المطهر:
هذا الموضوع من إفرازات اللاهوت السكولاستيكي. حيث في المنشور العقائدي الذي اسمه "بنديكتوس ديوس" سنة 1336م، البابا بنديكتوس الثاني عشر يقول: "إن نفوس الأبرار الطاهرة تماماً تذهب إلى السماء فوراً بعد موتها وذلك قبل قيامة الجسد والدينونة العامة، وإنها تتمتع برؤية الذات الإلهية مباشرة، وتنعم حقاً بالسعادة بينما النفوس التي هي في حالة الخطيئة المميتة تذهب حالاً بعد موتها إلى الجحيم حيث تقاسي عذاباً أبدياً"". في مجمع تريدوندت يقولون: "إن الذين يخرجون من هذه الحياة هم نادمون حقيقة وفي محبة الله، ولكن قبل أن يكفروا عن خطاياهم في أعمال التوبة كاملة، تتطهر نفسهم بعد الموت بعقوبات مُطهرة". وفي مجمع ليون ومجمع فلورنسا يقولون: "إن التائبين الذين ماتوا بعد أن غفرت خطاياهم يجب عليهم أن يؤدوا في الحياة الأخرى ما تبقى عليهم من التعريض المفروض".
هم تائبون، يحيون لله، غفرت خطاياهم، ولكن بعد موتهم يجب أن يقدموا عنها التكفير والتعويض المفروض. هل هذا العمل موافق للإنجيل؟
ما هو التكفير: (ما هي عقوبة المطهر تحديداً)؟ في المطهر يميزوا بين عقوبة الخسران وعقوبة الحس، الخسران هي الحرمان المؤقت من الرؤية الطوباوية (الذات الإلهية). أما عقوبة الحس، هي عذاب الحواس، هي نار فيزيقية بحسب الآباء اللاتين وعلما المدرسة السكولاستيكيين. الله يعذبهم رغم توبتهم.
إلى متى يدوم المطهر: من بعد موت الإنسان إلى يوم الدينونة العامة المطهر موجود، كل واحد عنده فترة خاصة ليكفر فيها عن خطاياه، ولا سبيل إلى معرفة المدة، لأن كل نفس حسب خطاياه. مجمع تريدنت يقول: "في المطهر النفوس السجينة تُغاث بإسعافات المؤمنين ولا سيما ذبيحة المذبح الطاهرة، والصلوات والصدقات وسائر أعمال التقوى التي درج المؤمنون على تقديمها بعضهم لأجل بعض وفقاً لقوانين الكنيسة".
هل موضوع المطهر يتفق مع الكتاب المقدس والإيمان المسيحي الذي سلمنا إياه الرب؟ المعذبون في المطهر، ليسوا الأبرار ولا الأشرار، بل هم النادمون ولكن لم يكفروا عن خطاياهم. لكن لماذا قدم الرب ذبيحته؟ ألم يقدم ذبيحته كفارة عن خطايانا. هذا الموضوع واضح تماماً عند سائر الرسل، والرب نفسه قال: "لم يأتي ابن الإنسان ليُخدم بل ليخدم" (متى 20: 28). إن أخطأ احد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار، هو كفارةّ لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً" (1يو 2: 1-2). "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم" (1يو 1: 9). "متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإهمال الله" (رو 3: 24-25). "ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه ليسوع المسيح وأعطانا خدمة المصالحة" (2 كو 5: 18). كل هذه الآيات تؤكد أن الرب يسوع هو كفارة عن خطايانا، ونحن مطلوب منَّا التوبة فقط.
الرب يسوع تكلم عن الابن الشاطر، وكيف يفرح عندما يعود. "يا أبت أخطأت إلى السماء وأمامك وليس مستحقاً أن أدعى لك أبناً فاجعلني كأحد أجرائك" (لو 15: 11-32). بحسب المفهوم الكاثوليكي، عليه أن يكفر عن خطاياه حتى ولو تاب، ويعوض عن الأموال والسنين التي اهدرها. هو قبله بفرح، أعطاه الحلة الأولى، الخاتم، ذبح له العجل المسمن، لم يعاتبه قط.
رسالة المحبة التي صارت بعد القيامة، "هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث، وأن يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدأ من أورشليم" (لو 24: 46-47). الكرازة باسم يسوع هي التوبة ومغفرة الخطايا، هو على الصليب حل خطايانا وكفر عنها.
كيف يمكننا أن نحصل على ملكوت السماوات بالتوبة ونحن خاطئين جداً؟: بناء على توبتنا فقط، لأن الرب حمل خطايانا، هم لا يفترضون أنهم سينالون غفران خطاياهم يفترضون وجود مكان (نار) لعقاب التائبين، وليس لعقاب الأشرار. وهم يستندون إلى بعض الآيات الكتابية لتأكيد أن المطهر يسلمك الخصم إلى القاضي ويسلك القاضي إلى الشرطي فتلقى في السجن. الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الأخير" (متى 5: 25-26). "ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي" (متى 12: 32). "وأما ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيضرب كثيراً، ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات يضرب قليلاً" (لو 12: 47-48).
وأهم هذه الآيات "ولكن إن كان أحد يبني على هذا الأساس ذهباً فضة حجارة كريمة خشباً عشباً قشاً، فعمل كل واحد سيصير ظاهراً لأن اليوم سيبينه، لأنه بنار يستعلن وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو، إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فيأخذ أجرة، إن احترق عمل أحد فيسخسر وأما هو فسيخلص ولكن كما بنار" (1كو 3: 12-15)، ولكن هذا يتلكم عن أشخاص مكلفين بالبشارة، هناك أساس هو الرب يسوع، وكل واحد يبني على هذا الأساس، إما بفضة وحجارة أو بقش لأنه يفرض وجود نار. المسيحي يبني على الأساس الذي هو يسوع المسيح، هذه الأعمال إما أن تكون مثل معادن وتثبت، أو تحترق إن كان قش. بالنسبة لهم اليوم هو يوم الوفاة، عندها سيذهب إلى المطهر. من الآباء القديسين من يقول بأن اليوم هو يوم الدينونة العامة، "عندها بنار سيستعلن"، الرب يتلكم عن نار معنوية، هي نار يأتي بها عندما يأتي بمجد عظيم، هذا المجد هو النار الذي به سيستعلن. القديس يوحنا الذهبي الفم يوضح المقصود بعبارة "سيخلص" أنه الخلاص من الاضمحلال والفناء، "كما بنار" لا يفنى بل يبقى مستمراً في العذاب.
النور والنار ذاته مجد الرب العظيم، هو سيكون الحياة الأبدية للبعض، لأنهم يتهيئون ليعيشوا النور، وبالنسبة للذين لم يتهيؤا سيكون نار.
استحقاقات القديسين: المطهر مرتبط بموضوع استحقاقات القديسين بنظرهم، لأن الأعمال الصالحة تساعد الذي يقوم بها، لكي يُخلَّص من العقوبات المطهرية عن طريق استعمال استحقاقات القديسين. هذا وقد أقر هذه القضية البابا سنكديوس الرابع سنة 1477م.
استحقاقات المسيح: يعلم المجمع التريدنتيني: أن العلة الاستحقاقية للتبرير هي يسوع المسيح، ولكن بالنسبة لهم الخطيئة الأصلية إنما انمحت باستحقاقات يسوع المسيح التي تنسب بالمعمودية إلى كل إنسان. المسيح كفَّر ولكن عن الخطيئة الجدية، أما خطايانا فلم يفكر عنها (1يو 1: 6-8). والأعمال الصالحة هي أيضاً طريقة ثانية لغفران الخطايا.
القديس كليمندس السادس: "إن استحقاقات (تعويضات) أم الله والمختارين كلهم من أولهم إلى أخرهم تعمل على زيادة الكنز الذي منه تستقي منه الكنيسة الغفارين". يوجد زيادة، هم عملوا أعمالاً صالحة أكثر مما هو مطلوب، هذه الزيادة تسمى استحقاقات توضع في خزانة القديسين.
ما هي الغفارين؟: الغفران هو ترك العقوبات الزمنية المتبقية بعد محو الخطيئة، تمنحه الكنيسة من كنزها التعويضي للأحياء بطريقة الحل، والأموات بطريق الصلاة. مجمع تريدنت يحرم من يقول أن هذه الأستحقاقات غير موجودة وغير معمول بها، في البداية وضعت أصوله المدرس السخولاستيكية في بداية القرن الثالث عشر. وبعدها البابا لاون العاشر (القرن السادس عشر) اصدر مرسوم ""للبابا السلطان المطلق أي غير المحدود بمنح الغفارين بوصفه صاحب الوصاية العليا على الكنيسة، ولا يستطيع الأساقفة بقوة سلطانهم العادي أن يمنحوا الغفارين إلا لرعاياهم وبمقدار الحق القانوني، وكذلك للكرادلة في منح الغفارين سلطة محدودة".
ظهرت هذه الفكرة أيضاً مع بدء الحملات الصليبية. فالبابا أوربانوس الثاني قال: "إن هذا السفر هو بدل كل الكفارة". يعني أن من يذهب مع الحملة تغفر له كل خطاياه مهما فعل وهو ذاهب ليحارب.
الأعمال الصالحة التي تساعد على منح شيء من خزانة الكنز (الإستحقاقات):
أ. المشاركة في الحملات الصليبية.
ب. الموضوع المالي، كحاجة الكنيسة إلى الأموال لبناء كنيسة القديسن بطرس وبولس في روما.
ت. الحج، زيارة بعض الأماكن المقدسة، في روما مثلاً.
وهذه الأشياء مستمرة حتى الآن، ففي عام 2000م، فتح البابا كل أبواب كنيسة القديس بطرس، لأن من يدخل من هذه الأبواب تغفر خطاياه. ربما نحن نقلدهم في موضوع المزار المنتشر في الكثير من أديرتنا، فهذه لم تكن موجود قبلاً. يطلبون من المؤمنين الأعمال الصالحة كوضع النقود في كنائس خاصة وعندها تغفر لهم خطاياهم.
هل انتهى الموضوع بالنسبة للكاثوليك؟: كلا؛ لأن هذا القرار صادر عن المجامع (دستور بابوي <<للمطالعة كتاب"دستور رسولي في عقدية الغفرانات لبابا بولس السادس وقواعد في اكتساب الغفرانات صادرة عن ديوان التوبة المقدس">>) والبابا معصوم عن الخطأ كما نعلم.