تابع { عقيدة الحبل بلا دنس ورفضها أرثوذكسياً }

ثانيــاً:
عقيدة "الحبل بلا دنس" هذه مبنية على تحاليل عقلية بدون أساس في الوحي الإلهي, حيث أنه لا يوجد أي نص في الكتاب المقدس أو التقليد الرسولي أو آباء القرون الأولى يقول أن النّعمة حلّت على حنّة أم العذراء أثناء الحمل لتطهّر العذراء من الخطيئة الأصلية. ويبرّر الكاثوليك إدّعائهم أن في سلام الملاك لمريم "أيتها المنعم عليها" معنىً واضحاً عن تجرّد مريم العذراء من الخطيئة الأصلية, وإنها وحدها لم يكن عندها دنس الخطيئة الأصلية. أي أن العذراء مريم مختارة بموجب القضاء والقدر لا بسبب برّها الذاتي فرغم أن الكنيسة الكاثوليكية تحارب القضاء والقدر لدى الكالفينية([1]) إلاّ أنها تقع فيه ههنا. والكنيسة الأرثوذكسية ترى في المفهوم الكاثوليكي انتقاصاً وإهمالاً لدور مريم الذاتي في قداستها, اذ بعقيدتهم هذه يقدّسونها رغماً عنها, ودون دور لها في تلك القداسة, لمجرّد أن الله "شاء" بينما هي قد استحقّت أن تكون أماً للمسيح إذ يقول الكتاب "لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ" (لو30:1) و أيضاً "لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ" (لو48:1) وهذا يبرز دورها الذاتي في قداستها إذ وجدت نعمة عند الله الذي نظر إلى اتّضاعها فقدّسها.

ثالثــاً:
وفقاً لهذه العقيدة, فإن الكنيسة الأرثوذكسية تطرح أسئلة لا يجيب عنها اللاهوت الكاثوليكي و من أهمها:
1. كيف يمكن أن تكون القديسة العذراء مريم محرّرة بإرادة إلهية من الخطيئة الأصلية, بينمى هي مستمرة في حمل نتائج الخطيئة الأصلية "الموت" فهل تنقية الله وخلاصه ناقص ؟ فبحسب هذه العقيدة لا يمكن أن تموت العذراء. حيث أن الموت في اللاهوت الأوغسطيني هو عقاب الخطيئة الأصلية, وكون العذراء قد حبل بها بلا دنس فقد أعفيت من الخطيئة الأصلية والذنب الموروث (بالتعبير الكاثوليكي) وبالتالي من نتائج سقوط آدم. فكيف يا ترى ماتت العذراء ونحن نعلم أن أجرة الخطيئة هي الموت وهي لم تولد بالخطيئة ؟
2. لماذا قالت العذراء "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو46:1) ؟ هل يعني هذا أن تجسّد المسيح الكلمة وفداؤه للبشر لم يشمل بخلاصه شخص مريم التي كانت مخلّصة مسبقاً قبل التّجسد ؟ بالطبع لا.
3. بأي طريقة خلصت العذراء قبل أن يصلب المسيح والكتاب يقول "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب22:9).
4. إذا كان ممكناً أن يخلص إنسان كالعذراء من الخطيئة الأصلية بدون تجسّد الرّب وصلبه وموته وقيامته فلماذا لم يخلّص الله البشر كلّهم بهذه الطريقة ؟ ما حاجته أن يخلي الله ذاته ويأخذ صورة العبد وأن يصلب ويموت ؟!

رابعــاً:
ترفض الكنيسة الأرثوذكسية هذه العقيدة لأنها تخالف شرح آباء الكنيسة لقول الملاك للعذراء "الروح القدس يحل عليك" فالقديس يوحنا الدمشقي فسّره بكلمة "يطهرك" (المائة مقالة). وكتب القديس أثناسيوس الكبير "إنّ الإله قد ولد انساناً من البتول اذ سبقت فتطهّرت بالروح القدس نفساً وجسداً لذلك قال لها الملاك الروح القدس يحل عليك". و ورد عن كبريانوس (سيربريان) والقديس كيرلس الأورشليمي ما نصّه "ان البتول قد انحلّت من الخطيئة الأصلية عند الحبل بالمسيح". وتوما الأكويني وبوسيبه الأسقف الفرنسي البابوّيان يوافقان الأرثوذكسيّة في عقيدتها.

ولهذا تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية أن الروح القدس قد حلّ على العذراء وطهّرها من الخطيئة عند الحبل بالمسيح فالله لا يسكن الخطئية, ولذلك الرب يسوع المسيح عندما ولد شابهنا في كل شيء إلاّ الخطيئة . فهو "حمل بلا عيب" وقدّوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطأة.

خامسـاً:
ترفض الكنيسة الأرثوذكسية هذه العقيدة لأنها جعلت العذراء مريم "الإستثناء الأعظم" للبشريّة, وليس "النموذج الأعظم". فهذه العقيدة تضع والدة الإله على حده بالنسبة للبشرية, وليس فقط في درجة نقاوتها, بل أيضاً في النّوعية. فالقول بأنّ العذراء قد أعفيت من الخطيئة الأصلية هو مساوٍ للقول بأنها معفية من كونها بشريّة. لاحظ أنه قد قيل في شرح العقيدة في الموسوعة الكاثوليكية أن العذراء قد أعفيت من كل لطخة من الخطيئة الأصلية قبل أن يمكن للخطيئة أن تفعل في نفسها (أي لم تقل إن الخطيئة الأصلية وجدت في مريم ومن ثمّ تمّت إزالتها, بل لم توجد فيها بالأصل أبداً). وهذا الكلام يلغي كل فضيلة وتقوى في العذراء قبل أن تصير والدة الإله, ويحوّلها إلى مجرد أداة منفعلة لله, ويهمّش التدبير الإلهي في العهد القديم الهادف إلى التّهيئة لملء الزمان.
بالنسبة للأرثوذكس، إن مجد مريم يكمن بالضبط في حقيقة أنها بشرية مثلنا، بما في ذلك الطبيعة البشرية الخاضعة للأهواء. القديس يوحنا مكسيموفيتش أسقف سان فرنسيسكو يقول:
"هذا التعليم (الحبل بلا دنس)، والذي له ظاهرياً هدف إعلاء أم الله، ينكر في الحقيقة بالكلية كل فضائلها… إن برّ العذراء مريم وقداستها قد أُظهرا في حقيقة أنها لكونها "بشرية مع أهواء مثلنا" قد أحبت الله جداً و وهبت نفسها له، حتى بنقاوتها تُعلَّى فوق بقية الجنس البشري. لهذا، وقد تمت معرفة هذا سلفاً وانتخابه، فقد مُنحت أن تكون مطهَّرة بالروح القدس الذي حلَّ عليها، وأن تحبل به، بمخلِّص العالم ذاته. إن تعليم حالة اللاخطيئة الممنوحة بالنعمة للعذراء مريم تنكر انتصارها على التجارب؛ فبدل منتصرة مستحقة أن تُكلَّل بأكاليل المجد، يجعلها هذا أداة عمياء لعناية الله"([2]).

ولأجل كل ما ورد أعلاه فإن الأرثوذكس يرفضون هذه العقيدة على أساس أنها ستؤدي بصورة طبيعية إلى إعلاء والدة الإله على قدم المساواة مع الله نفسه. وكذلك الكنائس البروتستانتية قد رفضت هذه العقيدة أيضاً.

(1) أتباع جون كالفن مؤسّس الكنيسة الكالفينية, والمعمدانيّون اليوم يتبعون تعاليمه.
(2) The Orthodox Veneration of Mary the Birthgiver of God, translated by Fr. Seraphim Rose (Platina, CA: St. Herman of Alaska Brotherhood, 1994), pp. 59-60.



يتبع