سادساً – القضاء والقدر والنعمة التي لا تُقاوم:


كان أوغسطينوس يؤمن بالقدرية إذ كان يعلّم أن الله قضى لبعض الناس الهلاك حيث لا يُسمح لإرادتهم بالعودة إليه، وقضى للبعض الآخر الخلاص حيث لا يُسمح لإرادة هؤلاء الارتداد عنه. بالنسبة لأوغسطينوس إن اختيار الذين قضاؤهم الملكوت هو اختيار مجاني وإرادة الله السيادية هنا هي إلزامية وأساسية بالنسبة للفضائل والأعمال الصالحة التي يراها سلفاً. يقول: "إني أتكلم هكذا عن الذين قُضي لهم ملكوت الله، والذين عددهم مؤكد جداً بحيث لا يمكن لأحد أن يُضاف أو يُنقض منهم...، بينما الذين لا ينتمون لهذا العدد المبارك والمؤكد فإنهم يُدانون بحق بحسب استحقاقاتهم، لأنهم قابعون تحت الخطية التي ورثوها بالولادة الأصلية وبالتالي يرحلون من هنا بدَيْنٍ موروث".

ورغم أن أوغسطينوس يعتبر نفسه مؤمناً بالمشيئة الحرة إلا أن إيمانه بالقضاء والقدر يطعن في المشيئة الحرة في الصميم. إذ يقول إن القدر بالحياة الأبدية هو من نعمة الله الحرة تماماً، ويسأل: ".. مَن يكون بالغ الحماقة والتجديف بحيث يقول إن الله لا يستطيع أن يغيّر الإرادات الشريرة للناس، أيّها أراد وكلما أراد وحيثما أراد، ويوجهها نحو ما هو صالح؟" وإن اختار الإنسان الصلاح فهذا بسبب نعمة طاغية لا يمكن مقاومتها. أوغسطينوس يحاول تفسير كلمات بولس الرسول القائل: "فإذاً ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل الله الذي يرحم" (رو 9: 16) قائلاً إن الرسول: ليس لمن يشاء أو يسعى بل لرحمة الله يعني "بالضبط أن الحدثية بأكملها هي رصيد الله، الذي يهيأ المشيئة ويساعد المشيئة الجاهزة".

لكن نظرية أوغسطينوس هذه تُزيح الإرادة البشرية من حدثية الخلاص وتجعل دورها ثانوياً إن كان موجوداً. وتعني أن الخلاص هو عمل الله بدون شركة الإرادة البشرية الحرة فيه، وتعني أننا لا نملك دوراً فيه. يقدم أوغسطينوس مثالاً عن توأم اسحق ورفقة قائلاً: إن التوأم (يعقوب وعيسو) كانا ولدي الغضب، لا بناء على أية أعمال عملاها، بل لأنهما كانا مقيدين بقيود تلك الدينونة الأصلية التي أتت عبر آدم. لكن الذي قال: إني أرحم من أرحم قد أحب يعقوب وبغض عيسو.

ويقول أوغسطينوس أيضاً: "إن الله سبق وعرف المؤمنين؛ لكنه اختارهم ليكونوا هكذا، ليس بسبب أنهم كانوا سلفاً هكذا.. إنه لم يسبق فرأى أننا أنفسنا سنكون قديسين ويدون عيب، لكنه اختار وقضى لنا أن نكون على هذا النحو". لم يغيّر أوغسطينوس من رأيه هذا حتى موته، بل استمر في قناعته أن المختارين لا يستطيعون أن يسقطوا بل يكونوا محفوظين لا بقوتهم الشخصية بل بنعمة إلهية لا تُقاوم. يقول: "إن عطية الله تُعطى لهم... حتى لا يسقطوا في التجربة". وأيضاً: "لا يفشل قديسٌ في الاحتفاظ بالقداسة حتى النهاية". بالنسبة لأوغسطينوس "إن الله، إذاً، هو الذي يجعل إنساناً مثابراً في الصلاح، هو الذي يجعله صالحاً؛ أما الذين يسقطون ويهلكون فلم يكونوا أبداً في عداد المقضيين" أي في عداد الذين قضى الله أن يكون مصيرهم الملكوت.

افترض أوغسطينوس أن كل المسيحيين يملكون "نعمة كافية" بها تُستعاد الحرية. كل المسيحيين ينالون نعمة للتعاون مع الله، ولاختيار الصلاح أو الطلاح. مع ذلك، فقط أعضاء الكنيسة المختارين هم الذين سيخلصون بحسب قرار الله الأبدي والخفي. هكذا بحسب أوغسطينوس إن نعمة المشاركة هذه لا تكفي ليتم إحصاء المسيحي في عداد المختارين. قال أوغسطينوس إن كل نعمة هي "سابقة" (أو توقعية) أو "نعمة مُشاركة". لكنها نعمة غير كافية للاختيار. كان أوغسطينوس أول من قسّم المسيحيين إلى مؤمنين يملكون "نعمة كافية" مشتركة بين كل المسيحيين، ومسيحيين (مختارين) قضاؤهم (مصيرهم) المجد وبالتالي مُنحوا "نعمة فاعلة" أكثر بركة قد فُرضت عليهم. وقال إن "نعمة المثابرة" – أي النعمة الفاعلة التي لا تُقاوم – هي نعمة الخلاص.

أيضاً لا يمكن لأحد أن يخلص ما لم يكن الله قد "قدّم مساعدة ليسد نقص المشيئة البشرية، بحيث تتحرك بالنعمة الإلهية بدون تغيير وبطريقة لا تُقهر.. حتى لو كانت مشيئة المختارين ضعيفة وغير قادرة على الخير، إلا أن الله يحول دون ارتدادهم". أوغسطينوس يخالف القديس كبريانوس عندما قارن كبريانوس الكنيسة بفلك نوح. يقول أوغسطينوس إن "قلّة فقط قد خلصوا بالإيمان، بإيمانٍ كانوا يملكونه بفضل قَدرهم بالمجد".

إن فكرة أن قلة ستخلص بفضل نعمة مفروضة عليهم هي فكرة غير أرثوذكسية. ماذا عن المساكين خارج لائحة المختارين؟ يجيب أوغسطينوس: "لقد صُنعوا آنية للغضب، ووُلدوا لمنفعة المخلّصين... الله يعرف أي خير يمكن أن يُصنع منهم... مع ذلك، إنه لا يقود أي واحد منهم إلى التوبة الروحية المفيدة والتي بها يتصالح الإنسان مع الله المسيح". أوغسطينوس يرى أن المسيحيين المختارين الذي قدرهم الملكوت السماوي لن ينفوا ولن يموتوا عندما تتغيّر حياتهم من الخير إلى الشر، لأن قدرهم الحياة الأبدية.

بالطبع هذه الأفكار الأوغسطينية هي أفكار مرفوضة أرثوذكسياً لأنها تخالف الكتاب المقدس والتقليد الآبائي الأرثوذكسي. بدون التعاضد بين النعمة الإلهية والإرادة البشرية لا يوجد خلاص. الله في المسيح يسوع صنع كل ما نحتاجه للخلاص ولحياة أبدية. يبقى أن نفتح قلوبنا للنعمة الإلهية ونعمل معها حتى موتنا لنتمم هذا الخلاص. هذا ما نسميه في التقليد الأرثوذكسي بالتعاضد. لاهوت أوغسطينوس يخالف هذا التعاضد. المجال هنا لا يتسع للرد عليه، لكننا نذكر ما يقوله القديس مكاريوس الكبير من أن الإنسان حر في جعل نفسه "آنية للشيطان" أو "آنية للاختيار والحياة". والذهبي الفم يقول إن الدعوة السماوية وحدها غير كافية للخلاص. والقديس يوحنا الدمشقي في الإيمان الأرثوذكسي 2: 30 يقول: " اعلمْ أن الله يسبق ويعلم كل شيء وأنه لا يسبق ويحدد كل شيء. فهو يستبق ويعرف ما هو في استطاعتنا ولكنه لا يسبق ويحدده. فهو لا يشاء حدوث الشر ولا يقتسر الفضيلة. حتى إن سابق التحديد يكون تلبية أمر سبق الله وعرفه. وإنه تعالى يسبق ويحدد الأمور التي ليست في استطاعتنا. فإن الله، نظراً لمعرفته السابقة، يحدد للحال كل شيء بحسب صلاحه وعدله".

يتبع....