في النعمة والارواح المختلفة
75ـ حين تنسم ريح الشمال على البسيطة يبقى الهواء المحيط بها نقيا لان هذه الريح عليلة بطبيعتها وتجعل الجو صافيا، اما اذا هبت ريح الجنوب فيتكثف الهواء بسبب الضباب الذي تحدثه تلك الريح عادة ، لأنها لأجل تجانسها مع السحب تستجلبها على كل الارض من المناطق التي تسود فيها ، هذه هي حال النفس ايضا فعندما تخضع لالهام الروح القدس الحق تكون بجملتها خارج الضباب الشيطاني، ولكن اذا تنشقت نفحة روح الضلال تغشاها سحب الخطيئة. فيجب بالتالي توجيه مشيئتنا دائما وبكل قوانا نحو نفحة الروح القدس المحيية والمنقية، اي نحو الذي شاهده النبي حزقيال في نور المعرفة آتيا من الشمال ( حز 4:1). على هذه الصورة يكون للنفس التأملية الحظ الاكبر في البقاء صافية على الدوام، وتستطيع بالتالي ان نقبل على المشاهدات الالهية دون ضلال، معاينين بالنور بهاء النور ( انظر مز 9:35) . لان هذا هو نور المعرفة الحقيقية
76ـ لقد تصور البعض أن النعمة والخطيئة، اي روح الحق وروح الضلال، يحتجبان معا في عمق الذهن عند المعمدين. ويقولون إنه من هناك يدعو احدهما الذهن الى الصالحات فيبادر الآخر ويدعوه للتو الى عكس ذلك. أما أنا فقد افهمتني الآسفار المقدسة وحاسي الذهنية ان قبل المعمودية تحث النفس على الصلاح من خارج، في حين يتستر الشيطان في اعماقها محاولا سد كل مخارج الذهن نحو الجهة اليمنى. اما منذ لحظة تجديدنا بالمعمودية فينتقل الشيطان الى الخارج والنعمة الى الداخل. فنكشف حينذاك انه اذا كان الضلال هو السائد على النفس قبلا فان الحق كذلك هو الذي يملك عليها بعد المعمودية. الا ان ابليس يستمر في مجاهدة النفس كالسابق، بل اكثر من السابق في معظم الاحيان، لا لانه يساكن النعمة، حاشا لي ان افكر هكذا ! بل لانه من خلال رطوبة الجسد يبدو وكأنه يحول حلاوة الملذات الشهوانية الى بخار في الذهن، وهذا يحدث بسماح من الله حتى اذا ما جاز الانسان في عاصفة المحنة ونارها يصل اذا شاء الى التنغم بالصلاح، فقد قيل " جزنا بالنار والماء واخرجتنا الى منتجع راحة " ( مز 12:65)
77ـ منذ لحظة المعمودية تتستر النعمة في اعماق الذهن ، كما اسلفت ، مخفية حضورها حتى على الحس الداخلي ، ولكن متى بدأنا نتوق الى الله بعزم تام تنقل النعمة حينذاك بعضا من خيريتها الى النفس عن طريق حس الذهن في تفاعل لا ينطق به. فمن توخى اذ ذاك ان يضمن كليا امتلاك هذا المنعم يأتي الى ابتغاء ترك كل خيرات هذه الارض بفرح كبير ليملك حقا الحقل الدي وجد فيه كنز الحياة ( متى 44:13). لاننا حين نزهد في كل الغنى الزمني نجد الموضع الذي طمرت فيه نعمة الله . فالعطية الالهية تظهر ايضا عذوبتها للذهن بمقدار نمو النفس. لكن الرب حينذاك يسمح بان تزعج الشياطين النفس اكثر من ذي قبل ليعلمها جيدا تمييز الخير من الشر ويزيدها اتضاعا بسبب العار العظيم الذي تشعر به من جراء دنس الافكار الشيطانية بعد ان تتنقى منها
78 ـ نحن على صورة الله من حيث حركة النفس الواعية وما الجسد الا نظير بيت لها . ولما كانت سمات النفس قد تشوهت بخطيئة آدم، بل جسدنا نفسه فسد شيئا ڤسيئا، تجسد كلمة الله ووهبنا ماء الخلاس بمعمودية الولادة في الله الذي هو الكلمة. فنحن اذا نولد جديدا بواسطة الماء بفعل الروح القدس المحيي ، وم ثم نتطهر للحال نفسا وجسدا ( او يتطهر على الاقل من يبتغون الله بكامل ارادتهم )، هذا لان الروح القدس يقيم فينا ويطرد الخطيئة، فانه لمن المتعذر كما اعتقد بعضهم ان يقيم شخصان في نفس سمات واحدة وبسيطة ، د؛لك لانه عندما تطابق النعمة الالهية سمات صورة الله فينا بالمعمودية المقدسة كعربون لتحقيق مثال الله مستقبلا في محبة لا حد لها ، فأين يمكن للشرير ان يجد مكانا يكمن فيه ، سيما وانه " اية شركة للنور مع الظلمة " ؟ ( 2 كور 14:6)، فنحن الساعين في الجهاد الروحي المقدسنؤمن اذا ان الحية الكثيره
الاشكال تُطرد من خزائن كنوز النفس بحميم عدم الفساد لكن لا تتعجبنَّ اذا ما بقيت تراودنا بعد المعمودية افكار شريرة وسط الافكار الصالحة، ذلك ان حميم القداسة وإن كان ينتزع دنس الخطيئة فهو لا يغير حالا ازدواجية مشيئتنا ولا يمنع الشياطين من محاربتنا ولا من مخاطبتنا بأقوال مضللة ، حتى إن ما لم نعرف ان نحفظه حين كنا نفسانيين نحافظ عليه بتسلحنا بأسلحة البر بقوة الله
79ـ يطرد ابليس من النفس بالمعمودية المقدسة كما سبق القول ، ولكن يسمح له بمحاربتها بواسطة الجسد للاسباب المتقدم ذكرها، لأن نعمة الله تقوم في عمق النفس ــ اي في الذهن ــ فإنه مكتوب ان " مجد ابنة الملك كله في الداخل" ( مز 13:44) محجوبا عن الشياطين، لذا عندما نذكر الله بحرارة نشعر وكأن الشوق الى حبه ينبع من عمق اعماق النفس. وبالتالي فان الارواح الشريرة تداهم حواس الجسد وتتلطى فيها ، مستعينة بتواطؤ الجسد ( انظر متى 41:26) لتقاتل الذين ما زالوا اطفالا بالنفس . وهكذا بحسب قول الرسول ( رو 22:7) يسر الذهن دوما بناموس الروح في حين ترتضي حواس الجسد الانجذاب الى منحدر اللذة. لذلك فان النعمة عند المتقدمين في المعرفة تفرح الجسد عن طريق الحس الذهني فرحا لا يوصف. اما الشياطين فيقيدون النفس بعنف بهواس الجسد مجتذبين اياها نحو ما لا تريد، سيما حين يضبطنا اولئك القتلة فيما نحن نعدو بفتور في طريق التقوى
يتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر



رد مع اقتباس
المفضلات