91 ــ لقد روى لي احد الذين يحبون الرب بعزم لا يشبع قال :" بما اني كنت في توق الى امعرفة حب الله معرفة حق وهبني اياهالصلاح الاسني في شعور كبير بالملء وقد احسست بفعلها بقوة حتى ان نفسي كانت آنذاك في فرح وحب لا يوصفان، تلتهب اشتياقا الى الخروج منالجسد والذهاب الى الرب، وكأنها انقطعت عن معرفة هييءة هذه الحياة الزائلة " والذي خبر هذا الحب، حتى ولو شتم او اسيء اليه بالف نوع من الاساء ات، لا يغضب على المسيء اليه، فمثل هذه المحن قد تظل تصادف من يجب ان يدرب، انه يبقى وكأنه ملتصق بنفس الذي شتمه. او حتى الذي اضر به، لذا فهو لا يستشيط غضبا الا على الذين يهاجمون المساكين او، كما يقول الكتاب، يتكلمون علىالله باستعلاء ( مز 5:74)، او يعيشون في اي نوع آخر من الاثم. لأن الذي بات يحب الله اكثر من ذاته. بل لا يعود بالحري يود ذاته بل الله وهده، هذا لا يعود يطالب بكرامته، انما يبتغي فقط تكريم بر الله الذي كرمه كرامة ابدية، وهذا لا يبتغيه ابتغاء فاترا بل يحول استعداده هذا الى عادة في خبرته العظيمة لمحبة الله، بالاضافة الى ذلك يجب ان نعرف اننا حين يدفعنا الله الى تلك الدرجة من المحبة نرتقي ابان د؛لك حتى فوق الايمان، لاننا اصبحنا نعانق بحس القلب وبحب جزيل من كنا نكرمه بالايمان قط هذا ما يشير اليه الرسول القديس بوضوح حين يقول " اما الآن فيثبت الايمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة ولكن اعظمهن المحبة. ( اكو13:13)، لان من يعانق اله في غنى الحب، كما قلت هذا يكون اعظم بكثير من ايمانه نفسه لأنه انما هو بكليته في الشروق

في محبة القريب
92ــ اذا اتفق واخطنا على احد وشتمناه فعادانا فان فعل المعرفة المقدسة فينا يسبب لنا في المرحلة الوسطى ( من المسيرة الروحية ) حزنا غير قليل لذا فهو لا يكف البتة عن وخز ضميرنا الى ان نسترجع المساء اليه باعذار كثيرة الى علاقة الود السابقة ، ام اتوجع القلب القصى الذي تسببه لنا المعرفة في المرحلة الاخيرة وفي وضع كهذا فيغرقنا في النحيب والغم ولو كان قد سخط علينا علماني بغير حق، اذ نحن قد صرنا ( لا لشيء ) معثرة للذين يتلمون بحكمة هذا الدهر ( انظر اكو 6:2) ومن ثم يصبح الذهن عاجزا عن التأمل والمشاهدة لأن اقوال المعرفة وفحواها المحبة، لا تدع الفكر يرحب للمعاينة الالهيه؛ قبل ان نستعيد الى المحبة حتى من سخط علينا اعتباطيا واذا اتفق انه لا يرضى بذلك، او تباعد ليتهرب منا، تحثنا المعرفة عندها على الستعانة بسمات وجهها فنسكب نفسنا سكبا سخيا لتتم هكذا شرعة المحبة في عمق القلب، اذ يتوجب، كما يقول الكتاب على الذين يبتغون معرفة الله ان ينظروا في داخلهم بروح خال من الغضب، الى وجه الذين يسخطون بلا داع متى فعلنا هذا فلن يتمكن الذهن فقط من التبصر دون تعثر في الالهيات، بل سيرتقي الى حب الله بجرأة كبيرة وكأنه محمول من الدرجة الثانية الى الاولى بدون عائق

في ضرورة الجهاد
93ـ يبدو طريق الفضيلة للذين لا يزالون في بداية شغفهم بالتقوى كثير المشقة والكراهية. لا لأنه هكذا بالفعل بل لأنن الطبيعة البشرية ترتع بالملذات منذ الحشا. اما الذين يقومون على اجتياز منتصفه فهو لهم منحدر كثير الراحة. فالعادات السيئة اذا ما اخضعت للعادات الصالحةبممارسة الصلاح تزول مع ذكر الملذات الفاسدة. فتغدو النفس تسلك كل دروب الفضائل بسرور لذا يقول الرب فيما هو يدخلنا الى طريق الخلاص انه " ضيق وكرب الطريق الذي يؤدي الى الملكوت وقليلون هم الذين يجدونه" ( متى 14:7). ام اللذين يرتضون التمسك بحفظ وصاياه المقدسة بعزم شديد فيقول" لأن نيري هين وحملي خفيف" (متى 30:1). ينبغي اذا في اوائل الجهاد ان نغصب انفسنا على حفظ وصايا الله المقدسة، حتى اذا ما شاهد سيدنا الصالح قصدنا واتعابنا هيأ لنا ارادة مستعدة كل الاستعداد لخدمة مشيئاته بابتهاج، فالرب هو الذي يهيء الارادة حينذاك فنغدو فاعلين الصلاح على الدوام بفرح كبير، اذ ذاك سوف نشعر حقيقة بأن الله هو " العامل فينا ان نريد وأن نعمل على حسب مرضاته" ( في 13:2)
94ـ ان لم يسخن الشمع او يدعك طويلا فلا يمكنه تقبل رسم الختم ، وهكذ الانسان فان لم تمنحه الاتعاب ولامراض فلا يستطيع احتواء ختم صلاح الله، لذا يقول الرب لبولس آلهي" تكفيك نعمتي لأن قوتي بالضعف تكمل". والرسول نفسه يمجد ذاته بقوله: " فبكل سرور افتخر بالحري بضعفاتي لكي تحل فيَّ قوة المسيح" ( ي كو 9:12)، ولكنه مكتوب ايضا في سفر الامثال" والذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل الذين يرتضيهم ابناء له ( امثال 12:3). هكذا يسمى الرسول هجمات اعداء الصليب ضعفات لأنهم كانوا يهاجمونه باستمرار هو وجميع قديسي ذلك الزمان لئلا يرتفعوا بفرط الاعلانات كما يقول هو ( 2 كو 7:12)، بل كانوا بالحرى يواظبون في مسعى الكمال هذا عل صون العظمة الالهية بقداسة بفضل انسحاقهم وسط اوهانهم الكثيرة، في حين اننا نسمي ضعفات الافكار الرديئة والاسقام الجسدية، لأنه لما كانت اجساد محاربي الخطيئة مطروحة للضرب القاتل ولتعاذيب اخرى مختلفة كانوا اعلى كثيرا من الاهوء التي اجتاحت الطبيعة البشرية بعد السقوط، اما الآن اذ يتكاثر سلام الكنائس بنعمة الرب ( انظر بطرس الاولى 2:1)، فيقتضي ان تمتحن اجساد ابطال التقوى بانحرافات صحية دائمة وان تمتحن نفوسهم بافكار سيئة، وبخاصة الذين تفعل فيهم المعرفة الالهية بشعور تام باليقين، حتى يبقوا بعيدين عن كل غرور وكل تشتت. ويستطيعوا بالتالي ان يتقبلوا في قلوبهم من تلقاء انسحاقهم الكبير، كما سبق ان قلت، رسم الجمال الالهي وفقا لقول النبي : " لقد ارتسم علينا نور وجهك يا رب " ( مز 7:4)، من هنا ينبغي ان نتحمل مشيئة الرب بشكر، واذ ذاك سيحسب لنا دوام الامراض وقتال الافكار الشيطانية بمثابة استشهاد ثان، ذلك ان الذي كان يقول يومها للشهداء القديسين بفم الحكام الكفرة: " انكروا المسيح واطلبوا كرامات هذه الحياة " يهاجم الآن ايضا خدام الله شخصيا بقوله لهم القول عينه دون انقطاع، ومن كان يعذب اجساد القديسين حينذاك ويوجه الى معلمي الكرامة اقصى الاهانات. بواسطة خدام تلك المقاصد الشيطانية، هو نفسه الآن ايضا يضيق على المعترفين بالايمان بتلك العذابات المتنوعة وسط التعييرات والشتائم، خاصة حين يهبون بقوة كبيرة ولمجد الرب مد يد العون للمعذبين التعساء. لذا علينا تأدية شهادة الضمير بثبات وصبر امام وجه الله ، فانه مكتوب "انتظرت الرب بصبر فاصغي الي" ( مز 1:39)