أخي ساري :
لماذا أراك وعلى الدوام مُغرّداً خارج السرب ؟ فهل الدافع لذلك هو أن تكون مميزاً على قاعدة (خالف تُعرف) ؟
فمن يحب الأب المغبوط باييسيوس ويعشق سيرة حياته المقدسة , فإنه لايسلّط الضوء على عبارة واحدة كالتي تقتبسها أنت من كتاب (آباء معاصرون من الجبل المقدس) , ويشارك بها من خلال موضوعين متشابهين , فأنت من حيث النتيجة تختزل فكر هذا (القديس) باقتباسك هذا , لابل وتزرع الشك في قلوب محبيه , حول قداسته (على المستوى الشعبي) وسيرته العطرة .
منذ حوالي الثلاثة أسابيع , كان لي شرف الحديث مع قدس الأرشمندريت أفرام كرياكوس هاتفياً (بالطبع قبل أن يصير مطراناً) لكي أسأله عن معنى هذه العبارة (ليكمل الطغمة الملائكية الساقطة...) , ومن باب العلم فإن قدس الأرشمندريت كرياكوس كان قد عاش في الجبل المقدس حوالي السنتان والنصف , وقد عرف الأب باييسيوس عن قرب وإن لم يتتلمذ على يديه , فما كان من قدسه إلا أن طلب مني مهلة أسبوع لكي يراجع الكتاب . بعد انقضاء الأسبوع عاودت الإتصال مع قدسه , وقد استفاض بشرح الشق الثاني من اقتباسك , بمعنى : أن الله لا يجرّب بالشرور بل يسمح بالتجربة من قبل إبليس وذلك كي يتزكى الإنسان وهذا ما ورد في رسالة يعقوب وأعتقد بأنه واضح , أما عن عبارة ( ليكمل الطغمة الملائكية الساقطة ...) , فلم يستطع قدسه أن يفسرها بموجب ما عناه شيخنا المغبوط باييسيوس وظلّ الأمر معلّقاً .
ومن هنا يأتي سؤالي لك , لماذا تحاول الزّج بهذه العبارة ومن خلال الموضوعين المتشابهين , لابل وتصرّ على أنها طرح لاهوتي جريء ؟
كلا يأخي فتواضع الأب باييسيوس وقداسته ما كانا ليسمحا له بأن يكون جريئاً في مخالفة إجماع فكر الآباء ومجامع كنيسته السبعة .
وإذا أردنا أن نصف فكر الأب باييسيوس وشخصه بالجريء , فنعم هو جريء لابل هو رأس حربة وذلك في محاربته لأهوائه , جريء في نسكه وتحمله لآلام هذا النسك , جريء في محبته للكون كله ومخلوقاته بما فيها المفترسة والتي باتت تطيعه بإيماءة من يده , لأنه أضحى سيداً على الكون بطهارته , كحالة آدم الفردوسية , إن لم يكن أعظم منها . فآدم دعي للتألّه لكنه سقط , بينما قديسونا أصبحوا أعظم من الملائكة أنفسهم .
اصرارك على هذه العبارة يحمل دلالات كبيرة , من شأنها الطعن في محبة الله التي كانت هي الدافع وبمجانية مطلقة لخلق الإنسان , أما أنت ومن خلال تشديدك على كلمة (ليكمل) فأنت تبرز نوعاً من الإضطرار لدى الله لخلقه الإنسان وحاشى لله ذلك , لابل وتنسبه على لسان شيخنا المغبوط باييسيوس , وتبيح لنفسك أن تفسّر ما عجز عنه غيرك , خصوصاً وأن النص الأصلي وهو باليونانية ليس بين أيدينا وبالتالي هناك احتمال كبير في أن تكون اللغة العربية قد عجزت عن شرح المعنى الذي أراده الأب باييسيوس , والأمثلة على ذلك كثيرة .
في هذا السياق أتذكر كلاماً مهماً للمطران كاليستوس وير عن الخلق حيث يقول :
خلق الله العالم الروحي أولاً , ثم خلق العالم المادي , بعدها خلق الإنسان , فيأتي الآباء ليقولوا بأن الإنسان هو عالم صغير (كونه يحوي الروح والمادة) وهو وسيط بنفس الوقت بين العالم الروحي والعالم المادي حيث وضع الآباء الإنسان بين هذين المستويين , لذا على الإنسان أن يتقدس بمعنى أن يُروحن الجسد (المادة) , وهذا مانراه في أمثلة كثيرة من ذخائر القديسين كبقاء يد أو أذن رغم مرور مئات السنين .
تحياتي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر



المفضلات