ثانيا : رؤية الله :

الرؤيه هنا ليست رؤية العين الجسديه بشئ منظور ولكنها رؤية المعرفه حيث الرؤيا تكون بكل طاقات المعرفه واعماقها " بالعقل والقلب والروح وكل المشاعر " . والانسان مدعو الى رؤية الله بمعنى ان يتعرف عليه بأقصى ما يمكن من امكانياته ولكن رؤية الله لا تعنى الإحاطه به . فالانسان مدعو لرؤية الله على قدر اتساع مدركات نفسه وليس على قدر إتساع الله ولكن ليس معنى هذا أن الله يدرك جزئيا لانه ليس فيه جزء أو كل ولكن ضعف ادراك الانسان وغشاوة ظلمه الخطيه التى اضعفت جدا من وضوح الرؤيا الداخليه جعلت الانسان لا يرى الله كما فى بساطته الكامله . فالانسان يتعرف على الله بقدر طهارته وحبه وطاعته وإتضاعه ، وكلما نما الانسان فى هذه الصفات إتسع مجال رؤيته لله . وطالنا نحن غير كاملين فى القداسه فلن نرى الله على حقيقته كما هو . وظهور الله ليس معناه رؤية شكله بالعين الجسديه ولكن رؤية صفاته واعماله وفهم حكمته ومعرفة محبته الفائقه المعرفه . وهناك فرصتان : -( فرصة بقاء طبيعتنا تحمل شيئا من عدم الفساد – فرصة وجود إمكانيه متبقيه فى صميم كياننا يمكن ان نغلب بها عوامل الفساد ) .

تفتحان امامنا مجال الايمان بالله الذى هو نوع من رؤية الله ولكنها غير واضحه ومهما بلغ الايمان فإنه يكون غير كامل .

وهنا يتبادر سؤال : هل يستحيل على الانسان رؤية الله رؤيه واضحه فى هذا الدهر ؟
وهذا يتوقف على هل يمكن للانسان الآن ان يبلغ الى حالة قداسه كامله ؟ والاجابه نعم ، لان هذا هو جوهر الحياه المسيحيه بالدرجه الاولى . وبسر الايمان بالمسيح وعمل الروح القدس المنسكب على طبيعتنا ننال تقديسا نؤهل به لرؤية الله . ولكن لان التقديس والاغتسال والتبرير التى هى عوامل الرؤيا الاساسيه قد ارتبطت بالايمان والايمان ينقص ويزيد وينمو ، فالانسان بقدر نموه فى الايمان بالله ينمو فى رؤيته له . ولكن هل يمكن للانسان أن يصل الى درجه كامله فى الايمان تقوده الى القداسه الكامله ؟
الاجابه من الوجهه النظريه : ممكن ، ولكن من الوجهه العمليه : مستحيل بسبب تدخل الحواس والعقل الذى يفسد المعرفه ويلغيها بالشك . ولكن هل من جهة الله يستحيل عليه ان يظهر ذاته للانسان ؟
بالطبع : لا ، فالله قادر على كل شئ وبذلك يصبح هنا فى هذا الدهر طريق جديده للرؤيه الواضحه بإستعلان الله له حسب مشيئة الله المطلقه على حسب كثرة رحمته ومحبته وبهذا نستطيع ان نميز بين رؤية الله ( الايمان ورؤية الصفات الالهيه) ، وظهور الله ( بالاستعلان الالهى ) . وهناك اراء لثلاثه من الاباء الذين كانوا متمسكين بالتعليم الابائى والتقليد والانجيل تمسكا لا انحراف فيه .
ثاؤفيلس الانطاكى :
يثبت من صميم الانجيل ان الله ولو انه غير مدرك الان فى ذاته مباشره الا انه يمكن ان يدرك من افعاله بالايمان وبتدرج قد يصل الى الادراك المباشر . وكذلك الاب فالبرغم من انه محتجب تماما عن كل عقل وعين الا انه ظاهر فى ابنه وبروحه القدوس بمعنى ان اعمال وصفات المسيح تكشف عن حقيقة الاب .

القديس ايرنيئوس
:
ويحدد ثلاثه انواع من الرؤيه :
بواسطة الهام الروح القدس وهى رؤيه نبويه يستعلن فيها شبه مجد الله .
رؤيه بنويه : بواسطه يسوع المسيح وهى للمختارين .
رؤية الاب: وهى رؤية الوجه للوجه لحياة الملكوت . والرؤيه البنويه تمهد للرؤيه البنويه ورؤيه الله . ورؤيه الله عند القديس ايرنيئوس هى استعلان من لدن الله يكمله الله حسب مشيئته هو .

كيرلس الاسكندرى
:

لا يضع الاتحاد بالله نتيجه لجهادات نسكيه وتطهيرات وتأملات فالاتحاد بالله قد تم وأكمل فينا بالتجسد والروح القدس الذى يعطيه الله . والروح القدس هو ينبوع المعرفه الروحانيه واساسها . وبذلك فإن المعرفه الكامله لله اى الرؤيه ليست هدفا نهائيا لحياتنا نسعى اليه بل هو جزء من حياة الشركه التى نعيشها فى صميم الطبيعه الالهيه بالايمان . اما نمونا فى الادراك الكامل لله فهو مرتبط بحياتنا السرائريه . ويستحيل ان نحصل على رؤيه واضحه كامله لله بدون توسط المسيح والرؤيه هى استعلان مجد طبيعة الآب . اما مجد المسيح فيشرق فى العقل كمعرفه جديده لرؤيه تسمى البصيره الالهيه .

أقوال الاباء فى رؤية الله
:
+ ما هية رؤية الله :
يضع الانبا انطونيوس اسس اختبار النظره الروحانيه ورؤية الله مرتبه بوضوح :
اولا: للتقدم لرؤية الله ينبغى التخلص من جميع الشهوات والخطايا وآثارها .
ثانيا : يجب ان يمارس الانسان انواع الفضائل التى توصلنا الى درجة النسك .
ثالثا: الاشتياق نحو الله ومحبة الحق .
رابعا: بنظر الحق الذى هو الله نصير احرارا من عبودية الخطيه وننتقل الى درجة اولاد الله الذين لا يخطئون . كذلك شرح الانبا انطونيوس ان هبة رؤية الله قد ترفع اذا عصى الانسان أوامر الله .

+ التعطش نحو المطلق
:
الملائكه ترى الله وفى نفس الوقت يشتاقون اليه فهم على الدوام يشتاقون وعلى الدوام ينظرون وهكذا سوف نكون نحن عليه فى الابديه .

+ البحث عن المطلق
:
يقول القديس اغسطينوس : " انى ابحث عن الله لا لكى أؤمن به فقط ولكن لكى ارى شيئا منه "

+ انواع الرؤيا
:
الرؤيا الواضحه :
يقول القديس اغسطينوس : " توجد حياه اخرى ليس فيها موت وليس فيها مرض هناك سوف نرى وجها لوجه ما نراه هنا فى مرآه فى لغز ، ولكن يمكن ايضا أن نصل الى ذلك هنا إذا تقدمنا كثيرا فى تأمل الحق "
الرؤيا غير الواضحه :
يقول القديس غريغوريوس الكبير : " فى ( حز 1 : 28 ) لم يقل حزقيال انه منظر المجد ولكن " شبه مجد " حتى يظهر انه مهما جاهد العقل ومهما ضبط نفسه من كل تخيل المناظر والصور الجسديه وأخلى قلبه من الاهتمامات الزائله . يبقى على الرغم من ذلك غير قادر على رؤية مجد الله كما هو . طالما يسكن فى الجسد القابل للفساد . فكلما يصادف العقل من اشراق انما يكون بالشبه فقط وليس ذات الجوهر.

الرؤيه المحدوده بصوره او شبه :
يقول القديس غريغوريوس الكبير : " لذلك فإن الله لم يره أحد قط . وايوب يقول ان الحكمه-التى هى الله – مخفيه عن اعين جميع الاحياء . وإنما للاحياء فى هذا العالم بواسطة العقل المطلق فى صوره وتشبيه من جوهره ولكن لا يستطاع أن يرى كما هو فى نور الابديه غير المدرك "