{ حوار حول العذراء }

في أحد الأيام تطرّقت للحوار عن العذراء مريم مع سيدة بروتستانتية وتكلمت معها حول رفضها للقب والدة الإله أو أم الله, فقالت هذا غير صحيح فهي لم تلد إلاّ جسد يسوع ولذلك ينبغي أن نناديها فقط بأم يسوع ! وطبعاً تطرّقت لشرح طبيعة المسيح الأقنومية واتحاد الطبيعتين فيه, فمن الخطأ أن نقول هي فقط أم يسوع وأن ننكر أنها أم الإله فيسوع هو الإله المتجسّد بسبب اتحاد لاهوته بناسوته دون اختلاط أو انفصال أو امتزاج ولم يفارق ناسوته لاهوته ولا للحظة واحدة ولا لطرفة عين. فيسوع ليس مجرد انسان بل هو الإله المتأنس. وسألتها عن رأيها في قول أليصابات بعد أن امتلأت بالروح القدس: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" فهل بعد هذا لا تؤمنين بأن العذراء هي أم الإله اذ أنه بالحقيقة ولد منها ؟ فأجابتني اجابة غريبة جداً وهي: نعم صحيح أن العذراء هي أم الرّب ولكن ليست أم الله !! فما كان منّي إلاّ الذهول, فيا ترى ما الفرق بين الرّب والله؟ أهل الرب ليس هو الله؟ أوليس الكتاب المقدس يعلمنا أن "الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تث4:6 , مر29:12) فمن هو الرب يسوع المسيح أليس هو "الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ"(رو5:9) أوليس "فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو9:2)فإذا كنّا نؤمن أن المسيح إله وأن العذراء أمّه فتكون العذراء أم الإله.
ولكي أحسم الحوار قلت لها أريد جواباً بنعم أو لا, هل العذراء هي أم الرب ؟ قالت نعم, فقلت وهل الرّب هو الله ؟ قالت نعم, قلت اذاً العذراء أم الله, فما كان منها إلاّ الرّفض مجدّدا !! وعلمت حينها أننا ندور في حلقة مفرغة, فحواري معها هو حوار بيزنطي لن نخرج منه بنتيجة. وأضافت قائلة أنكم بقولكم أن العذراء هي والدة الإله تمجدونها والله يقول "مَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ" (اش8:42), وقد تفاجئت بهذا القول أكثر من سابقه, فقلت وهل حقاً تظنّين أن العذراء غير ممجّدة ؟ فيبدو أنّك لا تميّزين بين المجد الذاتي والمجد المكتسب, فالمجد الذاتي هو مجد الله وهذا لا خلاف فيه أمّا المجد المكتسب فقد منح لكل القدّيسين في المسيح يسوع, وبالحقيقة العذراء ممجدة ونمجدها, فنحن المؤمنين كلنا ممجدين في المسيح, فما بالك بالطوباوية أم النور ؟ فإذا كان الرّب بالعهد القديم لم يعطي مجده لآخر هذا لأن كل الشعب القديم قد كانوا عبيداً والتبني لم يحدث إلّا بعهد النعمة بالمسيح يسوع, فلا يمكن مطلقاً للعبد أن يأخذ من مجد سيّده, أمّا في العهد الجديد فالأمر اختلف ولم نعد بعد عبيداً بل أبناء, ولو أردت الأخذ بكلامك فكيف نفسّر قول بولس الرسول عن المعمودية إنّنا "كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟" (رو4:6) فالعذراء في جدّة الحياة قد سكلت في المسيح بمجد الله الآب, أفلا أمجدها وهي ممجّدة مع كل مصاف القديسين؟ وهنا ما أراد بولس أن يفهمنا إيّاه من هذه الآية هو أن نعلم ما هو غنى مجد ميراث الله في القديسين. والرب يسوع المسيح نفسه يقول "وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يو22:17) بل عندما يمجّد الرسول بولس الحياة الأبدية يقول عن الرب يسوع إنه "آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ" (عب10:2), بل يقول الرسول بطرس إنّ "رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ" (1بط14:4). ألا تكفي هذه العبارات ؟ وكيف وصف بطرس نفسه بانّه "شَرِيكَ الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ" (1بط1:5) ؟ إن المجد هو من الله نفسه, لأنه هو الذي يمجّدنا "فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ" (رو30:8). فهل بعد هذا كلّه نتكلم عن المجد المختص بالقديسين ؟ أهل نحن مخطئين إذا مجّدنا العذراء وهي بالحقيقة قد تمجدت بالمسيح يسوع, فكل من هم بالمسيح هم ممجّدون لكن يبدو أنك يا سيّدتي الكريمة مازلتي تعيشين في ظلال العهد القديم ولم تفهمي بعد رسالة العهد الجديد وعمل النعمة فينا, فالعذراء مريم أم النور هي ممجدة شاء من شاء وأبى من أبى. (إلى هنا انتهى الحوار)
بالواقع تردّدت كثيراً قبل نشري هذا الحوار في كتابي ولكن اكتشفت بأن هذا الفكر منتشر عند الأغلبية من أخوتنا البروتستانت, فما لا أفهمه هو كيف أنهم يرفضون تسمية أم الإله وعندما تضع أمامهم الآية الإنجيلية " أُمُّ رَبِّي"يقرّون بأنها أم الرّب ؟! ولكن لا يقبلوا أن تكون أم الإله ! فأنا حقيقةً لا أعلم كيف يفسّرون هذه المعادلة, وكيف بالذات في موضوع العذراء ولقبها يتم التفريق بين الرب والإله ! ولم أجد سوى ثلاث احتمالات لتفسيرهم بقبول أنّها أم الرب ولكن ليست أم الله وهي: إمّا للتقليل من مكانتها ؟
أو انكارهم لولادة الإله وتجسّده بالحقيقة منها ؟ أو أن الرب ليس هو الله ؟ سأترك الإجابة لهم, ولإلهنا المجد الدائم والكرامة من الآن وإلى الأبد آمين.

يتبع ...