بالنسبة لبعض الظروف الخاصة، والتي تؤدي إلى تشكل حالات الشذوذ الجنسي، فهي لا تختلف، بعامة، عن الظروف التي تؤدي إلى تشكل العبودية لخطايا غير المثليين. فكثيراً ما يولد ذكور أو إناث وعندهم بالوراثة شبقٌ قوي نحو الجنس الآخر، أو تتعرض فتيات صغيرات أو صبيان في بداية مراهقتهم لتجارب مُغرية من الجنس الآخر تجعلهم يستلذونها ويتعودون عليها، ومن ثم يصبحون أسرى لخطايا الزنى أو الفسق أو الدعارة وما شابه. فهل ترفع أمثال هذه الظروف مسؤولية العبودية لخطايا من هذا النوع، وتبطل حاجة من تعرضوا لها للتوبة عنها؟ ولماذا توجد في مجتمعنا الحديث مصحات لمساعدة الأحداث الجانحين، أو الذين تعودوا على المخدرات والسكر، ولا توجد مصحات لمساعدة الذين استُعبدوا للخطايا الجنسية، ولا سيما الشذوذ الجنسي؟ ولماذا يُعتبر هذا الاستعباد الأخير وحده غير قابل للمعالجة، ويجب القبول به والتعاطي معه، وكأنه قدرٌ محتوم لا نجاة منه؟
إلى ذلك، يجب ألا يغرب عن الذهن أن ليست الخطايا الجسدية وحدها تستعبد الإنسان، بل ثمة خطايا أخرى قد تكون أخطر بكثير، مثل الكبرياء والأنانية والطمع والخبث والمراءاة والحقد والحسد... الخ. وكل هذه الخطايا استعَبدت الإنسان تطرحه خارج ملكوت السموات. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أنه بعد دخول الخطيئة إلى العالم، "الكلُ قد زاغوا وأعوزهم مجد الله" (رو 3: 23)، وأنه "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نُضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم". هذا معناه أن جميع أبناء البشر، دون استثناء، هم مرضى بمرض الخطيئة وهم بحاجة إلى شفاء. ولهذا أتى الطبيب السماوي لا "ليدعوا أبراراً بل خطأة إلى التوبة" (مت 9: 13). ولُيعلن أن "توبوا فقد اقترب ملكوت السموات" (مت 4: 17). فالله مستعد أن يغفر للجميع خطاياهم مهما عظمت في أي وقت يتوبون عنها، ويعترفون بها، فيُطهرهم من كل إثم بدم يسوع المسيح ابنه. وما قبول يسوع خطاة وأكله معهم، وإعطاؤه الأمثلة عن الفرح في السماء بالخطأة الذين يتوبون (لو 15: 1)، إلا ليحث الجميع على التوبة المؤدية إلى الخلاص والملكوت السماوي. فالخطيئة الوحيدة التي لا تُغتفر – بحسب الآباء – هي التي بلا توبة.
باختصار، إن الله الحزين بروحه القدوس، وليس الغاضب، يدعو الذين اسُتعبدوا لخطيئة الشذوذ الجنسي أن يتوبوا عنها. فيُنبههم بلسان رسوله بولس: " لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ. وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا." (1كو 6: 9). فكثيرون من الوثنيين كانوا يعيشون تلك الخطيئة التي ذكرها بولس، لكنهم عندما آمنوا بيسوع تابوا عنها، فاغتسلوا بل تقدسوا بل تبرّروا باسم الرب يسوع وبروح إلهنا. وكثيرون من المسيحيين، على مدى أجيال حياة الكنيسة في التاريخ، كانوا بعيدين عن يسوع وكانوا يعيشون تلك الخطيئة التي كان يعيشها الوثنيون، لكنهم أيضاً حين تابوا عنها، بعد أن تعرفوا من جديد على يسوع، تحرروا منها، لا بل صاروا قديسين.
فالنعمة الإلهية التي أعطيت للمؤمنين بيسوع في المعمودية، ولا زالت تُعطى لهم بخاصة عبر المناولة المقدسة، قادرة أن تحرر المستعبدين لخطيئة المثلية، إن تابوا عنها وأرادوا فعلاً أن يتحرروا منها. المهم أن يُنموا في نفوسهم كرهاً لا حدود له تجاه هذه الخطيئة التي تُذلهم وتستعبدهم، وأن لا ينظروا إليها وكأنها حُكم أبدي نهائي لا يمكن تجنبه، فيتعللوا بعلل الخطايا كي يبقوا في أسر إغراءاتها المخُادعة. إنها بالتأكيد ليست من صُلب طبيعتهم الخاصة، لأن الله لا يمكن أن يخلق إلا كل ما هو نقي وطاهر وحسن. هي مجرد خطيئة طُفيلية طارئة عششت في نفوسهم وتمكنت، لأنهم قبلوها بإرادتهم. والآن، ما عليهم إلا أن يلتزموا بوصايا السيد، فينفضوا عنهم شباكها ويحطموا أغلالها، متجنبين كل الظروف والأجواء التي تُعثرهم وتذكرهم بها، وتُبقيهم في عبوديتها: "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ." (مت 5: 29). ولكن الأهم الأهم أن يبقوا في الصلاة على اتصال كياني مع السيد نفسه، فيلتصقوا به التصاق الغصن بالكرمة: " اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا." (يو 15: 4).
وبعد، هل يستطيع من بقي مُخلعاً سنوات طويلة أن يبرأ؟ الصانع العجائب وحده يسأله: " أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟" (يو 5: 6)، ثم يضيف: " إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ. كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر 9: 23).
المرجع: (الأب د. جورج عطية)، عدنان طرابلسي، أسئلة في الحياة والأخلاق المسيحية، سألتني فأجبتك (الجزء الثاني)، (عمشيت: دكاش برينتنغ هاوس) ص ص 67- 68
صلواتك

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر



رد مع اقتباس
المفضلات