المسيحية حرّية كلّها. من الحرية تنبع وفي الحرية تصبّ. ألم يكتب الرسول بولس إلى المسيحيين الذين في غلاطيه: "أيها الاخوة، إنما دُعيتم إلى الحرية" (غلاطية 5: 13)؟ وأيضًا "لقد حرّرنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية، فاثبتوا إذًا فيها، ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية" (غلاطية 5: 1)؟ ألم يقل في رسالة أخرى: "الربّ هو الروح، وحيثما روح الربّ فهناك الحرية" (2كورنثوس 3: 17)؟
ليس إله يسوع المسيح إلهًا يفرض ذاته على مخلوقاته عنوة، بل حبّ مقدّم بحرّية للناس لكي يتجاوب هؤلاء معه بحريّة فيدخلون في وليمته ويحيون. لا يمكن للحبّ أن يكون إغتصابًا ("الحب ما بِصير غصب"، كما نقول في العاميّةّ)، لذا فعندما شاء الإله أن يسكن أرضنا لفائق حبّه، لم يعرض ذاته على البشر لا بالقوة ولا بالسلطان ولا حتى بالحجج الدامغة الساحقة، بل خاطب أعماقهم ونادى حرّياتهم وقبل بأن يرفضه الكثيرون، بأن يرفضوه حتى الصلب. الربّ في إنجيله يتوجّه إلى إرادة الناس وينتظر منها جوابًا حرًّا على دعوته. من هنا تلك العبارات: "من أراد أن يتبعني.. إن شئت أن تدخل الحياة... إن شئت أن تؤمن ... إن شئت أن تكون كاملاً...". مزعج هو الربّ بتأكيده هذا على حريتنا. كنا نودّ لو يجنّبنا مشقّة الاختيار، لو يرفع عنا عبء تقرير مصيرنا بأنفسنا، لو يفرض ذاته علينا ببراهين وعلامات ساطعة لا تترك مجالاً للتردّد فننقاد لها صاغرين. شاقّة هي الحرية، ولكن الربّ لا يشاء أن يوفّرها علينا، لأنها شرط كرامتنا ككائنات مخلوقة على صورته ومدعوّة إلى شركة الحب معه: "إنني لا أدعوكم عبيدًا بعد، (...) إنما دعوتكم أحباء" (يوحنا 15: 15)، هكذا يقول يسوع. لذا يصوّره لنا سفر الرؤيا هاتفًا: "ها أنذا واقف على الباب وأقرع، فإن سمع أحد صوتي، وفتح الباب، أدخل إليه، فأتعشى معه، وهو معي" (رؤيا 3: 20). إن خالق القلوب لا يلج إليها عنوة، إنما هو واقف على عتبتها يقرع كالمستعطي، علّها تشاء أن تسمع وأن تفتح الأبواب فيدخلها لا ليستولي عليها ويتملّكها بل ليغدق عليها نوره وفرحه وقوته، فتحيا وتتجلّى وتكتمل.
لقد أعلن يسوع في وجه هؤلاء "أن السبت جُعل من أجل الإنسان وليس الإنسان من أجل السبت"، أي أن كل ناموس إنما جُعل لإحياء الإنسان وتحريره، لا لسحقه وتكبيله، وبعبارة أخرى أن الناموس ليس غايةً بل مجرّد وسيلة، مجرّد علامة رُسمت لتشير إلى الطريق، طريق الحرية والحياة، الممتدّة إلى ما لا نهاية. كثيرًا ما نتصرّف، نحن المربّيين، كناموسيّين لا كمسيحيين، لأننا نخاف من حيث لا ندري من الحرية ومن الحياة، متناسين تعليم الرسول بأن المحبة إنما هي "كمال الناموس" (رومية13: 10) أي غايته ومقياسه، تلك المحبة التي يجد الإنسان فيها حريته وحياته، والتي قال عنها القديس اوغسطينوس، مرجّعًا صدى الإنجيل، كلمته الجريئة المشهورة: "أحبّ واصنع ما تشاء".
لا يُسرّ إله يسوع المسيح بسلبنا حياتنا، بل بإعطائنا حياته لكي ننعم بها منذ الآن، لا يبني مجده على أنقاض وجودنا بل يتمجد بغنى هذا الوجود. لقد علّمت كتب التعليم المسيحي قديمًا أن غاية وجود الإنسان على الأرض إنما هي تمجيد الله. ولكن كيف يتمجد الله، يا ترى؟ لقد أجاب على ذلك القديس إيريناوس، اسقف ليون، في القرن الثاني، عندما كتب: "مجد الله هو أن يحيا الإنسان".
![]()

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر



رد مع اقتباس
المفضلات