الراهب:
وفي سنة 373 غضب والنس جاش على الأرثوذكسيين فأكره النساك على الخدمة العسكرية والمدنية. واعتبر بعض المسيحيين أن تقشفات النساك ضرب من الجنون. فضحك الوثنيون على الطرفين. فأخذت الكآبة في نفس يوحنا كل مأخذ. فعلم أحد أصدقاءه بهذا. فحض يوحنا أن يقيم كلامه حصناً يدرأ نار الاضطهاد فتردد يوحنا ثم أنشأ ثلاثة كتب في إطراء السيرة النسكية. لا تزال من أفضل ما صُنف في موضوعها.
ومن ثم ذهب إلى وادي العاصي وأوى إلى مغارة في الفترة ما بين (374-381). وعاد إلى أنطاكية بعد ست سنوات. مريض، فجسمه لم يقوى على التقشف. ورجليه أصبحتا ضعيفتين. يُخيل للناظر إليه أن لا لحم له ولا دم يجري في عروقه. ولم يدرِ وقتها أن الله افتقده لما رأى ثمره نضج وقد حان الوقت ليرفع صوته ويسطع نوره في أفق الكنيسة.
الشماس والكاهن والواعظ:
(381-398) كان القديس ملاتيوس قد عاد إلى أنطاكية في صيف 378. فلما أطل يوحنا على دارس الأسقفية ابتهج الجليل في القديسين ملاتيوس وجاء به ورسمه شماساً رغم معارضته. فأوكلت إليه مهمة مساعدة المحتاجين، فوزع الصدقات وزار المرضى والحزانى....
ودعي ملاتيوس لحضور المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية وترأس أعمله. واستطحب معه الكاهن فلابيانوس يمينه. ووكل السهر على شؤون الكنيسة إلى يوحنا. ثم توفي ملاتيوس أثناء انعقاد المجمع، فبكاه يوحنا. ثم أجمع الآباء الأنطاكيين على فلابيانوس خليفة للرسولين. فتوثقت المحبة بينه وبين يوحنا. وشرع يفكر في ترقية يوحنا إلى الكهنوت. ثم وضع يده عليه في كنيسة القديس بولس سنة 386. واحتشد يومها أهل أنطاكية مسيحيين ووثنيين. فملك يوحنا قيادتها بقداسته وفصاحته. فسعى لإصلاح المجتمع. وحرك الأغنياء أن يمدوا يد المعونة للكنيسة والتي بدورها راحت تبني المشافي والمآوي.
الذهبي الفم وعيد الميلاد:
يؤرخ لنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن كنيستنا الأنطاكية بدأت بالاحتفال بعيد الميلاد في أيامه. أخذة بذلك عن كنيسة رومة. فلمّا سيم قساً سنة 386 رأى من واجبه اقناع المؤمنين بأهمية هذا العيد المجيد. فوعظ في المؤمنين في العشرين من كانون الأول وتكلم عن عظمة عيد الميلاد لعظمة سر التجسد وقال: "لو لم يتجسد الرب يسوع المسيح لما كان صلب ولا أرسل الروح القدس. وما كنا نقيم عيد الغطاس ولا الفصح ولا العنصرة. فمن عيد الميلاد تولدت جميع الأعياد السيدية وتدفقت منه كما تدفق الأنهار من ينبوع واحد....". وعاد قديسنا إلى الوعظ في يوم عيد الميلاد فقال قولاً بليغاً وسجل لنا الأخبار المفيدة لتاريخ هذا العيد. فألمع إلى أننا لم نبدأ الاحتفال به قبل سنة 376 وأننا أخذناه من الغرب وقال: "ولئن كان ظهور هذا اليوم الشريف ومعرفتنا إياه من مدة لا تنيف على عشر سنوات... وقد كان معروفاً منذ البدء بين الشعوب القاطنين في الغرب ودخل بيننا حديثاً..."
ثورة أنطاكية:
كانت قد تلطخت حاشية ثيودوثيوس بالرشوة. وكتب ليبانيوس الفيلسوف إلى الامبراطور يقولا: "حكامك الذين تبعثهم إلى الولايات ليسوا سوى قتلة". وجاءت السنة 378 فشرعت الحكومة المركزية تتهيأ للاحتفال بمرور عشر سنوات على حكم الامبراطور وبإتمام السنة الخامسة لإشراك ابنه اركاديوس بالسلطة. ففرضت الضرائب لأجل هذا الاحتفال. فاستثقل الأنطاكيون هذه الترتيبات المالية الجديدة وتقدم أعيانهم إلى عامل الأمبراطور في أنطاكية يسألونه رفع هذا العبء. فلم يلتفت لسؤالهم. وأبدى جباة الضرائب عنفاً شديداً فأمسوا هدفاً للشتائم واللعان. واشتدت وطأة هذا الظلم على الفقراء. فأخذوا يتجولون في الشوارع وجعلوا يشتمون الامبراطور وأسرته. وحطموا تماثيلهم النحاسية ولا سيما الامبراطورة بلاكلَّة التي كانت قد غمرت الأنطاكيين بالإحسانات. فجروا تماثيلها في الأوحال والأقذار ثم كسروها قطعاً. واختبأ رجال السلطة في منازلهم وحذا حذوهم سائر الأعيان، فأمست المدينة في يد أهل الفوضى. فنهبوا ودمروا وخربوا. ثم أفاقوا فتأملوا مرتجفين وتوقعوا نزول العقاب فهجر بعضهم المدينة وهرب آخرون إلى الهضاب المجاورة.
وتقطر قلب فلابيانوس وخشيَ سطوة الأمبراطور وأشفق على خرافه من أن يؤخذ البريء بذنب الجريء. وقر قراره أن يطرق بابا الأمبراطور نفسه ويلتمس العفو منه بعد أن طلب منه ذلك القديس الذهبي الفم وترجاه. فسار في الشتاء وهو الشيخ الكهل مسرعاً ليسبق السعاة المنفذين لإنذار ثيودوسيوس بما جرى. فشخصت أعين الأنطاكيون إلى خليفته الذهبي الفم. فاقتدى هذا بأصحاب أيوب ولزم جنب الصمت سبعة أيان ثم أخذ يعزي نفوسهم مؤكداً حماية يسوع مذكراً ببلايا أيوب والفتيان الثلاثة الذين ظلوا يسبحون الرب في وسط أتون النار.
وبلغ ثيودوسيوس الخبر قبل وصول السعاة. فاستشاط غضباً وجزم بأن ينزع عن أنطاكية جميع امتيازاتها وينقل عاصمة المشرق إلى اللاذقية وأوفد إليها قائدين كبيرين هما الليبيكوس وقيصاريوس. فلما وصلا إلى أنطاكية في الثاني والعشرين من شباط سنة 378 أعلنا سقوط امتيازات أنطاكية وأقفلا الملاعب والمشاهد والميدان والحمامات. وشرعا ينقبان عن المجرمين. ووقعت الشبهات على كثيرين من وجهاء المدينة لتقاعسهم عن قمع الهيجان. فأوثقوا وطرحوا في السجون وحجز على أموالهم وطردت نساؤهم من بيوتهم ولم يجرؤ أحد أن يَقبلهن عنده خشية أن ينهم بمشاركة أزواجهن. فتولى الذهبي الفم التعزية بنفسه. وتذكر الذهبي الفم أن هناك أناس يعطون حياتهم بسهولة من أجل الرب، هؤلاء هم العائشون في البراري والجبال، المتوحدون. فالنساك هم خزانة عقيدة الرسل وتعاليمهم. والأمر الصعب في هذا هو العثور عليهم، إلا أن قديسنا نفسه كان متوحد ويعرف كيف يجد هؤلاء المصارعين الروحيين. فبعث رسالة إليهم يحثهم على الظهور في أنطاكية لتخليص أخوتهم من التعذيب والموت.
كيف انتشرت الرسالة؟! لا ندري. الذي نعرفه أن الخبر وصل إلى الجميع وبدأت تحركات المتوحدين نحو المدينة. جاء القديسون لنيقذوا من الموت أناساً لا يعرفونهم ولم يرونهم قط ولا تربطهم بهم إلا رابطة المحبة في المسيح. لقد أحبوهم حتى أنهم أتوا ليبذلوا حياتهم.
فكانوا أعظم من الملائكة، كانوا أبطالاً وملائكة، مجردون من الأشياء المادية ومسلحون بدرع الإيمان وخوذة الخلاص.
وكان أحدهم يدعى مكدونيوس. لا يعرفه أحد إلا أن اسمه كان معروفاً للجميع. هو أول من ظهر في أنطاكية. ورأى في الساحة العامة المرسلين الأمبراطوريين على حصانيهما. فاعترض طريقهما وأمرهما بالترجل وتكلم كمن له سلطان. وأمرهما بالرجوع عن أنطاكية إلى القسطنطينية وطلب إبلاغ رسالته إلى الأمبراطور بأنه كونه امبراطوراً لا يعطيه الحق اطلاقاً بقتل أي إنساناً واحداً. صحيح أن الأنطاكيين حطموا بعض التماثيل، وهذا غير مستحسن، إلا أن الأنطاكيين أنفسهم رفعوا كثيراً من التماثيل، تماثيل أجمل من التي تحطمت. هل يقدر الأمبراطور أن يعيد تكوين إنسان قتله؟ هل يقدر أن يعيد شعرة واحدة سقطت من رأس الرجل؟ إذا كان الأمبراطور لا يستطيع إعادة إنسان للحياة فإنه لا يحق له مطلقاً أن يقتل إنساناً. يجب على الأمبراطور أن يعيد السيف إلى غمده ويكفّ عن تقتيل الناس. كل إنسان مخلوق على صورة الله. كل إنسان نسخة عن الله. وقال مكدونيوس يجب أن يفهم الأمبراطور أنه لا يحق له أن يمحو من سفر الحياة ولا صورة إنسانية لأن الصورة الإنسانية هي نموذج عن صورة الله... وبعد أن انتهى من كلامه، ذهب. ووعداه بأنهما لا يمسان أحداً بسوء قبل أن يرفعا كلمته إلى الأمبراطور. إلا أن حماسهما قد خف في تبليغ الرسالة.
وقابل الذهبي الفم موقفة الأساقفة والنساك والرهبان في هذا الحادث الجلل بموقف كبار الوثنيين. فقال في إحدى مواعظه ما معناه: أين هم الآن أولئك الرجال أصحاب الطيالس الطويلة واللحى العريضة الذين كانوا يتمشون شامخي الأنوف في الأندية العمومية وفي يدهم عصاً! أين هم في ساعة الأحزان والذعر؟ لقد هجروا المدينة عند حلول الخطر وفروا إلى المغاور والأودية إخفاء لعار ضعفهم. ولم يأتِ لإغاثة الشعب في ضيقه إلا محبو الحكمة الحقيقية حكمة الصليب هؤلاء النساك مستودعو كنز تعليم الرسل وورثة غيرتهم وشجاعتهم. وكفي بالحوادث صوتاً يفحم كل خصم - نخبة النخب 29.
ووصل فلابيانوس إلى القسطنطينية وهرع إلى البلاط. وكان قد عانى من التعب أشده. فلما أبصره ثيودوسيوس تصدع قلبه أسفاً فذكر الامتيازات والإحسانات التي غمر بها أنطاكية وقال أهذا هو عرفان الجميل؟ فردّ عليه الأسقف الشيخ بخطاب طويل. وأفضل ما جاء فيه قوله: "إني لست فقط رسول شعب أنطاكية بل أيضاً سفير الله، أتيت باسمه أُنبئك أنك إن غفرت للناس سيئاتهم وهفواتهم غفر لك أبوك السماوي مساوئك وزلاتك.... فبمثل ما تحكم الآن يحكم عليك...."
وعاد فلابيانوس إلى أنطاكية حاملاً العفو المنشود واحتفل بعيد الفصح المجيد فانبرى الذهبي الفم يرد آيات الشكر والتسبيح لأن شعب أنطاكية كان ميتاً فعاش وضالاً فوجد.


يتبع>>>