خامساً – التجسد والخلاص والنعمة المخلوقة:
بالطبع كان أوغسطينوس يؤمن بتجسد ابن الله (الشخص الثاني من الثالوث القدوس). ورغم أن أوغسطينوس استعمل تعابير المجامع المسكونية نفسها في هذا المجال إلا أن كلماته لم تحمل المعنى نفسه.
لم ينكر أوغسطينوس أن المسيح إله وإنسان معاً. لكنه كان متردداً جداً في القول إن الطبيعتين الإلهية والبشرية في المسيح كانتا متحدتين معاً بصورة وثيقة فائقة الوصف. كان يؤمن أن الله والنفس البشرية كانا غير ماديين بحسب رأيه (متأثراً بماضيه وخلفيته الوثنيين). لهذا قال أن الله انضم إلى النفس البشرية (في المسيح). بالنسبة له من الصعوبة تقبل أن الجسد يتحد بالنفس، لأن الجسد مادة والمادة تلوّث النفس وتدنسها. يقول:
"فكم بالأقل جداً، إذاً، يستطيع جسد أنثوي أن يلوّث كلمة الله – الذي هو غير جسدي وغير منظور – عندما اتخذ جسداً منها (من العذراء) مع نفس وروح... (إنه) لا يستطيع أن يتلوّث أبداً بجسد بشري، والذي به تبقى النفس البشرية غير ملوّثة، طالما تحكم وتُحيي الجسد؛.." (في الإيمان والرمز، 5، 10). المقصود هنا هو التالي: كما أن النفس البشرية المتحدة بالجسد لا تتلوّث به، هكذا أيضاً فإن كلمة الله المتجسد من العذراء لا يمكن أن يتلوّث بجسد بشري.
خلفيته الوثنية حتّمت عليه تلك النظرة الدونية للجسد مما أثر على فهمه للتجسد (وللخريستولوجيا بشكل عام) بصورة مخالفة لآباء الكنيسة. فالكنيسة الأرثوذكسية تؤمن (كما بيّنت المجامع المسكونية) أن المسيح أخذ من العذراء طبيعة بشرية كاملة (جسداً ونفساً وذهناً وعقلاً وإرادة..)، وبالتالي كان الجسد البشري في المسيح متحداً بالطبيعة الإلهية. أما هنا فما يقصده أوغسطينوس هو أنه لا توجد صلة مباشرة بين طبيعتي المسيح. وبالطبع، إن كانت طبيعة المسيح البشرية لا تقودنا إلى طبيعته الإلهية فلا يوجد خلاص لنا أو تأله. حاول أوغسطينوس أن يتجاوز هذه الصعوبة بالقول إن اتحاد الناسوت باللاهوت في المسيح كان نتيجة نعمة مخلوقة. لكننا نعلم أن النعمة المخلوقة لا تستطيع أن توحد بين طبيعتي المسيح، وأنه لا يوجد خلاص أو تاله بنعمة مخلوقة، لأن الخلاص يتطلب نعمة غير مخلوقة لنشارك في الطبيعة الإلهية (2 بطرس 1: 4).
مفهوم أوغسطينوس للنعمة المخلوقة حتّم عليه فهماً خاصاً للخلاص يعتمد على "الكفارة" بمعنى الفدية. فبالنسبة له مات المسيح على الصليب من أجل الذنب الذي ورثناه كلنا من آدم. في هذا أخطأ. فالآباء يعلّمون أن آدم وحده مسؤول عن الذنب الذي ارتكبه، أما نحن فقد ورثنا نتائج الخطية بما فيها الموت. المسيح أباد الموت فينا وأعاد لنا عدم الموت كما يقول القديس باولينوس الرحيم (الرسالة 12، 6).
ثانياً نكرانه الوحدة الداخلية بين طبيعتي المسيح يعني أنه لا توجد وسيلة للسيد للتغلب فيها على الموت والشيطان، لأن اتحاد الطبيعتين في شخص المسيح الإلهي الواحد هو أساس خلاصنا وسره.
ثالثاً: مفهوم أوغسطينوس للنعمة المخلوقة يفسد الغاية الكاملة من "الفداء". فالصليب والقيامة يفتحان الباب للحياة مع الله: "الآلهة" تسكن مع الله، أو يصير الإنسان إلهاً بالنعمة. أعمال الفداء هذه تُطلق النعمة غير المخلوقة التي تجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية. أما إذا كانت النعمة مخلوقة، فهذا يعني أن موت المسيح على الصليب وقيامته أمران غير مهمين. فما هو مخلوق لا يستطيع رفعنا إلى مرتبة غير المخلوق كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس.
الله يعمل من خلال نعمته غير المخلوقة التي تصدر عن جوهره. التعاضد الإلهي البشري بين النعمة الإلهية والإرادة البشرية هو أساسي لخلاص الإنسان. إن رفض الإنسان هذه النعمة، تغادره النعمة عندئذ بدون إكراه. هذه النعمة الإلهية غير مخلوقة وإلا لا يمكن للإنسان أن يتقدس ويتأله بشيء مخلوق. يقول القديس بالاماس لبرلعامَ (الأوغسطيني): "كيف تشارك في الطبيعة الإلهية إن كانت النعمة شيئاً ما غير امتدادٍ لها (للطبيعة)"؟
يتبع....

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات