رابعاً – الخطيئة الأصلية:


علّم أوغسطين أن خطيئة آدم الأصلية قد نشّطت كل رغباته غير المشروعة. يقول إن الخطيئة الأصلية "قد انتقلت إلى كل البشر بواسطة زرع الإنسان بتكاثر الجسد، ولا يخلص إلا الذين بواسطة المسيح قد تجددوا ثانية في نفوسهم من دنس الجسد داخلاً". ويقول أيضاً:

"قيّد آدم ذريته أيضاً بعقوبة اللعنة، الذرية مقيّدة بالخطيئة التي بها أفسد نفسه.. بحيث أن ذريته، المولودة بواسطة الشهوة الجسدية، قد نالت الثأر المناسب لعصيانه.. كان الجنس البشري مُثقلاً بالخطيئة الأصلية عبر العصور، مُثقلاً بالأخطاء والأحزان الكثيرة حتى العذاب الأخير وغير المنتهي مع الملائكة المتمردة".

ويقول أيضاً: "بسبب إنسان واحد دخل جميع المولودين من آدم تحت الدينونة، ما لم يولدوا ثانية في المسيح، كما عيّن الله أن يجددهم (ثانية) قبل أن يموتوا في الجسد. لأنه قضى للبعض سلفاً الحياة الأبدية كأرحم مانح للنعمة؛ أما لهؤلاء الذين قضى لهم الموت الأبدي فإنه مانح العقوبة الأكثر برّاً. إنهم لا يُعاقبون بناء على الخطايا التي يضيفونها بتساهل مشيئتهم فقط، بل بناء على الخطيئة الأصلية، حتى ولو لم يُضيفوا شيئاً على تلك الخطيئة الأصلية، كما في حالة الرضّع. الآن هذه هي وجهة نظري المحددة في هذه المسألة، بحيث أن أمور الله الخفية تحفظ سرهم، بدون إضعاف إيماني.

ويقول أيضاً: "حتى ولو لم يكن في الناس أي شيء سوى الخطيئة الأصلية، فإنها كافية لإدانتهم".

بالنسبة لأوغسطينوس، ما لم يوجد تبدّل في موقف الله الغاضب تجاه البشر، والذي فيه تُمسك النعمة والمغفرة عن البشر، فإنه لا يمكن أن يوجد تبدل في حالة الإنسان. البشرية مُذنبة ومحرومة من النعمة بسبب قرار إلهي عقابي. المسيح أتى ليُبطل غضب الله المبرر بحيث تفيض النعمة والإحسان ثانية. يؤمن أوغسطينوس أن الله، في غضبه وانتقامه، قد سن بعدل الموت على آدم وجميع البشر الذين كانوا واقعين تحت هذا الغضب بسبب الخطيئة الأصلية. كل واحد يحمل الذنب الذي ورثه بالولادة، "وهو في قيود الذنب الموروث". والجميع "خاضعون بعدل للرباط الذي يربطهم به الشيطان".

الكنيسة الأرثوذكسية بالطبع لا تؤمن بهذا. فالله لم يخلق الموت ولم يفرضه على الإنسان بعيد السقوط. الموت كان نتيجة السقوط. خطيئة آدم وحواء (أو ذنبهما) لا تنتقل إلى ذريتهما بل ما ينتقل هو نتاج السقوط (الأقمصة الجلدية). والله لا يغضب ولا يطلب فدية عن خطايانا. والله لم يسبق فعين سلفاً للخلاص والبعض للهلاك. يقول القديس بالاماس: "يجب أن نفهم من كلماته أن الله لم يخلق الموت (الحكمة 1: 13)، سواء أكان موت الجسد أم موت النفس. لأنه عندما أعطى الوصية لم يقل: "يوم تأكل منا متْ"، بل قال: "لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت" (تك 2: 17). ولم يقل فيما بعد: "ارجع الأن إلى الأرض"، بل: "حتى تعود" (تك 3: 19)، مُخبراً سلفاً بهذه الطريقة ماذا سيحدث".

يقول القديس أمبروسيوس: "إثمنا شيء والشيء الآخر هو عَقِبنا حيث جُرح آدم بناب الحية، جرحاً وُرِّث إلى كل ذرية آدم، جرحاً بسببه نعرج كلنا.. إثم عَقِبي هذا يطوّقني، لكن هذا إثم آدم لا إثمي". إن حرية الإنسان مقيدة بفساده، الذي حيك في نسيج الطبيعة البشرية، لكن هذه الحرية لم تُمح تماماً بل صارت مشلولة، مريضة، واهنة.

القديس كيرللس الإسكندري يتكلم عن الموت والفساد الموروثين وليس عن الذنب الموروث، كما علّم أوغسطينوس فيقول: "بما أن آدم أنجب أولاداً في حالته الساقطة، فإننا، ذريته، فاسدون، لأننا نأتي من أصل فاسد. إن لعنة المواتية قد انتقلت إلى ذريته من بعده، لأننا مولودون من مادة مائتة. إن ربنا يسوع المسيح هو بداية جديدة لجنسنا، إذ يُعيد تشكيلنا إلى عدم الفساد بمهاجمة الموت، وإبطال اللعنة بواسطة جسده. الفساد والموت هما النتائج الشاملة والعامة لتعديات آدم. بطريقة مماثلة، إن الفدية الشاملة والعامة قد تّمت أخيراً في المسيح. الجميع قد تحرروا بالمسيح من العقاب الأولي، عقاب الموت. لهذا السبب يؤكد بولس الكلي الحكمة: "قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يُخطئوا على شبه تعدي آدم" (رو 5: 14). إذاً ملك الموت تحت الناموس، لكن مع مجيء المسيح أتى بر النعمة التي بها تطهرت أجسادنا من الفساد. إن محو الخطيئة ونتائجها ليس عملاً حقوقياً، بل كان نتيجة النعمة التي وهبنا إياها المسيح مجاناً والتي بها وُلدنا ثانية وتجددت الطبيعة البشرية المريضة واتحدت اتحاداً عضوياً حقيقياً بالله.

هكذا إن تجسد المسيح الكلمة قد محا ليس فقط خطيئة آدم التي سببت موتنا، بل محا أيضاً كل النتائج الناجمة منها. آدم أخطأ فصار خاضعاً للموت فمات. نحن نولد تحت سلطان الموت وخاضعين لحالة المواتية، فنُخطىء. حالة الخطيئة التي نعيش فيها هي مظهر وفرع لطبيعتنا المائتة. لا شيء يكشف مواتيتنا وحالتنا الخاطئة أكثر من أهوائنا الكثيرة. الدمشقي يقول إنه من أيام آدم إلى المسيح كان النسل البشري "خاضعاً للهوى بدلاً من اللاهوى، والموت بدلاً من عدم الموت" (الإيمان الأرثوذكسي: الكتاب الثاني: 30).

إن المنطق المتولد من عقيدة الخطيئة الأصلية يميل إلى الازدراء بتجسد المسيح الذي أخذ جسداً من أمه التي هي نفسها مولودة من زرع إنسان. ينقل لنا القديس غريغوريوس النصيصي صلاة القديسة مكرينا القائلة: "لقد استعدتَ ما أعطيتَ، محولاً بعدم الفساد والنعمة ما هو مائت ومخزي فينا. لقد افتديتنا من اللعنة والخطيئة، إذ صرت كلاهما من أجلنا. لقد سحقت رأس الحية.. وأبطلت الذي له سلطان بواسطة الموت". بولس الرسول يقول: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطيّة خطيّةً لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه" (2 كور 5: 21).

يتبع....