الأخ والإبن الحبيب نبيل:
لقد طرحت موضوعاً هاماً يتناول الحياة العائلية المقدسة , أشكرك عليه ، وقد تعودنا منك دائماً طرح تساؤلات حول مواضيع عائلية حساسة وهامة .واليك رأيي بالموضوع.
- هناك صعوبات هائلة تواجه العائلة والمجتمع من خلال تطور المجتمعات والعولمة والتكنولوجيا الحديثة وسيطرة الأفكار المدمرة الموجهة للشباب بغلاف مجمل وخادع والتي تنتشر عبر وسائل الإعلام العالمية الموجهة بأنواعها وآخرها الأنترنيت. وهذا يزيد من مسؤولية الأهل وصعوبة قيادة العائلة وتربية وتوجيه وحماية الأولاد إنما لا يعفيهم أبداً من هذه المسؤولية أو يقللها فإنشاء العائلة كان خيارهم ضمن كل هذه التحديات ، والعائلة مقدسة ولا بد لهم أن يدركوا قداستها ومسؤليتها قبل الإقدام على تأسيسها . والعائلة كما هي حق لهم <أي كل شاب وفتاة> كذلك هي حق عليهم فتأسيس العائلة واجب (إلا في حالة تكريس النفس للرب عندنا نحن المسيحيين) والتهرب منها هو ضعف وتمنع من واجب فرضه علينا وجودنا الذي منحنا إياه الله على هذه الأرض وبهذا الجسد .
- لكل عصر صعوباته وأزماته ... خلال جيل أهلنا كان ظهور المذياع ، هذا الإختراع الخيالي حينها ثم جاء الترانزيستور ثم جاء التلفزيون الذي كان ثورة تكنولوجية شدت كل الشباب وفي الجيل الذي سيقني بقليل دخل مسجل الكاسيت وبعده وفي شبابنا ظهر مسجل الفيديو الذي اعتبره الأهل حينها مدمراً ومفسدا للأبناء رغم ما قدمه وقدمته كل هذه الإختراعات من فائدة على كافة الأصعدة لجيلها . والآن وفي جيل أولادنا كان الكومبيوتر ثم الأنترنيت وجاء أيضاً الموبايل وكل ما دعي بثورة الإتصالات وهي بقدر ماهي مفسدة حين يستغلها المفسدون بقدر ما هي مفيدة وداعمة للإنسان والشباب حين تدار من قبل الخيّرين والسوِيِيِن وأصحاب العلم الخَيِّر والبَنّاء . ِ
- إذا المشكلة دائمة وفي كل العصور وكل الأجيال . لكل جيل تطلعاته وطموحاته التي تختلف عن الجيل الذي يسبقه. وترتبط درجة الإختلاف هذه بدرجة تطور المجتمعات من جيل لجيل، وحيث أن وتيرة التطورفي عصرنا هذا أصبحت سريعة لا بل متسارعة نجد أن الفارق في متطلبات الجيل الجديد وجيل الأهل أصبح أكبر لذلك نجد أن تربية الأولاد ورعاية العائلة كانت في السابق أسهل وأقل تعقيداً مما هي عليه الآن . وهذا الإختلاف لم نعد نلحظه بين الأجيال فقط بل بالجيل الواحد نفسه أي بأنفسنا نحن فالتحولات المتسارعة أدخلتنا في طريق يَفرِض علينا - كي نستطيع الإستمرار في الحياة ولا نكون على هامشها- أن نتحول نحن أنفسنا باستمرار لنواكب هذا التطور المتسارع وهذا حمَّلنا عبئاً شديداً .ولكن من إيجابيات هذا الطريق هو التقرب من أبنائنا وتفهمهم أكثر والتخفيف من حدة الفوارق في التفكير بيننا وبينهم وفي تفهم الأنماط الجديدة من الحياة وتفهم طلباتهم ... ومن المفارقة هنا أن جيل الأهل الآن يعود غالباً لجيل أبناءه الشباب لمساعدته في دخول هذا العالم الجديد المفروض عليهم وأقصد هنا عالم الأنترنيت والإتصالات وعالم الكومبيوتر بشكل عام . وهذا ما أجده أنه يساعد كثيراً على التقارب بين الأهل وأبنائهم ويتيح للأهل مواكبة ومراقبة أبناءهم وحمايتهم . وأرى أن على الأهل ولوج هذا العالم الجديد ومواكبته والتعرف لإيجابيانه وسلبياته كي يبقوا قريبين من أبنائهم ويبقى هناك لغة ومساحة كافية من الحوار مشتركة بين الجيلين مع إمكانية المراقبة والتوجيه من الأهل للأبناء.

لنعود الآن إلى العلاقة بين الأهل والأبناء والتي تضمن سلامة العائلة وسلامة أبنائنا ومستقبلهم وبالتالي سلامة مجتمعاتنا ومستقبلها.

-- على الأهل أن يعلموا أن أولادهم هدية منحها الله لهم وأمانة وضعها بين أيديهم وليسوا أبداً ملكا لهم إنما هم ملك لله وللحياة التي أوجدها الله لنا .وأن عليهم أن يحملوا مسؤولية هذه الأمانة في أعناقهم من خلال تأسيس أولادهم التأسيس الصحيح ليكونوا أعضاءً صالحين في المجتمع.
*- على الأهل أن يدركوا أن لأبناءهم شخصيتهم المستقلة ولكل منهم إمكانياته الخاصة وميوله وفكره وحلمه الخاص وأنهم ليسوا نسخة عنهم و أن يدركوا أنه لا يجوز لهم تحميل أعباء أحلامهم هم لأولادهم ..إنما مهمتهم تشجيع وتوجيه وإرشاد أولادهم إلى الطريق الأسلم لكل حسب حاله.
*- على الأهل أن يدركوا أن لأبنائهم كيان خاص له استقلاليته وحريته وكرامته وعزة نفسه ومن واجب الأهل احترام هذا فيهم واحترام خصوصيتهم وعدم معاملتهم كتابعين لهم أوبفوقية وعدم إهانتهم وتصغيرهم وأنهم قاصروا فهم. فهناك أساليب كثيرة للتربية والتوجيه والتأنيب والعقاب دون إهانة وتشعر الإبن بأهميته كإنسان ذو كيان ولا بد أن يمنح الأهل لأولادهم الثقة وتحمل المسؤولية وأن يكون التّفهم والحوار والنقاش والصراحة والإقناع والصبر أساس في التعامل معهم وهذا لا يعني التهاون والتغاضي عن أخطائهم فالحزم ضروري وواجب . وبذلك يُكسر حاجز الخوف عند الأولاد من الأهل ويستبدل بشعورالإحترام والمهابة والتقدير.أي أن يشعروا بأن أهلهم معهم في تجاوز أزماتهم وتصحيح أخطائهم وليسوا جلادين ومعنفين لهم فقط ،وبأنهم مرجعاً موثوقا وسنداً حنوناً وحقيقياً لهم ،مما يجعلهم قريبون من أهلهم ويصارحونهم بأفكارهم وآرائهم وتنشأ بينهم صداقة حقيقية ،وبذلك تشكل الرقابة الحقيقية على الأولاد والحماية لهم من الإنحراف دون التعدي على خصوصيتهم واستقلاليتهم .فنحن نريد لأولادنا أن يكونوا أعزاء أقوياء محترمون يواجهون الحياة بصلابة ومحصنون ضد المفاسد المحيقة بهم وقادرون على تحمل المسؤولية.
*- على الأهل أن يكونوا العبرة الصالحة للأولاد وأن يكونوا أولاً مثالأ للحب والتفاهم وإعطاءه صورة حلوة عن الزواج ومتعة العائلة فكلما كان الزواج مبنياً على أسس المحبة المسيحية الحقيقية كانت العائلة محصنة والأولاد أصحاء وكانت تربية الأولاد أسهل على الأهل فالمسيحية أعطتنا كل الحلول وبها نحصن العائلة بكامل أفرادها ونضمن من خلالها العلاقة الصحية بين أفرادها ومع محيطها ... وكذلك الأمر بالنسبة لموضوع القيم الأخلاقية فكيف لوالد يكذب أمام أولاده ويطلب منهم أن يكونوا صادقين أو يعتدي على حقوق الآخرين ويطلب منهم الأمانة أو أن يكون عاقاً بوالديه ويطلب منهم أن يبرون به في كبره . وكيف لأم مهملة تريد من أولادها أن يكونوا ملتزمين ... الولد يتعلم من تصرفات أهله وليس من نصائحهم . فلنقوِّم أنفسنا أولاً لنضمن أولادنا .
*- على الأهل أن يدركوا أن أولادهم هم أغلى ما منحه الله لهم ، وأنا لا أشك في أن هناك أم أو أب لا يدركون ذلك ولا يتفانون من أجل أولادهم حتى لدرجة بذل الروح من أجلهم .ولكنهم وللأسف يضيعون البوصلة في طريقة العطاء وبذل هذا العطاء . فيبالغون بأمور ويجحفون بأمور أخرى . فغالب البشر بظنون أن تأمين المال والغذاء وإغداقهما دون حساب على الأولاد هو الهدف الأساسي في التربية وبذلك يوفون واجبهم تجاه أولادهم، وينسون الحاجات النفسية والفكرية والإجتماعية . ولكي نستطيع التفاعل والتواصل مع أولادنا ونكون أصدقاءاً ومرشدين وموجهين ومحاورين لهم نزرع لديهم الثقة بنا وبأنفسهم لا بد من أن نعطيهم ونكرس لهم الجزء الكافي من وقتنا ونجالسهم ونلعب معهم ونحاورهم ونشاركهم اهتماماتهم منذ طفولتهم ليشكل هذا الأسلوب جزء من نمط حياتهم وحينها مهما ابتعدوا وانعزلوا في مرحلة المراهقه من خلال نزعة الإستقلالية لديهم يبقى لديهم حيزاً من حياتهم لمجالسة أهلهم .وهنا لا خوف إن لازموا الكومبيوتر والأنترنيت أو أي اختراع آخر قادم إلينا طالما لم نفقد السيطرة والرقابة والتوجيه... فرغم أهمية النشاطات الإجتماعية والثقافية وأهمية الإهتمام بالمنزل وشؤونه ورغم أهمية العمل في الحياة لن يكونوا أهم من أولادنا ومن مشاركتنا لهم والتواصل الدائم معهم . وإلقاء الحق في ابتعاد أولادنا عنا على التكنولوجيا الحديثة هو هروب من المسؤولية التي رضينا أن نحملها حين قررنا بناء عائلة.

إخوتي .إن ما ذكرته هو مثالي وقد لا نقوى نحن الأهل على تنفيذه بالشكل الأمثل فنحن بشرولكل منا إمكانياته وقدراته وظروفه وضغوطات الحياة قاسية وليست قليلة ، وأنا لا أقول هذا الكلام لأقلب أبناءنا علينا ولكن ما أتمناه هو أن نضع هذا الأسلوب نصب أعيننا وهدفا في حياتنا لنحاول تحقيقه قدر الإمكان، وليكون هدفا مستقبلياً لأولادنا ليحققوه في عائلاتهم القادمة مع أولادهم . وعلى أولادنا أن يعلموا علم اليقين أنه مهما شعروا بأننا أخطأنا بحقهم فنحن نحبهم كثيراً جداً وهم حقاً أغلى من أرواحنا علينا وكل ما نفعله معهم ولهم حتى لو أخطأنا فيه أحياناً هو نابع من محبتنا وهدفنا ومحاولتنا لحمايتهم ولأن نضمن لهم الحياة والمستقبل الأقضل . وأمنيتنا هي أنه إن أخطأنا معهم أن يكون عزاؤنا هو في أن يتفادوا هم هذا الخطأ مع أولادهم مستقبلاً.
إخوتي يجب أن لا ننسى أن المسيحية قد أعطتنا الحل لكل هذه الأمور وهذه المشاكل ، وبكل بساطة لنعش مع المسيح ولتكن المحبة المسيحية أساس حياتنا فنزلل الصعاب ، ولنفتح عيون أطفالنا عليها منذ صغرهم لتشكل جزء من كيانهم فتكون في المستقبل جزء من كيان عائلاتهم وبالتالي جزء من كيان المجتمع .

إخوتي عذراً منكم لهذه الإطالة في الرد وأتمنى أن لا أكون قد أثقلت عليكم به

صلواتكم . وأدعو الرب أن يكون الحامي والراعي الدائم لنا ولعائلاتنا وأبنائنا جميعاً.