- لن أصدِّقَ أبداً !- قال الناسك بحزم- اذهب عني وليكن الله معك كائناً من كنت حتى ولو كنت رئيس ملائكةٍ فليست لي حاجةٌ من حضورِك المرئي . إنَّك تلهيني عن صلاتي وهذا وحده حتى يدلُّ على أنَّك لست بملاك .
- إنَّك تُجهد ذاتك سدىً! – مانعه الملاك- فإني لست ذاهباً من هنا لأنه قد أُوصيت بالبقاء عندك .
- افعل ما شئتَ – قال له الناسك ببرودة – إنَّني لست راغباً في رؤيتك حتى أتلقى وصية من أبي الروحي بذلك فاذهب عني ! لست بحاجةٍ إليك بهيئتك هذه . ووقف الناسك بعد ذلك ليتَمِّمَ قانون صلاته وأما الملاك فصار غير مرئيٍّ بعد أن وعده بأن يظهر له مجدداً في الليلة التالية .
وعند الفجر ذهب الناسك إلى أبيه الروحي وروى له عن الرؤية . فتفكر الأب الروحي في ذاته :" أن يسجد للصليب وأن يرسم إشارة الصليب وألا يخاف من الصلاة فإنَّ هذا كلَّه ليس من سمات أفعال الأبالسة . وفي الواقع حرَّم الأب الروحي على الناسك أن يتحاور ويعطي اهتمامه للرؤيا إذا ما هي تكرَّرت بل ليؤديَّ صلاته فقط وألا يلفت انتباهه لظهورات العالم الروحي . وهكذا فعل الناسك .
وفي هذه الأثناء التجأ الأب الروحي لكي يحلَّ تساؤلاته حول رؤيا الناسك إلى أحد الشيوخ المعروف في آثوس بخبرته في الحياة التأملية وموهبته في التمييز وسهره الصارم في ترقُّب فخاخ الشرير وطلب منه النصح فيما يجب على الناسك فعله في ظهوراتٍ مماثلة .
- لا شيء- أجابه ذاك- فليكن لديه علم الله ونفسه فقط .
فسأله الأب الروحي: - وما الّذي تظنُّه بالنسبة لسجود ذلك الفتى الظاهر له أمام الصليب : هل بالحقيقة هو ملاك؟
- ربَّما – أجابه الشيخ- ولكنَّه على الأغلب أن يكون روحٌ شرير .
- وماذا بشأن رسم الصليب الّذي لا يخاف منه ذلك الفتى؟ وماذا عن تقبيله للصليب؟ - اعترض عليه الأب الروحي- ما الّذي تقوله بشأن ذلك؟
أجابه الشيخ: - الشيء ذاته الّذي قلته عن الرؤيا . ثمَّ أكمل بعد برهةٍ من التفكير :
- إنَّك تعلم وبالطبع تتفق معي بأنه بقدر ما يكون مسلكنا نحو الله سامياً بقدر ما يكون صراعنا مع الشيطان خطيراً ومتنوع الأوجه ولكي يظهر الله قوته فينا ويكشف بهذا أيضاً ضعف الشيطان ، يسمح له الله بأن يعمل ويخدم معنا هكذا كما يريد هو الشرير وحده وكما يكون في مقدوره . ويمكن أن تكون عاقبة هكذا سماحٍ إلهي ألا يكون الصليب مخيفاً بالنسبة للروح الشرير وألا يكون كلُّ ذلك مخيفاً بالنسبة له أيضاً الّذي قد يكون في حالاتٍ أخرى قاتلاً ومخيفاً مثل الغضب الإلهي . / ولكن من الملاحظ في أيامنا كثرة ظهورات الأرواح في هيئة الملائكة أو في هيئة كائناتٍ غامضة من الفضاء الخارجي الّذي يظهرون أحياناً حاملين الصلبان . " يصلون " أو يعلِّمون بأمورٍ فضيلةٍ أو مسيحيةٍ ويقومون باشتراح العجائب أو باشتراح سحرٍ شيطانيٍّ خيالي مبين الّتي تظهر أمامها الصلوات أو حتى القداديس والتكريس المؤداة من قبل الكاهن ضعيفةً : أليس هذا مماثلاً للسماح الإلهي الّذي تمَّ وصفه في الأعلى في أن يعمل الشيطان " كما يريد هو وحده وكما يكون في مقدوره " ، وهكذا لا يكون مخيفاً بالنسبة له ذلك الّذي قد يكون مخيفاً وقاتلاً في حالاتٍ أخرى ، فكون أن ذلك قد سُمِحَ به ليس من جراء سمو سيرتنا الأرضية بل من جراء إلحادنا الداخلي العميق عن الله وعن الإنجيل وعن الأرثوذكسية . تُذكَّرنا تلك الحرية التي تكذب الأرواح الشريرة ويسحرون الناس بها بإعلان الكتاب المقدِّس حول مجيء المسيح الدجال بأنه :" بفعل الشيطان وبكلِّ قدرةٍ وإعلانات ومعجزاتٍ كاذبة أياً كان نوعها وبكلِّ إغواءٍ ظالم يهلك أولئك لسبب أنهم لم يقبلوا محبة الحقِّ خلاصاً لأنفسهم . ولذلك يُرسل لهم الله فعل ضلالٍ لكي يصدِّقوا الباطل ..." ( 2 تسالونيكي2: 9-11 )/ .
- وما الّذي يجب على الناسك فعله إذا ما تكرَّرت رؤيته- سأله الأب الروحي – ربَّما بالحقيقة قد ظهر له ملاك؟
- حتى ولو تقبَّل الظاهر هيئة المسيح ذاته – قال له الشيخ- ماذا من ذلك؟ فإنه بعد صعود الرَّبِّ يكون الإيمان به أكثر منفعةً من رؤيته . ينبغي عليه هنا شيئاً واحداً : ألا يعير انتباهه للظاهرة بل أن يقوم بعمله الّذي هو الصلاة . فليظهر له ملاك أيضاً : ماذا في ذلك؟ نحن لدينا أعمالاً وتعاملاتٍ صلاتية مع الله ومع ربِّنا وسيِّدنا وأما بالنسبة للملاك فلا يعدُّ شيئاً أكثر من عبدٍ وخادمٍ له .... فكِّر جيِّداً : أيصحُّ لنا أن نوقف حوارنا مع الرَّبِّ ونبدأه مع خادمه؟ إذا كان قد ظهر لناسكك ملاك الله حقاً فعليه ألا يقبله !... لن يحزن الملاك بتاتاً من عدم اهتمامنا به أثناء الصلاة لأنه عالمٌ بالأهمية الإلهية لتعاملاتنا الصلاتية مع الله وليس أنه لن يلهينا عنها أبداً بل إنه بالعكس ينبغي له أن يوقظنا أكثر نحو أداءٍ مستمرٍّ ودقيق لها . وأما إذا الملاك يُجرح من برودتنا تجاه حضوره ويعيق حواراتنا مع الله فإنَّ هكذا ملاك حتى ولو كان متحلياً بالصلبان بجملته وليس أنه يقوم بتقبيل الصليب فقط فلا تقبله لأنه عدوٌّ!... وهكذا تبقى نصيحتي هي ذاتها : عليه ألا يقبل فحسب بل وعليه ألا يرغب في الشعور بظهورات للعالم الروحي : لأنه لا حاجة ولا فائدة لنا منها وأما أخطارها فلا تنتهي . إنَّنا في عراكنا الفكري نرى بأكثر وضوحٍ عمل القوات المعارضة لبعضها البعض : نحن نعلم كيف يكون الشيطان في هذا العراك من حيث عدم حيائه وفكره النجس وإنَّنا لنرى بوضوحٍ كم هي منيرةٌ وطاهرةٌ وعفيفةٌ هي الملائكة من خلال ظهور أفكارٍ سلاميةٍ وهادئةٍ الّتي يرسلها تلك الملائكة لقلبنا ، في حين أنَّه يُدخلنا الشيطان في أنجاسٍ وأماني خبيثةٍ وبغيةٍ شتى كما يدخلنا إلى حدةِ الغضب وما إلى ذلك . ماذا بعد؟ ما حاجتنا إلى ظهور الملاك الحسي في حين أنَّنا وبدونه نعرف الملائكة جيداً؟
- ولكي أقنعك بحقيقة أقوالي- تابع الشيخ كلامه- أي بأنه لا يجوز لنا أن نقبل بالظواهر لأنها خطيرة استمع إلى ما سأرويه لك عن جاريَّ الناسك . إنه أثناء الليل فور وقوفه للصلاة كان يبدو له بأنَّ الصليب المعلق على الزاوية الأمامية لقلايته قد أخذ يستنير فجأة بنورٍ يعمي ضياؤه الأبصار ويعدُّ أكثر إشراقاً من نور الشمس . كان سطوع مجد الصليب هذا يعمل في قلب المصلي هكذا بحيث أنه لم يكن باستطاعته أن يسيطر على نفسه من الفرح . وعندما أباح لي الجار بذلك حددتُ من فوري هذه الظاهرة على أنها ألعوبة شيطانية ؛ وفي الواقع كانت لدي الرغبة في اختبار هذه الظاهرة بتجربتي الخاصة . ولذلك ذهبت في الليل إلى جاري . وعندما حلَّ الظلام جلس كلٌّ منا في زاوية مختلفة من زوايا القلاية . " اسمع أيها الأخ – قلتُ لصاحب القلاية- إنه بسبب عدم استحقاقي أظنُّ بأنَّ ذلك النور الّذي يُخرجه صليبك سيكون غير مرئيٍّ بالنسبة لي ولذلك حينما تلاحظ هذه المعجزة قل لي من فورك ." فقال ربُّ البيت:" حسناً." وشرع كلانا يقلِّب مسبحته بصمتٍ في ظلام مساء البرية الداكن . ولم تمضِ ساعةٌ حتى صرخ مستضيفي بصوتِ النصر :" يا أبتاه ! هوذا نور يتدفق من الصليب ؛ إنَّه ليس في استطاعتي حتى النظر إليه .... فرح قلبي لا يُحصى.... إنَّني لا أستطيع معرفة ذاتي من روح هذه الرؤيا ومن شدة حرارة الدفء الإلهي !" قلت هامساً له :" صلِّب " " لا أستطيع يا أبتي – صاح الناسك- فإنَّ الفرح قد أضعفني هكذا بحيث أنه لا قدرة لدي أن أرفع يدي !" " أيُّها الإنسان المسكين !" – قلت أنا بمرارة وبعد أن طرحت بنفسي نحوه صلَّبته " أيُّ المسكين – عدتُ وقلت له – إلى أيِّ مدى وصلت بجهلك وبكبريائك ! أما يزال النور أم أنه قد اختفى بعد؟" – سألت جاري بعد ذلك . " ثمة لا شيء بعد- أجابني- فهوذا المكان الآن مظلم كما كان سابقاً . " أرأيت ما الّذي حصل مع أخينا ." قال الشيخ للأب الروحي.....
وعندما كان الأب الروحي يعيد عليَّ رواية حديثه مع ذلك الشيخ – يقول كاتب الرسائل- قبلت أقوال الأب الروحي بكامل اقتناعي بعد أن تذكرت القدِّيس نيقيطا حبيس كييف . كان هذا الناسك قد تمَّ تحذيره من تجارب الشيطان : وهذا يعني بأنه يمكن أن يكون القدِّيس نيقيطا أيضاً قد طلب من الملاك الظاهر له أن يرسم إشارة الصليب ، وكما أنَّ الصلاة ذاتها التي كان الشيطان يتمِّمها أمام الحبيس كان من الواجب أن تُرفق في بعض الأماكن برسمٍ لإشارة الصليب وسجدةٍ أمام الإيقونة الّتي لم يكن باستطاعة القدِّيس نيقيطا أن يحيا من دونها . إنه لو لم تتوفر هذه العلامات في صلاة الملاك لكان من السهل على الحبيس أن يُخمِّن ويعرف في هذه الرؤيا المنيرة فعل ملاك الظلام فيها . يعني أنه توجد تجارب من هكذا نوعٍ حيثما يسمح الله للشيطان أن يعمل هكذا بحيث ألا تخيفه الصلاة ولا رسم الصليب وتحيرانه . وبالطبع فإنَّ ذلك يعدُّ من أحكام إلهنا التي لا يدنى منها بعد . ويمكننا أن نعمِّم مما تقدم بأمرٍ واحد فقط وهو: إنَّ كلَّ شيءٍ مهما فعله الرَّبُّ بنا ومهما سمح للشيطان فإنَّ كلَّ ذلك هو من أجل أن نتمكن نحن عابرين من خلال درجات التجربة المختلفة وبوساطة خبرتنا الذاتية من تبرير حقَّانية قوله :" قوتي في الضعف تكمل ." ( 2كورنثوس12: 9 ) ( 8 الرقم 2 الرسالة الثالثة ).
لقد حصل للشيخ إيلاريون الجيورجي الحدث التالي ( جاهد هذا الشيخ جهاده الروحي على جبل آثوس خلال القرن التاسع عشر ). حينما كان قاطناً في حبسٍ تامٍ في أحد الأبراج لم يكن يستقبل أحداً ولم يخرج إلى أيةِ مكانٍ ، وكان الأبالسة يخوضون ضده معارك قوية . ذات مرة حاول أن يدخل من خلال نافذة الشيخ بعض المصلين كي يحصلوا منه على بركة فاختبأ الشيخ منهم . فانتفع الأبالسة من هذا الحدث لأهدافهم الخاصة وشنوا حصارهم على الشيخ . لقد تسلَّلوا ذات مرة بهيئة حاجٍ من خلال النافذة وانقضوا على الشيخ وأخذوا يقولون بأنهم قد اضطروا للالتجاء إلى هذا التدبير ، لأنَّ الشيخ لم يكن يدع أحداً للدخول إليه ، وأما هم فيرغبون في رؤيته لأنه كان من وطنهم الأم . وعلى أنه قد جاؤوا من أجله من بلدٍ بعيدٍ كلَّ هذا البعد ليطلبوا استشارته في أعمالٍ شتى . بدأ الشيخ يتحدث معهم بعد أن ظنَّهم مصلين حقيقيين وأما الأبالسة فهذا ما كانوا يترقبونه منه . لقد بدؤوا معه حوراً طويلاً حول الوضع الكارثي لشعبهم وكنيستهم وفي النهاية هزأ الأبالسة بالشيخ بعد أن ضربوه بشدةٍ هكذا بحيث أنه قد بقي مستلقياً في فراشه لمدة شهرين دون أن يتمكن من التفوه بكلمةٍ ." ( 15 ص56 ).

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس

المفضلات