الحياة الرهبانية بحسب القديس الذهبي الفم
للمطران بولس يازجي متروبوليت حلب للروم الأرثوذكس
هناك مفهوم أساسي- إسختولوجي البنية- ينطلق منه الذهبي الفم، وكل الآباء أيضاً وأدبنا النسكي عامة، وهو أن الفضائل والنسك عامة هي وسائل وليست غاية وهدفاً. هي وسائط تؤهلنا إلى عمل "الروح القدس" فينا أو تجذبه، إن أمكن التعبير، أي تسمح له أن يعمل فينا، أما الغاية المنشودة فهي "المحبة"، المحبة التي لا تتطلب ما لذاتها إنمَّا ما للآخرين. المحبة هذه ليست فضيلة ولكنها نتيجة ونهاية وغاية الفضائل جميعها وقصدها. النسك والجهاد والفضائل كلها هي من فنون هذا الدهر، أما "المحبة" فهي فن الدهر الآتي. أسمى شكل من أشكال محبة الآخرين، والمحبة القصوى للآخرين، تحققها الحياة الرهبانية.
في البداية، علينا أن نسجّل الملاحظة الغريبة التالية وهي أن قديسنا الذهبي الفم على الرغم من أنه لم يكتب "نسكيات"، ولم يسهب في بحوث رهبانية، كآخرين، ولم يؤسس تقليداً أو مدرسة رهبانية، ولم ينشئ أدياراً، فإنه يبقى أبداً أقرب آبائنا القديسين إلى قلوب الرهبان وأحب معلمي الرهبنة إليهم. هذا لا يعود فقط إلى القداس الإلهي الذي يحمل اسمه، لكن يعود بشكل أساسي وأعمق إلى صحة شروحاته التي تعبر بصفاء عن تقليدنا الأرثوذكسي، ولحلوله الإسختولوجية الواضحة الصريحة، هذه الحلول والمواقف التي تنطبق كلياً على الحياة الإنجيلية الكاملة التي تكرست لها نفس كل راهب.
وإنه للافت للانتباه أن مؤلفات الذهبي الفم هي الأكثر عدداً في مختلف مكتبات الأديار الرهبانية، وهذه المؤلفات تشكل الجزء الأساسي والأكبر من كل القراءات التي يتلوها الرهبان على موائدهم أو في قلاليهم أيضاً. من ناحية أخرى، إن تأثير القديس على الآباء النساك والهدوئيين الذين بعده واضح جداً، الأمر الذي حدا بكاسيانوس الرومي إلى القول أن الذهبي الفم سيبقى أبداً من أكبر المعلمين الرهبانيين. والمميز عند الذهبي الفم والخاص به، أننا سنضطر إلى دراسة فكرته ولاهوته في الرهبنة وذلك من خلال نصوص موجهة في غالبيتها إلى مؤمنين يحيون في العالم، وليسوا متوحدين. لهذا من الطبيعي أن نلاحظ اهتمامه بعرض جوهر الحياة الرهبانية وهدفها، نسكها، وطرق عيش جوهر هذه الحياة في العالم من قبل كل المؤمنين في الكنيسة.
حياة ملائكية وفردوسية:
الرهبنة بالواقع ليست إلا استعادة الحياة الملائكية والفردوسية التي عاشها آدم قبل السقوط. حقاً، يتساءل فم الذهب، في أي شيء ينقص الراهب عن آدم آنذاك إذا كان "يتحاور ويتحادث مع الله بضمير وذهن نقيين؟" وراهب كهذا، بالعمق، له دالة على الله أكثر من تلك التي كانت لآدم بقدر ما هو "فيض النعمة" اليوم أغزر منه في السابق.
إذا كان لجوق الملائكة وظيفتان- خدمتان- هما تسبيح الله من ناحية والعمل لخلاص البشر من ناحية ثانية، عندها الرهبان، بما أنهم يقومون بهاتين المهمتين عينهما، هم بالعمق "ملائكة في أجسام بشرية". هذا ما يحصل عندما يحني الرهبان ركبهم مسبحين الله "طالبين بدالة للآخرين، وغير طالبين شيئاً لهم من هذه الدنيا"، أيضاً عندما يخدمون حتى بأتعابهم الجسدية خلاص الآخرين.
من جهة أخرى، فإن الرهبان لا يشتركون مع الملائكة فقط بنوع الخدمة وإنما أيضاً، مسلكية حياتهم وسيرتهم. يخضعون بالفعل للحاجات الأرضية كونهم في أجساد، ولكنهم في الوقت نفسه "يسلكون مسلكاً سماوياً". غير قادرين أن ينتقلوا إلى عالم الملائكة بأجسادهم الفانية، ولكنهم ينقلون إلى الأرض المسلكية السماوية التي للملائكة. ولولا القليل من نومهم وطعامهم، لحسبانهم غير متجسمين. والعجب العجاب أنه بوساطة هذه الحاجات وبنقصانهم قليلاً عن الملائكة، يكسبون أكاليل. إذن، كما يقول بالحرف، الرهبان لا ينقصون عن الملائكة "ماداموا يهتمون بما تهتم به الملائكة"، من يراقب حياتهم، يتابع، "يرى البرية أجمل من الفردوس ذاته" كون الرهبان لهم خدمة الملائكة ذاتها وأيضاً المسلكية الخلقية عينها. الذهبي الفم لا يتردد عن تسميتهم "جوق ملائكي"، "لا متجسمين في أجساد" و "ملائكة بهيئات بشرية".
مجيء للملكوت:
العبارات السابقة لا تشكل صوراً أو بياناً... وإنما يريد الأب القديس أن يعبّر بها عن عمق آخر. عن المعنى العميق لـ"ليأت ملكوتك"و لـ"لتكن مشيئتك". استعادة الحياة الملائكية والفردوسية بين الله والبشر يعني على الفور تحقيقاً ومجيئاً لملكوت الله وإلغاء لمملكة الشيطان. عندما نفهم الرهبنة،كما عند الذهبي الفم، بمنظار إسختولوجي، عندها ندرك أنها في الجوهر ليست نقلاً للناس خارج العالم، وإنما بالحق، تحقيق للعالم الحقيقي الذي يطرد عالم الخداع والمظاهر، إنها مجيء للمملكة التي أُبعدت بالقديم، ملكوت الله في العالم.
نعم، بحسب فم الذهب، الراهب لا يخرج أو يهرب من العالم أو يلجأ إلى عالم له ذاتي وغريب، وإنما الراهب هو "الخليقة الجديدة" في قلب العالم، هذا العالم الذي "إلى وقت آت" هو عالم يملك فيه الشيطان، فإنه في "فردوس البرية" يملك الإله الحقيقي، المسيح، وهناك فقط نرى "قوة الشيطان محطمة ومملكة المسيح منتصبة لامعة".
والأمر السهل ملاحظته هو أن أجمل وأهم وأكثر عبارات الذهبي الفم في الرهبنة نجدها ليس في كتاباته التي أرسلها إلى رهبان، وإنما في شرحه لمقاطع من إنجيل متى، وخاصة، حيث يتطرق المسيح إلى الأخلاق الجديدة، أخلاق ملكوته، وعندما يكرز "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه...". فالرهبان ليسو "فارّين" أو "هاربين" أو متراجعين، وإنما جنود الصف الأمامي، إنهم ساهرون على خطوط التماس يحاربون من أجل ملكوت الله ضد العدو، إنهم هؤلاء الذين يخرجون إلى العدو "برغبتهم" وغيرتهم، يبدون وكأنهم "متوحدون"، بينما هم "مجاهدون" حقيقيون. هؤلاء هم الذين "نصبوا خيامهم في السموات" و"تجندوا من أجل المسيح ضد الشيطان".
الرهبان بحياتهم البتولية أيضاً يعيدون من جديد "الحياة الأولى"، ويحيون ثانية الحياة الآدمية التي قبل السقوط، معيدين البتولية من نفيها الطويل، هذا من جهة، من جهة ثانية يسبقون ويحققون شكل حياة ما بعد القيامة الأخروية. والبتولية بدون هذه الأبعاد والدوافع تصير "عاقرة" و "بلاهة". وإنها لحقيقةٌ أنَّ الذهبيَ الفم كثيراً ما يفوّق البتولية من ناحية تحرّرها من هموم الحياة والواجبات الكثيرة التي يخلقها الزواج، ومرات يرى الزواج مانعاً ومبطئاً لمسيرة الإنسان الروحية بالمقارنة مع البتولية، ورغم أن ذلك واقع، فإن فم الذهب لا يرى في هذه "الحرية"- أي التحرر من الواجبات والهموم- أبداً دافعاً للبتولية، وإنما فقط نتيجة عنها. الراهب لا يحيد عن مواجهة الحياة ولا يتهرب من الحمل الثقيل لهموم المعيشة، فهو بالواقع يحمل حملاً أثقل. البتولية هي أكثر بكثير من "ترك أو استبدال هموم الحياة". هي بالجوهر "غصب" و "اجتهاد" للوصول من الآن إلى شكل تلك الحياة المنتظرة و "ذوق" مسبق لحياة القيامة الآتية، إنها تحقيق للأخرويات، "لأنه في القيامة لا يزوجون ولايتزاوجون"، فالبتولية هي "عربون" لتلك الحياة. المتبتلون هم من أدرك أن "ملكوت السموات يغتصب اغتصاباً"، الراهب هو من طوبه المسيح مع الذين "خصوا ذواتهم" لكن "من أجل ملكوت السموات".
القديس يوحنا الذهبي الفم عندما يؤسس البتولية على أسس إسختولوجية لا يحدد غايتها وهدفها فقط، أي بتفسيرها كـ (شوق) و(غصب حر)، وإنما يحدد قاعدتها بالذات، ألا وهي القيامة، "قيامة المسيح"، أي الكشف الأخروي على عالم الحياة الحقيقية وسحق قوة الموت. فالتبتل ينطلق من قيامة المسيح ويسعى إلى حياة القيامة. أي (لأنه عرف جيداً أن الموت هو نوم ورقاد، دخل وشاع فن التبتل وجماله).
في العهد القديم كانت أخلاق البشر أدنى، وكان إنجاب الأولاد والإكثار منهم تعزية أمام الموت، لهذا كان الإنجاب يعتبر الصلاح الأسمى والخير الأوفر، وواضح الآن أن الحاجة من أجل الملكوت هي للفضيلة أكثر مما هي للإنجاب. وهكذا فالتبتل بأبعاده الإسختولوجية ليس "رغبة" أو "شوقاً" وحسب وإنما أيضاً هو "غصب" و"جهاد" أي حرب وتطّهر. لهذا فهو يرتبط مع الفضائل الأخرى وخاصة مع الطاعة والفقر الطوعي وعدم الاقتناء والتبتل بدون هذه الفضائل فاسد. فازدواج الغضب مثلاً بالبتولية يفسد معنى عذريتها. فالبتولية هي عذرية روحية، وكمال خلقي بالأساس. فبتولية الجسد لا تقود إلى ملكوت السموات وإنما الروحية.
تعفف الجسد هو تحصيل حاصل لبتولية الروح، إنها "تابع وظل" لها. هكذا على سبيل المثال، فم الذهب يصنف في عداد "المتبتلات" أولمبياذا، رغم أنها كانت أرملة، لأنه، كما يقول، وبحسب بولس الرسول، البتول ليست من لم تعرف زواجاً وإنما هي التي "تهتم بما للرب".
لهذا أيضاً بتولية الهراطقة، وامتناع بعض الفئات المسيحية عن الزواج كناموس دون أن تنطوي على المفهوم السابق تفقد معناها وليس لها أية قيمة أو أجر. كل من يبتعد عن الزواج لأنه عار وعيب ليس ببتول. فجوهر البتولية هو النسك وليس العزوبية وعدم الزواج.
هذه هي الروح الواحدة التي بها يرتب الذهبي الفم تفضيله في أمور البتولية والزواج. فهو يفضل البتولية على الزواج ثم الزواج الأول فقط على الثاني. على كلٍّ، حتى "الترمل" يجب أن يحمل نفس روح البتولية السابق، أي "الحياة الفاضلة"، على عكس ذلك "الأرملة المتنعمة فقد ماتت وهي حية" بحسب تعبير بولس الرسول، الروح نفسه والفهم عينه يطهّران عندما يكرِّم البتولية في سن مبكرة عن تلك الصائرة في عمر متأخر.لأن الأولى تتطلب جهاداً أكثر وتحتمل "شهادة واستشهاداً" أكرم.
شهادة إسختولوجية:
الأديار والبرية بحسب فم الذهب هي "بلد شهداء". أولاً لأن هؤلاء يشهدون لملكوت الله، ويحققونه، وثانياً لأنهم "قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" ويتحملون اضطهاد الأهواء والشيطان. وإن كان زمن الإضطهادات قد انتهى وتوقف، فإن زمن الاستشهاد لا يتوقف "لأنه وإن لم يحاربن مضطهد"، فهناك "شيطان أصعب من المضطهدين كلهم". فالبتولية لهذا السبب هي استشهاد متواصل وحياة شبهها شبه حرب مستمرة. الراحة والتنعم تسرق من الراهب زمن العمر الحاضر وتجعله وقتاً للشيطان. الإمبراطورية المسيحية من قسطنطين الكبير حولت شهادة الدم إلى شهادة الحياة، والرهبنة هي معمودية الدم، معمودية النسك. إن كان تحمل الشدائد والضيقات من أجل المسيح له ثواب عظيم ويعتبر استشهاداً، فإن العيش في "شدة" طوعية أي طلب النسك، ذات كرامة أكبر بكثير. التقشف هو لون الاستشهاد الجديد. في شهادة الدم "يعمل السيف"، في شهادة الحياة "يعمل الاستعداد" والإرادة. لهذا، يوضح قديسنا أن بولس الرسول يعدّد في سحابة الشهداء هابيل، أخنوخ، نوح، إبراهيم، اسحق ويعقوب، يوسف وموسى... "لأن الشهداء ليس من ذبحوا فقط وإنما كل من كان مستعداً لذلك. ليس الموت فقط يصنع شهداء وإنما الإرادة أيضاً. بولس الرسول يعرف الاستشهاد حقاً: "... نخاطر كل ساعة... وأموت كل يوم". فإنه "بجسد فانٍ واحدٍ يمكننا أن نقبل آلاف الميتات" يقول الذهبي الفم. الراهب متقبلاً كل يوم "موت الفلسفة"، يتابع "موت المعمودية"، وهكذا يواجه ويغلب "موت النفس"، فلا يعود بعد يخاف "موت الجسد".
انطلاقة محبة للآخرين:
الرهبنة والبتولية، كما يؤكد الذهبي الفم، ليست حركة وانطلاقة أنانية فهي ليست ابتعاداً عن ضجيج العالم للـ"الاستراحة"، على العكس الرهبنة هي "تجند" في الصف الأول من أجل جسد المسيح. لهذا قديسنا يشدّد أن أخطر الأمور هو أن يظن الراهب أنه يخلص وحده لوحده. في تقليدنا الأرثوذكسي لا يوجد خلاص فردي. خلاص المسيحي يتحدد بخلاص الآخرين وبمحبتهم، فهو ليس إلا مقتدياً بسيده المخلص يسوع المسيح.
صورة "الجندي" تساعد قديسنا كثيراً في توضيح طريقة الخلاص. فالجندي لا يخلص عندما يفرّ وإنما عندما يحارب في صفه مع الآخرين. جهل العذارى الخمس الجاهلات لم يكن إلا عدم اهتمامهن بالآخر "عدم الإحسان"، لا يخلص الهروب ولا الالتجاء إلى البرية في وقت "يضيع" فيه الآخرون. إذاً النسك عندما لا ينعكس على الآخرين والقريب لا معنى له. على كلّ، بالنسبة لفم الذهب "الآخر" يشكل اهتماماً وهمّاً وشغلاً للراهب. بالذات، كون الرهبنة، كما يشرحها قديسنا، ليست هروباً من العالم وإنَّما تحقيق للعالم الحقيقي، ملكوت الله، لهذا فالرهبنة ليست حركة أنانية وليست مطلباً فردياً لتلبية مشاعر تقى خاصة، وإنما قلب عالم المظاهر إلى عالم حقيقي، الشيء الذي ينعكس ليس على الراهب ذاته وإنما على كل "إنسان"، وأيضاً على كل الخليقة. كون الراهب "لا يتطلب ما لذاته" إذاً فهو يجاهد في سبيل "ما للقريب". هكذا تأخذ الرهبنة بعدها ومعناها العميقين الحقيقيين.
الذهبي الفم يعرض تقديمات الرهبنة وفضلها وضرورتها بطرق مختلفة. فقبل كل شيء شهادة راهب هي تقدمة لا تثمن أي شهاداته ومثاله في التغرّب والترفع عن أمور الدنيا وكل أكاذيب هذا العالم الحاضر، فهو "أليف السماويات" يصير مثالاً ضرورياً لنا "إلغاء الأرضيات"، فإنه قدوة "للعفة" و "التعفف" و"اللاقنية"، إنه بكلمة واحدة "تطبيق حي للكتاب". بعبارة أخرى هو "نور" وهدى، والأديار يشبِّهها قديسنا بـ "منارات" تضيء عالياً للمبحرين إلى الميناء جاذبين الجميع إلى هدوء المرافئ، مخلِّصين هكذا من الغرق كل من ينظر إليهم. الرهبان بحسب كلماته هم مثال وقدوة ملائكية، إنهم "حقاً قديسون" و "ملائكة بأشكال بشرية". فقط من هذه النظرة الإسخاتولوجية يمكننا أن نفهم اعتبار فم الذهب والأخلاقيات المسيحية عامة "الراهب رسولاً" حقاً. لهذا قديسنا لم ينقطع عن تشجيع المؤمنين به ونصحهم بزيارة الأديار. هناك حيث يُستضافون ويُقدم إليهم عمل الرحمة بوجهيه الكاملين، الوجه المادي والوجه الأسمى الروحي، طعام الجسد وطعام النفس. فالرهبان هم رسل لا يهتمون بخدمة الموائد بقدر ما يهتمون بخدمة الكلمة. الأديار بالنسبة له هي أسوار المدينة والرهبان هم بالتالي حراس سكانها.
لكي يقترب المرء من العالم، لا يعني أن عليه بالضرورة أن يتواجد في الأسواق. الحركة والخضم والضجيج الذي في العالم بغالبيته عقيم، فارغ وغير مثمر. والبرهان أيضاً أن الرهبان لهم أصدقاء كثر وإنهم قريبون من الناس، والحق أنه بقدر ما يبتعدون عن "العالم" نرى "الناس" يؤمّون الأديار ويطلبونهم. وكثرة أصدقائهم أيضاً تبرهن أنهم أقرب البشر إلى قلوب الناس.
تقدمة الراهب الأثمن هي "الصلاة". هذا هو دوره الفريد إنها الخدمة والرسالة الأعمق والأسمى التي يمكنها أن تُقدم للعالم. هذه "الصلاة" تجعل من الرهبان "الآباء" الفعليين لكل الناس، إنهم إذ ذاك أمثال موسى وداوود وبولس، أي أكثر من "آباء" أي "شفعاء". نعم إن الله يطيل بُعد أناته عن العالم كله بفضل "حياة البعض". فإن كان حتى اليوم لم يصر طوفان ثانٍ فهو يعود لوجود قديسين ولو قلائل.
الراهب هو بالعمق "الإنسان الذي بالنهاية يعطي للخليقة والكون معنى وهدفاً وغاية وأيضاً هو من يخلصها، كما خلصت مرة بنوح. الذهبي الفم لم يترك تلك الفرصة التاريخية للعام 387 عندما تشفع الرهبان بأهالي أنطاكية في لحظات كان قادتها وقوادها وسكانها قد فرّوا من تلك المدينة المرعوبة من تهديدات الإمبراطور. مشهد الرهبان في تلك المدينة عندما تركها أبنائها هو برهان قاطع عن محبة الراهب للناس وعن عمق حركته الرهبانية كحب للآخرين وأنهم يهتمون بقريبهم أكثر من اهتمامهم بأنفسهم.
من جهة أخرى، نستدل أيضاً أن طبيعة الرهبنة هي حركة محبة نحو الآخرين، كما هي في فكر أبينا فم الذهب، من تفضيله للكهنوت، بالذات لأنه من خلاله تنفتح للراهب فرص أكبر لتخليص آخرين. تفوّق الكهنوت على الرهبنة كامن أولاً في تلك النعمة السماوية والهبة المجانية، هبة الخدمة الملائكية الملوكية للأسرار الإلهية، وثانياً في أن الكاهن لا يَخلُص فقط وإنما يُخَلِّص. هنا يجب أن نتذكر أنه لم يوجد أب كنسي مدح بالكهنوت مثل الذهبي الفم. بالطبع مهمة تخليص الآخرين تفترض بديهياً قدرة الكاهن أن يَخلُص هو أولاً. تفضيل الذهبي الفم للكهنوت على الرهبنة يبنيه هو ذاته على رؤيته للكهنوت كاستجابة ثانية مثل استجابة بطرس على دعوة المسيح، "أتحبني؟! ارع خرافي". ومن ناحية أخرى فإن تردد الذهبي الفم نفسه، الذي يظهر في مقالاته "في الكهنوت" سببه بالذات هو محبته للآخرين، أي خشية أن يضر من يحب بسبب عدم استحقاقه.
ومع ذلك لا يغيب بعض الباحثين وأغلبهم غربيون، الذين يدَّعون بأن الذهبي الفم قد بدَّل موقفه ونظرته من الرهبنة. فبينما ظهر في كتاباته الأولى، التي كتبها وهو راهب، المدافع الأول عن الرهبنة وترس لها و سيف باتر من سيوفها، يدعون أنه بعد ممارسته لحياته الكهنوتية بدَّل نظرته إذ أصبح محارباً للرهبنة وموبّخاً لها ومكرّماً للكهنوت. هذه النظرية الغريبة والرؤية السطحية والفهم الساذج لمواقف قديسنا وكتاباته الواضحة لهدف الرهبنة ولمقصدها المنشود الذي هو محبة الآخرين وخلاصهم وليس الانطواء على الذات، قد غاب عن انتباه هؤلاء البحّاثين بينما هو يشكل منظار الأب القديس ومفتاح الدخول إلى فهم نصوصه ومواقفه. على كلّ إن الذهبي الفم هاجم بقساوة الكهنة أيضاً.
على كل حال، عن حرب الذهبي الفم الموجهة ضد الرهبان، في الحالات التي صدفت، لم تكن ضد الرهبنة لكن ضد "الهروب" من خدمة الآخرين لخدمة الذات، وحرْف الحركة الرهبانية من حركة محبة مسيحية للآخرين إلى حركة أنانية. فهو لهذا السبب عينه حارب وقاوم بعض الكهنة في القسطنطينية ورهباناً كسالى عند أبيه ومعلمه الراهب السوري الذي عاش عنده سنين رهبانيته الأولى. في كلتي الحالتين إن الكهنة والرهبان المقصودين بتوبيخاته كانوا مما رفضوا الدخول من "الباب الضيق" هكذا نفهم بعض عباراته عندما يفضل بها "إنساناً عادياً" عن "راهب كسول" لأن ما يخلص ليس البرية ولكن النسك.
الحدث أن الذهبي الفم أرسل في إرساليات تبشيرية رهباناً، أو أنه كان يرغب دوماً بحضور وتواجد الرهبان في مدينته، أو أنه وضع رهباناً على إدارة أعماله الإنسانية ومؤسسات أعمال الرحمة التي أقامها في أسقفيته، وأيضاً أنه شرطن كهنة في القسطنطينية من الرهبان، يعود ليس لتبديل فكرته عن الرهبنة أو إنقاص أو تغيير لكرامتها وأهميتها في فكره وإنما بالعكس، بالذات لمقدار الأهمية التي علقها على دور الرهبان المثالي والتعليمي، وإلى إيمانه العميق أن النسك وأعمال الرهبنة هي الشرط الأساسي والأول لأي عمل كهنوتي أو رعائي.
لا يوجد إذن في ذهن فم الذهب "تضاد" وتضارب بين العمل والنظريات بين الخدمة والرؤيا بين الـ praxis و الـTheoria . هو ذاته بقي طيلة حياته الكهنوتية والأسقفية راهباً. ولكن من الواضح أن عمل الكاهن لديه أسمى من عمل الراهب بقدر ما هو أصعب أيضاً، لأنه من الكاهن مطلوبة هي كل الفضائل الرهبانية والواجبات الروحية ذاتها أضف إلى ذلك الاهتمام بالكثيرين. الشيء الذي يجعل حياة الكاهن موت دائم وأكرم من ألف استشهاد.
يتبع>>>>

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر



رد مع اقتباس
المفضلات