنه كبكر اشترانا وردّنا إلى ملك الآب بعدما صرنا متغربين عنه. لقد حقّق يسوع معاني لقب "البكر" ومهامه. ولم يقصد البشير متى أبداً أن يقول ان مريم قد ولدت أولاداً بعد يسوع بل دعاه بكراً لأنها لم تلد مولوداً قبله. والقول بعكس هذا هو خيانة للاهوت القدّيس متى وللكتاب المقدس نفسه.
v عبارة امرأتك.
انّ منكروا دوام بتولية العذراء يعتمدون في الغالب على عبارة "امرأتك" التي قيلت في العذراء مريم, فلو كانت فتاة عذراء لما دعيت امرأة, وللرد بنعمة الرب يسوع أقول: عن عبارة "امرأتك" تعني زوجتك, وكانت تطلق على كل فتاة مخطوبة. وفي قول الملاك للقديس يوسف النجار "لاتَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت20:1) ويفسر القديس يوحنا الذهبي الفم هذه الآية بالتالي "هنا يدعو الخطيبة زوجة, كما تعود الكتاب أن يدعو المخطوبين أزواجاً حتى قبل الزواج" ويضيف أيضا قائلاً "ماذا تعني عبارة (تأخذ امرأتك) ؟ معناها أن تحفظها في بيتك ... كمن قد عهد بها إليك من الله وليس من أبويها. لأنه قد عهد بها إليك ليس للزواج وإنما لتعيش معك, كما عهد بها المسيح نفسه فيما بعد إلى تلميذه يوحنا (تفسير متى مقالة 11:4).
ولا يختلف رأي القديس جيروم عن ذهبي الفم اذ يقول: "إن لقب (امرأة) أو زوجة كان يمنح أيضاً للمخطوبات" ويستدل على ذلك بقول الكتاب "إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُل، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَأَخْرِجُوهُمَا كِلَيْهِمَا إِلَى بَابِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَارْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا. الْفَتَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تَصْرُخْ فِي الْمَدِينَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَذَلَّ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ" (تث23:22-24) و أيضاً "وَمَنْ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي خَطَبَ امْرَأَةً وَلَمْ يَأْخُذْهَا؟ لِيَذْهَبْ وَيَرْجعْ إِلَى بَيْتِهِ لِئَلاَّ يَمُوتَ فِي الْحَرْبِ فَيَأْخُذَهَا رَجُلٌ آخَرُ" (تث7:20) وهنا استخدم الكتاب كلمة امرأة عن العذراء المخطوبة, فكلمة امرأة لا تدل على الزواج وإنما على الأنوثة وحواء هي أول من سمّيت امرأة لأنها من امرىء أخذت (تك23:2) لا لأنها مارست علاقة زواج مع آدم, وسميت حواء لأنها أم لكل حي ( تك20:3).
اذن فكلمة امرأة تدل على خلقها وأنوثتها, وكلمة حواء تدل على أمومتها.
ودليل على أن كلمة امرأة بالنسبة للعذراء كانت تدل على خطوبنتها وليس زواجها, هو قول القديس لوقا البشير "فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ، لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى" (لو4:2-5). هذا يعني أن عبارة "لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك" معناها خطيبتك. فمريم قد دعيت في الكتاب المقدس امرأة ليوسف ليس لأنها قد فقدت بتوليتها, حاشا. فالكتاب يشهد أنه لم يعرفها, و إنما لسببين:
1. لأن الخطيبة حسب ناموس موسى تدعى امرأةً, فهذا هو التعبير المألوف عند اليهود, بل الأنثى كانت تدعى امرأة, بدليل أن حواء عقب خلقها مباشرة دعيت امرأة, قبل الخطيئة والطرد من الجنة والإنجاب.
2. لكي لا يشتبه في أمر حبلها فلا يرجمها اليهود, اذ أنها قد حبلت وهي ليست امرأةً لرجل, لذلك عبارة "امرأته" استخدمت قبل الحمل وأثناءه.
ولهذا نرى أن الكتاب المقدس بعد الولادة لا يدعوها امرأةً ليوسف, وإنما قال "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ" (مت13:2) وفي عودته من مصر قال له "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ" (مت20:2). وفعل هكذا يوسف في السفر إلى مصر وفي الرجوع "فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ" (مت21,14:2) ولم يستخدم عبارة امرأته, فعبارة "امرأته"لم يستخدمها الوحي الإلهي أبداً بعد ميلاد الرب يسوع, لا بالنسبة إلى كلام الملاك مع يوسف, ولا بالنسبة إلى ما فعله يوسف, ولا بالنسبة إلى المجوس الذين "رأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ" (مت11:2) ولا بالنسبة إلى الرّعاة الذين "وَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي الْمِذْوَدِ" (لو16:2). وقد دعاها يسوع "امرأة" (يو4:2) و(يو26:19) لتكريمها و تعظيمها, "لأن كلمة امرأة يومئذ كانت اصطلاحاً في اللغة المألوفة يستعمل للدّلالة على الإحترام والعطف ... و يؤخذ من الآداب اليونانية القديمة أن السّيدات ذوات المجد الرّفيع كنّ يخاطبن بهذا اللّفظ"([1]).
(1) انظر مجلّة الشرق و الغرب عدد 6 صفحة 169 سنة 1931م.
يتبع ...

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات