الأعضاء الذين تم إشعارهم

You cannot rate threads
0
 
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    أخ/ت بدأ/ت التفاعل
    التسجيل: Dec 2010
    العضوية: 9338
    الإقامة: سوريا
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: التراث الكنسي الأرثوذكسي
    الحالة: Victor Dora غير متواجد حالياً
    المشاركات: 42

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    - لن أصدِّقَ أبداً !- قال الناسك بحزم- اذهب عني وليكن الله معك كائناً من كنت حتى ولو كنت رئيس ملائكةٍ فليست لي حاجةٌ من حضورِك المرئي . إنَّك تلهيني عن صلاتي وهذا وحده حتى يدلُّ على أنَّك لست بملاك .
    - إنَّك تُجهد ذاتك سدىً! – مانعه الملاك- فإني لست ذاهباً من هنا لأنه قد أُوصيت بالبقاء عندك .

    - افعل ما شئتَ – قال له الناسك ببرودة – إنَّني لست راغباً في رؤيتك حتى أتلقى وصية من أبي الروحي بذلك فاذهب عني ! لست بحاجةٍ إليك بهيئتك هذه . ووقف الناسك بعد ذلك ليتَمِّمَ قانون صلاته وأما الملاك فصار غير مرئيٍّ بعد أن وعده بأن يظهر له مجدداً في الليلة التالية .

    وعند الفجر ذهب الناسك إلى أبيه الروحي وروى له عن الرؤية . فتفكر الأب الروحي في ذاته :" أن يسجد للصليب وأن يرسم إشارة الصليب وألا يخاف من الصلاة فإنَّ هذا كلَّه ليس من سمات أفعال الأبالسة . وفي الواقع حرَّم الأب الروحي على الناسك أن يتحاور ويعطي اهتمامه للرؤيا إذا ما هي تكرَّرت بل ليؤديَّ صلاته فقط وألا يلفت انتباهه لظهورات العالم الروحي . وهكذا فعل الناسك .

    وفي هذه الأثناء التجأ الأب الروحي لكي يحلَّ تساؤلاته حول رؤيا الناسك إلى أحد الشيوخ المعروف في آثوس بخبرته في الحياة التأملية وموهبته في التمييز وسهره الصارم في ترقُّب فخاخ الشرير وطلب منه النصح فيما يجب على الناسك فعله في ظهوراتٍ مماثلة .

    - لا شيء- أجابه ذاك- فليكن لديه علم الله ونفسه فقط .
    فسأله الأب الروحي: - وما الّذي تظنُّه بالنسبة لسجود ذلك الفتى الظاهر له أمام الصليب : هل بالحقيقة هو ملاك؟

    - ربَّما – أجابه الشيخ- ولكنَّه على الأغلب أن يكون روحٌ شرير .
    - وماذا بشأن رسم الصليب الّذي لا يخاف منه ذلك الفتى؟ وماذا عن تقبيله للصليب؟ - اعترض عليه الأب الروحي- ما الّذي تقوله بشأن ذلك؟
    أجابه الشيخ: - الشيء ذاته الّذي قلته عن الرؤيا . ثمَّ أكمل بعد برهةٍ من التفكير :

    - إنَّك تعلم وبالطبع تتفق معي بأنه بقدر ما يكون مسلكنا نحو الله سامياً بقدر ما يكون صراعنا مع الشيطان خطيراً ومتنوع الأوجه ولكي يظهر الله قوته فينا ويكشف بهذا أيضاً ضعف الشيطان ، يسمح له الله بأن يعمل ويخدم معنا هكذا كما يريد هو الشرير وحده وكما يكون في مقدوره . ويمكن أن تكون عاقبة هكذا سماحٍ إلهي ألا يكون الصليب مخيفاً بالنسبة للروح الشرير وألا يكون كلُّ ذلك مخيفاً بالنسبة له أيضاً الّذي قد يكون في حالاتٍ أخرى قاتلاً ومخيفاً مثل الغضب الإلهي . / ولكن من الملاحظ في أيامنا كثرة ظهورات الأرواح في هيئة الملائكة أو في هيئة كائناتٍ غامضة من الفضاء الخارجي الّذي يظهرون أحياناً حاملين الصلبان . " يصلون " أو يعلِّمون بأمورٍ فضيلةٍ أو مسيحيةٍ ويقومون باشتراح العجائب أو باشتراح سحرٍ شيطانيٍّ خيالي مبين الّتي تظهر أمامها الصلوات أو حتى القداديس والتكريس المؤداة من قبل الكاهن ضعيفةً : أليس هذا مماثلاً للسماح الإلهي الّذي تمَّ وصفه في الأعلى في أن يعمل الشيطان " كما يريد هو وحده وكما يكون في مقدوره " ، وهكذا لا يكون مخيفاً بالنسبة له ذلك الّذي قد يكون مخيفاً وقاتلاً في حالاتٍ أخرى ، فكون أن ذلك قد سُمِحَ به ليس من جراء سمو سيرتنا الأرضية بل من جراء إلحادنا الداخلي العميق عن الله وعن الإنجيل وعن الأرثوذكسية . تُذكَّرنا تلك الحرية التي تكذب الأرواح الشريرة ويسحرون الناس بها بإعلان الكتاب المقدِّس حول مجيء المسيح الدجال بأنه :" بفعل الشيطان وبكلِّ قدرةٍ وإعلانات ومعجزاتٍ كاذبة أياً كان نوعها وبكلِّ إغواءٍ ظالم يهلك أولئك لسبب أنهم لم يقبلوا محبة الحقِّ خلاصاً لأنفسهم . ولذلك يُرسل لهم الله فعل ضلالٍ لكي يصدِّقوا الباطل ..." ( 2 تسالونيكي2: 9-11 )/ .

    - وما الّذي يجب على الناسك فعله إذا ما تكرَّرت رؤيته- سأله الأب الروحي – ربَّما بالحقيقة قد ظهر له ملاك؟

    - حتى ولو تقبَّل الظاهر هيئة المسيح ذاته – قال له الشيخ- ماذا من ذلك؟ فإنه بعد صعود الرَّبِّ يكون الإيمان به أكثر منفعةً من رؤيته . ينبغي عليه هنا شيئاً واحداً : ألا يعير انتباهه للظاهرة بل أن يقوم بعمله الّذي هو الصلاة . فليظهر له ملاك أيضاً : ماذا في ذلك؟ نحن لدينا أعمالاً وتعاملاتٍ صلاتية مع الله ومع ربِّنا وسيِّدنا وأما بالنسبة للملاك فلا يعدُّ شيئاً أكثر من عبدٍ وخادمٍ له .... فكِّر جيِّداً : أيصحُّ لنا أن نوقف حوارنا مع الرَّبِّ ونبدأه مع خادمه؟ إذا كان قد ظهر لناسكك ملاك الله حقاً فعليه ألا يقبله !... لن يحزن الملاك بتاتاً من عدم اهتمامنا به أثناء الصلاة لأنه عالمٌ بالأهمية الإلهية لتعاملاتنا الصلاتية مع الله وليس أنه لن يلهينا عنها أبداً بل إنه بالعكس ينبغي له أن يوقظنا أكثر نحو أداءٍ مستمرٍّ ودقيق لها . وأما إذا الملاك يُجرح من برودتنا تجاه حضوره ويعيق حواراتنا مع الله فإنَّ هكذا ملاك حتى ولو كان متحلياً بالصلبان بجملته وليس أنه يقوم بتقبيل الصليب فقط فلا تقبله لأنه عدوٌّ!... وهكذا تبقى نصيحتي هي ذاتها : عليه ألا يقبل فحسب بل وعليه ألا يرغب في الشعور بظهورات للعالم الروحي : لأنه لا حاجة ولا فائدة لنا منها وأما أخطارها فلا تنتهي . إنَّنا في عراكنا الفكري نرى بأكثر وضوحٍ عمل القوات المعارضة لبعضها البعض : نحن نعلم كيف يكون الشيطان في هذا العراك من حيث عدم حيائه وفكره النجس وإنَّنا لنرى بوضوحٍ كم هي منيرةٌ وطاهرةٌ وعفيفةٌ هي الملائكة من خلال ظهور أفكارٍ سلاميةٍ وهادئةٍ الّتي يرسلها تلك الملائكة لقلبنا ، في حين أنَّه يُدخلنا الشيطان في أنجاسٍ وأماني خبيثةٍ وبغيةٍ شتى كما يدخلنا إلى حدةِ الغضب وما إلى ذلك . ماذا بعد؟ ما حاجتنا إلى ظهور الملاك الحسي في حين أنَّنا وبدونه نعرف الملائكة جيداً؟

    - ولكي أقنعك بحقيقة أقوالي- تابع الشيخ كلامه- أي بأنه لا يجوز لنا أن نقبل بالظواهر لأنها خطيرة استمع إلى ما سأرويه لك عن جاريَّ الناسك . إنه أثناء الليل فور وقوفه للصلاة كان يبدو له بأنَّ الصليب المعلق على الزاوية الأمامية لقلايته قد أخذ يستنير فجأة بنورٍ يعمي ضياؤه الأبصار ويعدُّ أكثر إشراقاً من نور الشمس . كان سطوع مجد الصليب هذا يعمل في قلب المصلي هكذا بحيث أنه لم يكن باستطاعته أن يسيطر على نفسه من الفرح . وعندما أباح لي الجار بذلك حددتُ من فوري هذه الظاهرة على أنها ألعوبة شيطانية ؛ وفي الواقع كانت لدي الرغبة في اختبار هذه الظاهرة بتجربتي الخاصة . ولذلك ذهبت في الليل إلى جاري . وعندما حلَّ الظلام جلس كلٌّ منا في زاوية مختلفة من زوايا القلاية . " اسمع أيها الأخ – قلتُ لصاحب القلاية- إنه بسبب عدم استحقاقي أظنُّ بأنَّ ذلك النور الّذي يُخرجه صليبك سيكون غير مرئيٍّ بالنسبة لي ولذلك حينما تلاحظ هذه المعجزة قل لي من فورك ." فقال ربُّ البيت:" حسناً." وشرع كلانا يقلِّب مسبحته بصمتٍ في ظلام مساء البرية الداكن . ولم تمضِ ساعةٌ حتى صرخ مستضيفي بصوتِ النصر :" يا أبتاه ! هوذا نور يتدفق من الصليب ؛ إنَّه ليس في استطاعتي حتى النظر إليه .... فرح قلبي لا يُحصى.... إنَّني لا أستطيع معرفة ذاتي من روح هذه الرؤيا ومن شدة حرارة الدفء الإلهي !" قلت هامساً له :" صلِّب " " لا أستطيع يا أبتي – صاح الناسك- فإنَّ الفرح قد أضعفني هكذا بحيث أنه لا قدرة لدي أن أرفع يدي !" " أيُّها الإنسان المسكين !" – قلت أنا بمرارة وبعد أن طرحت بنفسي نحوه صلَّبته " أيُّ المسكين – عدتُ وقلت له – إلى أيِّ مدى وصلت بجهلك وبكبريائك ! أما يزال النور أم أنه قد اختفى بعد؟" – سألت جاري بعد ذلك . " ثمة لا شيء بعد- أجابني- فهوذا المكان الآن مظلم كما كان سابقاً . " أرأيت ما الّذي حصل مع أخينا ." قال الشيخ للأب الروحي.....

    وعندما كان الأب الروحي يعيد عليَّ رواية حديثه مع ذلك الشيخ – يقول كاتب الرسائل- قبلت أقوال الأب الروحي بكامل اقتناعي بعد أن تذكرت القدِّيس نيقيطا حبيس كييف . كان هذا الناسك قد تمَّ تحذيره من تجارب الشيطان : وهذا يعني بأنه يمكن أن يكون القدِّيس نيقيطا أيضاً قد طلب من الملاك الظاهر له أن يرسم إشارة الصليب ، وكما أنَّ الصلاة ذاتها التي كان الشيطان يتمِّمها أمام الحبيس كان من الواجب أن تُرفق في بعض الأماكن برسمٍ لإشارة الصليب وسجدةٍ أمام الإيقونة الّتي لم يكن باستطاعة القدِّيس نيقيطا أن يحيا من دونها . إنه لو لم تتوفر هذه العلامات في صلاة الملاك لكان من السهل على الحبيس أن يُخمِّن ويعرف في هذه الرؤيا المنيرة فعل ملاك الظلام فيها . يعني أنه توجد تجارب من هكذا نوعٍ حيثما يسمح الله للشيطان أن يعمل هكذا بحيث ألا تخيفه الصلاة ولا رسم الصليب وتحيرانه . وبالطبع فإنَّ ذلك يعدُّ من أحكام إلهنا التي لا يدنى منها بعد . ويمكننا أن نعمِّم مما تقدم بأمرٍ واحد فقط وهو: إنَّ كلَّ شيءٍ مهما فعله الرَّبُّ بنا ومهما سمح للشيطان فإنَّ كلَّ ذلك هو من أجل أن نتمكن نحن عابرين من خلال درجات التجربة المختلفة وبوساطة خبرتنا الذاتية من تبرير حقَّانية قوله :" قوتي في الضعف تكمل ." ( 2كورنثوس12: 9 ) ( 8 الرقم 2 الرسالة الثالثة ).

    لقد حصل للشيخ إيلاريون الجيورجي الحدث التالي ( جاهد هذا الشيخ جهاده الروحي على جبل آثوس خلال القرن التاسع عشر ). حينما كان قاطناً في حبسٍ تامٍ في أحد الأبراج لم يكن يستقبل أحداً ولم يخرج إلى أيةِ مكانٍ ، وكان الأبالسة يخوضون ضده معارك قوية . ذات مرة حاول أن يدخل من خلال نافذة الشيخ بعض المصلين كي يحصلوا منه على بركة فاختبأ الشيخ منهم . فانتفع الأبالسة من هذا الحدث لأهدافهم الخاصة وشنوا حصارهم على الشيخ . لقد تسلَّلوا ذات مرة بهيئة حاجٍ من خلال النافذة وانقضوا على الشيخ وأخذوا يقولون بأنهم قد اضطروا للالتجاء إلى هذا التدبير ، لأنَّ الشيخ لم يكن يدع أحداً للدخول إليه ، وأما هم فيرغبون في رؤيته لأنه كان من وطنهم الأم . وعلى أنه قد جاؤوا من أجله من بلدٍ بعيدٍ كلَّ هذا البعد ليطلبوا استشارته في أعمالٍ شتى . بدأ الشيخ يتحدث معهم بعد أن ظنَّهم مصلين حقيقيين وأما الأبالسة فهذا ما كانوا يترقبونه منه . لقد بدؤوا معه حوراً طويلاً حول الوضع الكارثي لشعبهم وكنيستهم وفي النهاية هزأ الأبالسة بالشيخ بعد أن ضربوه بشدةٍ هكذا بحيث أنه قد بقي مستلقياً في فراشه لمدة شهرين دون أن يتمكن من التفوه بكلمةٍ ." ( 15 ص56 ).

  2. #2
    أخ/ت بدأ/ت التفاعل
    التسجيل: Dec 2010
    العضوية: 9338
    الإقامة: سوريا
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: التراث الكنسي الأرثوذكسي
    الحالة: Victor Dora غير متواجد حالياً
    المشاركات: 42

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    لا يتعرض إلى هكذا تجارب التي غالباً ما تستمرُّ لمدة طويلة وتكون عاقبتها ثقيلة الرهبان والنساك الّذين يسلكون حياة متوحدة فحسب بل والمسيحيون الّذين يسكنون في العالم كذلك أيضا عندما يخوضون بجهلٍ في جهاداتٍ سامية . إنهم باجتهاداتهم الخاصة تلك يهيجون الأبالسة ، ولكن بما أنَّ جهادهم الروحي لا يكون قويماً فإنه لا يؤدي بهم إلى الأمر الرئيسي أي أنهم بإذلال جسدهم لا يذلون نفسهم بل إنهم يزرعون فيها بشكلٍ لا يُلحظ أشدَّ الكبرياء والرأي الذاتي ، لا يمكن للنعمة الإلهية أن تحفظ هكذا فعلة وإنَّما تسمح من أجل توعيتهم بأن يتمَّ إغواؤهم ويُستهزأ بهم من قبل الشياطين حتى يتواضعوا بوساطة ذلك .

    يروي لنا الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف الروسي حدثاً حصل في عصره : كان أحد الجنود يذهب إلى دير لافرا القدِّيس ألكسندر نيفسكي الروسي إلى قدس الأب يوانيكيوس ليأخذ منه الإرشاد الروحي ( وقد كان في هذه الأثناء المطران إغناطيوس المستقبلي يلتجئ إلى هذا المرشد ليأخذ منه النصح الروحي ) وقد كان اسمه بولس وقد كان من المنشقين الّذين قد عادوا إلى الكنيسة الأم منذ فترة وجيزة . كان بولس قبل ذلك مرشداً على المنشقين وقد كان مثقفاً . كان وجه بولس ساطعاً من الفرح . ولكنه بسبب اجتهاده الكبير الملتهب فيه كرَّس بولس ذاته لجهادٍ روحي مفرط وغير منسجم مع بناء جسده ، لأنه لم تكن لديه فكرةٌ كافية حول الجهاد النفسي.

    ذات ليلةٍ كان بولس واقفٌ للصلاة . وفجأةً ظهر نورٌ حول الإيقونات على هيئة شمسٍ وأما في وسطها فتوجد حمامةٌ ناصعة البياض . وسُمع صوتٌ من الحمامة يقول :" اقبلني فأنا الروح القدس وقد أتيت لكي أجعلك مسكناً لي ." فقبل بولس ذلك فرحاً . دخلت الحمامة فيه عن طريق الفم فشعر بولس فجأةٌ وقد كان مرهقاً من الصوم والسهر بشهوةٍ بغية : ترك بولس الصلاة وركض إلى العرين. وأصبحت شهوته الجائعة يستحيل إشباعها . أصبحت كلُّ المطارح وجميع الزواني المتاحة بالنسبة لبولُس مطرحه الدائم . وفي النهاية عرف بولُس نفسه. وعرض إغواءه من جراء الظاهرة الشيطانية وتنجسه مع عواقب الافتتان الروحي في رسالة إلى الراهب الكاهن المتوحد ليونيدِس . وقد ظهرت في رسالته حالة بولس الساقط السابقة الروحية المرموقة . وكان لدى الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف الروسي ذاته الفرصة للاطلاع على هذه الرسالة .

    " يتوجب علينا التنويه – يقول سيِّدنا إغناطيوس- بأن الروح الشرير الساقط والراغب في أن يسيطر على مجاهد المسيح لا يعمل بسيادة فيه بل إنما يبحث عن طريقةٍ ليجذب بها موافقة الإنسان بالإغواء المقترح عليه وبعد أن يحصل على الموافقة فإنه يسود على الإنسان الموافق على ذلك..... وأما الروح القدس فيأتي بسلطانه الذاتي بصفته إلهاً في ذلك الزمان حينما الإنسان المتواضع والّذي أذلَّ نفسه لا يكون في انتظار مجيئه البتة . ويُغيَّر ذهنه وقلبه فجأةً . ويشمل بفعله إرادة ومواهب الإنسان كلِّها ، والّذي لا تكون لديه الفرصة ليفكِّر في الفعل الحاصل فيه ." ( 9 الجزء الخامس ص49-50 ).

    وإليكم حدثاً آخر الّذي لم يمر على حصوله وقتٌ طويلٌ ، وقد رواه لي أحد الرهبان المبتدئين . لقد حصلت هذه القصة المؤلمة مع أخيه بالجسد ، الّذي كان هو معه قد اقبلا كلاهما نحو الإيمان المسيحي وشرعا في الذهاب إلى الكنيسة وفي التجوال حول الأماكن المقدَّسة وزيارة الأديرة . شرع الإخوان في مطالعة الآباء القدِّيسين وإتمام صلاة يسوع . ولكن على ما يبدو فإنَّ أخ الراهب المبتدئ قد أنحرف في تلك التمارين عن المسلك القويم ولأجل هذا قد حدث له التالي : ذات مرةٍ عندما كان وحده في البيت مصلياً ظهر أمامه شيطانٌ قذر وبدأ يعيق صلاته ، ولكنَّ الأخ لم يرتعب وبدأ يحاور الشيطان بشجاعةٍ . وأخذ ينصحه في التوبة وشرع يشرح له عن رحمة الله التي يفوقها الوصف وبأنَّ الله في إمكانه حتى إياه أن يرحم إذا ما هو – أي الشيطان- تاب . بدا الشيطان وكأنه يستمع إليه بانتباهٍ فتفكَّر بعدئذٍ بجديةٍ وتقبل في النهاية هيئة التائب وابتدأ يصلي ويئن ويسجد للإيقونة وعلى العموم عبر بكامل هيئته عن تخشع وتوبة عميقين لما قد فعله من شرٍّ ، وكان يردِّد بأنه يترقب رأفةً قريبة . كان الأخ يتابع كالمسحور أفعاله ( على ما يبدو بسرورٍ داخليٍّ ) . وها أنه بالحقيقة قد هبطت على الشيطان بعد برهةٍ من الوقت سحابةٌ منيرة وكأنها نورٌ ونعمةٌ وعلى مرأى الفتى المسرود تحول الشيطان إلى ملاكِ نورٍ وقال في النهاية بأنه مدين بالشكر للأخ . اقترح عليه الشيطان السابق بأن يصبح حارساً دائماً وأميناً للأخ . كان الأخ في حالةٍ من الحماسة لا توصف وليس على بعضه من السعادة فوافق على ذلك . دخل الملاك و.... أخذ الأخ في الجنون وفي الصراخ والتعيير بأقوالٍ رهيبةٍ وبدأ بكسر الإيقونات وبرميها على النافذة وباقتراف أشياءَ أخرى رهيبة . وهو كتواجد الآن في مشفى الأمراض العقلية . وإنه يسكن أحياناً في بيته مع ذويه ولكن عندما يتفاقم مرضه يتوجب عليه أن يعود إلى المستشفى لأنه حينئذٍ تكون أعماله قذرةً . ولكنه ما أن يتحسَّن يصبح بمقدوره أن يصليَّ قليلاً . بعث أخوه الراهب المبتدئ طلباً إلى الكثير من الأديرة ليصلوا لأخيه المسكين . وإليكم أمثلةً حول كيف أنَّ التواضع الحقيقي يتهرَّب بسهولة من فخاخٍ مماثلة .

    ظهر الشيطان لأحد الإخوة ، على هيئة ملاك النور وقال له :" أنا هو رئيس الملائكة جبرائيل وقد أُرسلت إليك ." أجابه الراهب :" تحقَّق ربَّما قد تكون مرسلاً إلى أحدٍ آخر؟ لأني أنا لست بمستحقٍّ أن تأتيَّ إليَّ ملائكةٌ مرسلون ." فاختفى الشيطان من فوره . وكان الشيوخ يقولون :" حتى ولو ظهر لك بالحقيقة ملاكٌ لا تقبله بيسرٍ ، ولكن تواضعْ قائلاً : إنَّني أنا بما أنَّني قاطنٌ بكليتي في الخطايا فلست مستحقَّاً برؤية الملائكة ." ( 11 المجلد 4801 ص134 ).

    ويُروى عن شيخٍ آخر أيضاً الّذي كان يعيش حياة السكينة في قلايته فاحتمل تجارب شيطانية . وعلى ما يبدو فإنَّ أبالسةً كانوا قد ظهروا له ولكنه احتقرها . وإنَّ الشيطان بعدما رأى بأنه قد غُلب من قبل الشيخ ظهر له وقال :" أنا هو المسيح !" فأغمض الشيخ عينيه . فعاد الشيطان وقال :" أنا هو المسيح فلِمَ تغمض عينيك؟" فأجاب الشيخ :" إنَّني لست راغباً في رؤية المسيح هنا بل في الحياة الأبدية ." وبعد ذلك لم يظهر له الشيطان البتة . ( 11 المجلد 481 ص135 ).

    يتوجب علينا التنويه بأنَّ ظهور ملائكة قدِّيسين مرسلين من الله بالحقيقة يُعطى لأولئك المسيحيين المتواضعين الودعاء فقط الّذين هم خارج خطر الكبرياء والوقوع في الغرور فيضرون أنفسهم بذلك .

    ذات مرة حينما كان القدِّيس مكاريوس الكبير جالساً في قلايته ظهر أمامه ملاك مرسل من الله وقال له :" يا مكاريوس ! لا تخف من هجوم الأعداء الغير المنظورين لأنَّ سيِّدنا الصالح لن يتنحى عنك ولن يكفَّ عن تعضيدك ، كن شُجاعاً وتثبَّت غالباً بشجاعةٍ رئاسات وسلاطين العدو ./ إنَّ الرئاسات والسلاطين هم بحسب تعليم القدِّيس ديونيسيوس الأريوباغي حول الرتب السماوية – قواتٌ عدم الأجساد من الرتبة الملائكية الثالثة- الرتبة الأولى ومن الرتبة الملائكية الثانية – الرتبة الثالثة . ويقصد بهم هما الملائكة الساقطة المفتونة من قبل الشيطان . ( ملاحظة المترجم البلغاري )/ ؛ ولكن لا تتعالى بعملك لكي لا تتركك المعونة الإلهية وكيلا تسقط سقطةً كبيرةً ."أجاب مكاريوس المغبوط مبتلاً بالدموع:" وبماذا أتعالى في حين تتغذى نفسي على مثال المرأة البغية الفاجرة من رجس الأفكار النجسة المجلوبة لها من قبل الأبالسة ." يقول القدِّيس إغناطيوس بريانشانينوف الروسي بأنه كان قد توصل مكاريوس الكبير إلى هكذا تواضع عميق بوساطة التعمُّق الذاتي الّذي قد أعطاه إياه عمله الذكي . لقد رأى مكاريوس في ذاته سقطة الإنسان وحواره مع الأبالسة ." ( 11 المجلد 284 ص8 ).

    يقول سيِّدنا إغناطيوس الروسي :" يستحيل على الإنسان المتواجد في منطقة الحكمة الجسدانية ولم يسبق أن حصل على نظرةٍ روحيةٍ على طبيعته الساقطة ألا يدفع ثمناً ما عن أعماله وألا يعترف باستحقاق ما على نفسه مهما نطق إنسانٌ كهذا بكلماتٍ متواضعة ومهما بدا متواضعاً في الخارج . لا يعدُّ التواضع الحقيقي من سمات الحكمة الجسدانية وليس من الممكن أن يكون له هذا التواضع : التواضع : هو ملك الذهن الروحي . يقول مرقس الناسك البار :" إنَّ أولئك الّذين لم يسبق لهم أن صاروا ممنونين لكل وصية من وصايا المسيح يكرِّمون ناموس الله بالجسد بدون أن يعوا الّذي ينطقون به ولا حتى الّذي هو عليه مرتكز . وفضلاً عن ذلك فهم يرغبون بتتميمه بوساطة الأعمال ." يتبين من كلام الأب البار بأنَّ ذاك الّذي يعترف لنفسه بعملٍ صالح هو قابعٌ في حالة من الافتنان الذاتي . وتكون هذه الحالة أساساً للإغواء الشيطاني : إذ يجد الملاك الساقط ميناءً له في مفهوم الإنسان المسيحي الكاذب المتشامخ ويقوم بتطعيم إغوائه الخاصة إلى جانب ذلك المفهوم برياحة وبوساطة الإغواء يقوم بإخ2ضاع الإنسان أيضاً لسلطانه ويرمي به إلى ذلك الافتنان المدعو بالشيطاني . يتبيَّن من الاختبارات المشار إليها بأنَّه لا أحد من الناس المفتونين قد أعترف بعدم استحقاقه في رؤية الملائكة معترفاً لذاته بالتالي باستحقاقٍ ما . لا يمكن للإنسان الجسداني النفساني التفكير بنفسه بطريقة أخرى ."

    وهكذا فإنه لا يمكننا أن نثق بكلِّ اندفاعٍ صالح أو حركة فينا كما يبدو لنا وإنَّما يتوجب علينا أن نميِّز الخير الحقيقي المسيحي والإنجيلي من الخير الكاذب الضار بالنفس الّذي يفصلنا عن الله .

  3. #3
    المشرفة الصورة الرمزية Seham Haddad
    التسجيل: Apr 2008
    العضوية: 2961
    الإقامة: jordan
    الجنس: female
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: الرسم , المطالعة الروحية
    الحالة: Seham Haddad غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,365

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    شكراً لك اخي فكتور على الترجمة الرائعة والمفيدة
    بارك الرب تعب محبتك
    اشكرك كثيراً على الامثلة الكثيرة والمفيدة من حياة الاباءالقديسين والنساك
    كثيراً ما نتحاور بافكار تخطر في بالنا ونظن انها روحية وتكون مفيدة لانفسنا لكننا لا نعرف الى اين ستودي بنا
    مهما قمنا بامور ذات منفعة
    وعلينا ان ندرك انها لنا تؤثر على مسلكنا الروحي او انه سيلهينا او قد يسبب ذلك تهاون او كسل روحي يتضاعف ونظنن بافكارنا اننا نقوم بواجبنا
    كخدمة غيرنا اولى من انفسنا
    وهكذا مع قبول هكذا افكار ستتأثر حياتنا الروحيه جدا ولن ندرك عمق ذكا الشيطان بان يلهينا عن انفسنا ولن نقوم بجهادات روحيه لنفوسنا
    ظانين اننا نتعب من اجل غيرنا والله سيكأفئنا
    ليرحمنا الرب

    †††التوقيع†††

    إن أخطر أمراض النفس وأشر الكوارث والنكبات، هي عدم معرفة الذي خلق الكل لأجل الإنسان ووهبه عقلاً وأعطاه كلمة بها يسمو إلى فوق وتصير له شركة مع الله، متأملاً وممجدًا إيّاه.

    [SIGPIC][/SIGPIC]
    ان مت قبل ان تموت فلن تموت عندما
    تموت


    ايها الرب يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني انا الخاطئة

  4. #4
    المشرفة العامة
    فريق عمل الشبكة
    الصورة الرمزية Nahla Nicolas
    التسجيل: Apr 2008
    العضوية: 2868
    الإقامة: venezuela
    هواياتي: المطالعة
    الحالة: Nahla Nicolas غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,897

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    الشيطان اضعف مما نتصور ولكن نحن الذين نجعله شاطر بتهاونا ونحن رغم قله خبرتنا وتعالينا لانتواضع قط فهزيمه الشبطان اسهل مايكون فقط نتذكر ان الله اعطانا ان نغلبه وذلك ليس بالقوه ولكن بالتواضع فلنصلى بتواضع ونطلب ان يقوى الرب ضعفنا
    ليحمنا الله من شرهم ويطفئ سهامهم الملتهبة نارا.
    فليعطنا الله السهر الدائم، والتوبة النقية، والثمر المتكاثر لحساب ملكوت ربنا الذي له المجد الدائم إلي الأبد. آمين.
    بركة الرب ونوره ترافقك مدى الحياة

  5. #5
    أخ/ت بدأ/ت التفاعل
    التسجيل: Dec 2010
    العضوية: 9338
    الإقامة: سوريا
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: التراث الكنسي الأرثوذكسي
    الحالة: Victor Dora غير متواجد حالياً
    المشاركات: 42

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    معكِ حق أخت سهام كثيراً ما نتحاور ونظنُّ أنَّ بحوارِنا سنفيد الآخرين ولكنَّ الضرر منه يكون أحياناً كثيرةً أكثر من المنفعة باركك الله وأعانك في ضعفِك وأنا أشكر الأخت نهلة على هذا التوضيح الّذي كتبته بارككما الله

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-06-04, 09:53 AM
  2. كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيور
    بواسطة Victor Dora في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-05-14, 03:01 PM
  3. كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيور
    بواسطة Victor Dora في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-04-27, 05:48 AM
  4. كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيور
    بواسطة Victor Dora في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-04-07, 10:06 AM
  5. كتاب الضعفات الروحيَّة للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي ا
    بواسطة Victor Dora في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-03-26, 05:54 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •