رؤية الله فقط بحسب الجوهر في الحياة الآتية، والنعمة هي مخلوقة:
الموقف الغربي، هو أن الإنسان لا يمكن أن يتعرف أو يرى الله في هذه الحياة. ولكن بعد الموت أو استمراراً في الحياة الفردوسية، إن نفوس القديسين ترى الذات الإلهية {الجوهر الإلهي} رؤية علانية وجهاً لوجه، بل إن الجوهر الإلهي هو يظهر ذاته جلياً.
أما الآباء فإن موقفهم مخالف تماماً، إذ يقولون أنه يستحيل على أحد أن يرى الجوهر الإلهي، لا في هذه الحياة ولا في الحياة الثانية، ولا حتى الملائكة. وهي في نظر الآباء هرطقة، ويمكننا أن نقول أيضاً أنها هرطقة إذا اعتقدنا أنه ليس لنا رجاء على رؤية الله، ليس بحسب الجوهر بل بحسب القوى، بحسب النعمة، بحسب النور الإلهي. هذه تصدر عن الله، تصلنا بالله، هي ليست الجوهر الإلهي الذي يبقى خفياً بالكلية، وغير قابل للمعرفة أو الشركة.
"كل شيء دفع إلي من أبي، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له" {متى 11: 27}، هذه المعرفة الجوهرية التي تخص الآب والابن، ويمكننا أيضاً أن نرى أن هناك معرفة تعطى للبعض، لأنقياء القلوب، وهذه المعرفة تعطى من الابن {مت 5: 8}، هي معرفة خاصة، تشبه معرفة بطرس ويعقوب ويوحنا على جبل التجلي، إذ عرفوه كابن للبشر وابن لله بحسب مجده الإلهي، ولم يتجلى بجوهره الإلهي، أي لم يعرفوه بجوهره الإلهي.
"لأن مَن مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحدٌ إلا روح الله" {1كو 2: 11}، وهنا معرفة خاصة بالثالوث، الأقانيم وحدها تعرف بعضها.
"قال له يسوع أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي، لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً، ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه. قال له فيلبس، يا سيد أرنا الآب وكفانا. قال له يسوع، أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس. الذي رآني فقد رأى الآب، فكيف تقول أنت أرنا الآب، ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيَّ" {يو 14: 6- 10}، العبة الأولى للمعرفة هي الإيمان، والإيمان يكبر ويتحول إلى نوع من المعرفة، الرؤية. "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك" {يو 17: 3}، فالقديس نتيجة جهادهم، نتيجة إيمانهم، يعرفون الله معرفة بحسب القوى أو المجد أو النور. "ملكوت الله في قلوبكم" {لو 17: 20}، وكيف يكون ملكوت الله داخل الإنسان؟ الرسل كلهم عرفوا ملكوت الله تماما في قلوبهم في العنصرة، عند حلول الروح القدس على التلاميذ "روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما انتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم... في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم فيَّ وأنا فيكم. الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني، والذي يحبني يحبه أبي وأنا احبه وأظهر له ذاتي" {يو 14: 18-20}. الذين يحل الروح القدس في قلوبهم، هم يعرفون الروح القدس، يعرفون الابن، وعندما يعرفون الابن يعرفون الآب. وبالتالي نستنتج أن كل العمل الفدائي هو لإرسال الروح القدس، وبالتالي ليعطي ملكوت السماوات "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات" {متى 3: 2}، "ملكوت السماوات يغصب والغاصبون يختطفونه" {متى 11: 12}، وبالتالي الحديث هنا ليس عن شيء سيحدث في الحياة الثانية، كما يقول الكاثوليك، بل ملكوت الله هنا في هذه الحياة.