10ـ عندما يتحرك غضب النفس ضد الاهواء فلنعلم انه وقت الصمت لانها ساعة الجهاد. اما اذا رأينا هذه العاصفة تهدأ بالصلاة او بأعمال الرحمة فلنقبل على الحديث الالهي مثبتين جناحي النفس برباط الاتضاع. لاننا ان لم ننسحق كليا لا نستطيع الكلام عن عظائم الله
11ـ الحديث الروحي يحفظ النفس دائما في مأمن من المجد الباطل لانه من جراء شعور طيب بنور يتدفق في كل طياتها يجعلها تستغني عن اكرام الناس. ولذا ايضا يحفظ الفكر دائما معتقا من التصورات ، اذ يحوله كله الى محبة الله . اما حديث الحكمة الدنيوية فهو على العكس من ذلك يدفع المرء دائما الى طلب مجد الناس، لانه لا يستطيع ان يوفر للمتكلمين فائدة الخبرة المحسوسة يعرض لهم الشغف بالمدائح ما دام صنع اناس محبين للمدح. سنعرف اذا دون خطأ الحالة التي تلازم الحديث الالهي اذا كنا في الاوقات التي لا نتكلم فيها ننصرف، في صمت خال من اي اهتمام آخر، الى ذكر الله ذكرا حارا
في محبة الله
12ـ من كانت نفسه عزيزة في عينيه لا يستطيع ان يحب الله . اما الذي لا يحب ذاته من جراء فائق غنى محبة الله له ( اف 7:2) فهذا يحب الله . لذا فإن مثل هذا الانسان لا يطلب ابدا مجده بل مجد الله ،لان الذي يعز نفسه يطلب مجد نفسه. من يحب الله يحب مجد
خالقه، اذا من خصائص النفس المتحسسة لحب الله ان تطلب دائما مجده في حفظها للوصايا كافة وان تنعم بانسحاقها ، فبالله يليق المجد لاجل عظمته، وبالانسان الانسحاق ليصير اليف الله ان فعلنا هذا بفرح نحن ايضا، على مثال القديس يوحنا المعمدان، فسنشرع بالترديد الى مالا نهاية " ينبغي ان ذلك ينمو واني انا انقص" ( يوحنا 30:3)
13ـ اعرف انسانا شغوفا بحب الله، مع انه كان يئن لعدم حبه اياه كما يشاء، وكانت نفسه على الدوام تضطرم شوقا الى رؤية الله ممجدا يه وهو كأنه لم يكن. ان هذا الانسان لا يعلم ما هو عليه، حتى عندما تمدحه الكلمات، لانه في توقه الشديد الى الانسحاق لا يذكر كرامته انه يتمم الخدمة الالهية ككاهن طبقا لشرعة الكهنة، ولكنه في استعداده الاقصى لمحبة الله يخفي ذكر كرامته الكهنوتية في لجة تلك المحبة طامرا المجد الذي قد يناله منها في روح التواضع، فلا يبدو في عين نفسه وتقديره لذاته في كل حين سوى عبد بطال، وكأن شغفه بالانسحاق يجرده من كرامته. هذا ما يجب ان نفعله نحن ايضا لنهرب من كل تشريف ومجد لاجل فائق غنى محبة الله الذي احبنا بلا حد
14ـ من احب الله من صميم القلب هذا قد عرفه الله ( انظر 1كور 3:8). فانه بالقدر الذي يتقبل فيه احد محبة الله ، في صميم النس، يصير حبيب الله لذا فان مثل هذا الانسان يغدو ولعا باستنارة المعرفة حتى العظم ولا يعود يعرف ذاته بل يغيره حب الله تغييرا كليا. مثل هذا الانسان يكاد لا يكون في هذه الحياة لانه مع استمرار سكناه في الجسد يهاجر بحركة نفسه الى الله بالمحبة دون انقطاع ويبقى ملتصقا به بقلب ملتهب بنار الحب دون هوادة في نوع من شوق لا يقاوم. د؛لك ان الحب الالهي قد اقتلعه مرة من حبه لذاته " لاننا ان صرنا مختلين فلله او كنا عاقلين فلكم" كما يقول الرسول ( 2 كور 13:5)
15ـ متى بدأنا نشعر بغزارة فيض محبة الله حينئذ نبدأ، روحيا، بمحبة القريب ايضا.فان هذه هي المحبة التي تتكلم عنها كل الاسفار. لان المودة بحسب الجسد تنتفي بيسر فائق لاقل سبب يطرأ اذ ليس رباطها رباط الحس الروحي. هكذا اذا حتى ولو استولى على النفس التي يفعل الله فيها نوع من غيظ، فانها لا تقطع رباط المحبة، لانها تضطرم من جديد بحرارة المحبة الالهية وسرعان ما تعود الى فعل الفضيلة وتتوخى بفرح كبير محبة القريب، وان كانت قد قاست منه عظيم الاساء ات او الشتائم، لانها تلاشي في عذوبة الله مرارة الخصام بالكلية
16ـ لا يمكن لاحد ان يحب الله من صميم القلب ان لم يبدأ اولا بمخافته من كل القلب. فان النفس بعد ان تتطهر بالخوف وتلين تأتي الى ممارسة المحبة. ولكنها لا تقدر على الوصول تماما الى مخافة الله على الوجه لآنف الذكر ان لم تنعتق من كل الهموم الزمنية. فالذهن اذا ما صار في هدوء وزهد كبيري تعذبه حينذاك مخافة الله منقية اياه في العمق من كل الكثافة الارضية لتقوده هكذا الى حب عظيم لصلاح الله . وبالتالي فالمخافة هي خاصة الذين لا يزالون يتطهرون وترافقها محبة متوسطة واما المحبة الكاملة فهي خاصة الذين تطهروا ولا خوف فيهم من بعد ، لان " المحبة الكاملة تطرد الخوف"( يوحنا الاولى 18:4).وكلتاهما لا يقتنيهما سوى الابرار الذين يمارسون الفضائل بالهام الروح القدس لذا فالكتاب يقول تارة " اتقوا الرب يا جميع خاصته"( مز 9:33)، وتارة اخرى : احبوا الرب ياجميع ابراره " ( مز 23:30)، لكي نتعلم جيدا ان الابرار الذين لا يزالون في طور التطهر يقتنون المخافة مع محبة ضعيفة كما اسلفنا، في حين ان الذين قد تطهروا يقتنون المحبة الكاملة، اذ لم يعد فيهم اي فكر خوف بل اضطرام متواصل ونفس ملتصقة بالله على الدوام بفعل الروح القدس كما هو مكتوب : " التصقت نفسي بك وباياي عضدت يمينك" ( مز 8:62)
17ـ كما ان جراحات الجسد اذا اهملت طويلا دون عناية لا تحس بادوية الاطباء، اما اذا نظفت فتشعر بمفعول العلاج لتقدمها السريع نحو الشفاء من جرائه، هكذا ايضا النفس اذا ما بقيت دون اعتناء، محجوبة كليا ببرص الاهواء، فانه لا يمكنها ان تشعر بخوف الله ولو هددت بمحكمة الله القادرة الرهيبة دون انقطاع. اما اذا شرعت تتنقى بكثرة انتباهها ( او كثرة صلاتها ، اذ ان كلمتي انتباه وصلاة في اليونانية متقاربتان وتختلف المخطوطات في ايراد هذه وتلك ) تشعر حينئذ بالخوف الالهي كدواء حقيقي للحياة وكأنه يحرقها في نار اللاهوى بفعل تقريعاته. عندها تطهر تدريجيا وتسير نحو تنقية كاملة، نامية في المحبة بالقدر عينه الذي تنقص به في المخافة. فتصل هكذا الى المحبة الكاملة حيث لا خوف كما قيل بل اللاهوى التام الذي يولده الشوق الى مجد الله. فلكي نحظى بفرح الافراح الذي لا نهاية له لنَقتَنِيَنَّ اذا مخافة الله اولا ثم المحبة التي تتم ناموس الكمال في المسيح ا( انظر روم 10:13)
يتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر



رد مع اقتباس
المفضلات