الأعضاء الذين تم إشعارهم

You cannot rate threads
0
 
النتائج 1 إلى 10 من 218

الموضوع: السنكسار اليومي { تم فهرسة السنكسار - انظر المشاركة الأولى }

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية MM
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    الحالة: MM غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي (18 كانون الثاني)

    [FRAME="11 70"]
    (18 كانون الثاني)

    *القديسان كيرلّس وأثناسيوس بطريركا الإسكندرية *


    القديس أثناسيوس الكبير معلم المسكونة
    (+373م)
    ولادته ونشأته:
    كانت ولادة القديس أثناسيوس في حدود العام 295 م. ربما في مكان ما بقرب مدينة الإسكندرية، مما يفسر إلفته بآباء البرية وتعلقه بهم.

    علمُهُ وثقافتُهُ لا نعرف الكثير عنهما, يبدو أنه لم يتثقف ثقافة اليونانيين نظير كبار القديسين كباسيليوس الكبير والذهبي الفم وغريغوريوس اللاهوتي.الكنيسة تعلمها بشكل خاص من الكنائس المقدسة, من المعلمين المسيحيين وأوساط المؤمنين والدوائر الأسقفية في الإسكندرية حيث يبدو أنه انضم حدثاً إلى حاشية القديس ألكسندروس أسقف المدينة.

    بعض ملامحه:
    كان نحيف البنية، قصير القامة. أعداؤهُ دعوه قزماً. وكان معقوف الأنف، صغير الفم، ذا لحية قصيرة محمرة تميل إلى السواد وعينين صغيرتين.... وقد اعتاد أن يمشي بانحناءة بسيطة إلى الأمام ولكن برشاقة وكأنه أحد أمراء الكنيسة.

    اشتراكه في مجمع نيقية:
    دعي القديس أثناسيوس في مجمع نيقية المنعقد عام 325م, بدعوة من الملك قسطنطين الكبير, لتحديد موقف الكنيسة الجامعة من بعض الهرطقات. والأفكار الجديدة التي دخلت إلى المسيحية, ومن أهمها تعليم آريوس حول الابن الكلمة يسوع المسيح. وقد مثَّل أثناسيوس في هذا الاجتماع أسقف الإسكندرية ألكسندروس وكان وقتئذٍ رئيس شمامسة. كان الأبرز في الرَّد على آراء آريوس والتصدي لحججه وتبيان عطبها. حيث بيَّن أن كلمة الله مولود ولكنه غير مخلوق لأنه نابع من جوهر الآب لا من مشيئته.

    هو منهُ كشعاع من الشمس. ليس فقط أن كل ما للابن هو للآب بل كل ما للآب هو للابن أيضا. كل ملء اللاهوت في الابن كما في الآب.الواحد لا ينفصل عن الآخر. من رأى الابن فقد رأى الآب . ليس الآب من دون الابن ولا الابن من دون الآب. كما الضوء و الشعاع واحد, الآب والابن واحد لذلك لم يكن هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودا. وإذا كان الآب والابن واحداً فالآب مميز عن الابن والابن مميز عن الآب. هكذا وبهذه التعابير استطاع أثناسيوس أن يدحض إدعاء آريوس بأنه لأنَّ الابن مولود, هذا يعني أنه مخلوق من نتاج مشيئة الآب السماوي.
    الموضوع بالنسبة للقديس أثناسيوس كان موضوع الخلاص برمَّتِهِ. قول آريوس يتعدى كونه مجرَّد رأي لأن قبوله معناه ضرب المسيحية في الصميم. فلا مجال للمساكنة أو المهادنة. أثناسيوس وعى دقَّة المسألة وخطورتها حتّى العظم, فأتت حياتُهُ, في كلِّ ما عانى على مدى ست وأربعين سنة, تعبيراً عن تمسُّك لا يلين بكلمة حق الإنجيل و الإيمان القويم.

    أثناسيوس بطريرك:
    بعد مجمع نيقية سام ألكسندروس أسقف الاسكندرية أثناسيوس كاهنا وسلَّمه مقاليد الإرشاد والوعظ وشرح تعاليم المجمع النيقاوي. ثمَّ بعد ثلاث سنوات رقد ألكسندروس (328م) فاختير أثناسيوس ليحلّ محلّه كان في الثلاثين يوم ذاك. رفض أثناسيوس منصبه كأسقف وهرب إلى أحد الأديرة لكنه رضخ فيما بعد للأمر الواقع.

    أولى مهام أثناسيوس كرئيس أساقفة على الإسكندرية وتوابعها, كانت استعادة الوحدة والنظام في أبرشيته الواسعة التي عانت لا من الهرطقة الآريوسية وحسب بل من جماعة ملاتيوس المنشقة أيضا. وكذلك من الانحلال الخلقي وانحلال الانضباط الكنسي. وعلى مدى سنوات جال أثناسيوس في كل الأنحاء المصرية حتى الحدود الحبشية, يسيم الأساقفة ويختلط بالمؤمنين الذي اعتبروه إلى النهاية أباً لهم. كما تفقد الأديرة حتى التي في برية الصعيد وأقام لبعض الوقت في دير القديس باخوميوس.

    نفي القديس أثناسيوس:

    النفي الأول
    انفجر الصراع مع الآريوسية من جديد وعلى أخطر مما كان قبل مجمع نيقية. وأخذ الآريوسيون يحيكون المكائد ضد البطريرك أثناسيوس إلى أن استطاعوا نقل الصراع من المستوى اللاهوتي إلى السياسي وهكذا استطاعوا أن يقنعوا قسطنطين الملك أن أثناسيوس يسيء إلى سياسة وأمن الدولة. فبان موقف أثناسيوس ضعيفاً أمام الملك قسطنطين الذي لم يرد أن يبتَّ في أمر أثناسيوس بصورة نهائية فأبقى عليه أسقفا للإسكندرية لكنَّه حكم بنفيه إلى (تريف) عاصمة بلاد الغال (فرنسا) حيث بقي إلى أن رقد قسطنطين في أيار 337م .

    في غضون سنة وفاة قسطنطين عاد أثناسيوس إلى كرسيه. القديس غريغوريوس اللاهوتي كان حاضرا ووصف ما جرى. كل الإسكندرية استقبلتهُ مشى على السجّاد اشتعلت أمام البيوت قناديل الزيت وصدحت المدينة بالعيد والتمجيد (لا شيء يفصلنا عن المسيح) هكذا علَّق أثناسيوس. الصلاة والعبادة اجتاحت مدن مصر في حركة عفوية جامعة شاملة, وفي طفرة الحماس مئات وآلاف الإسكندرانيين خرجوا ليترهبوا. الجياع أُطعموا, اليتامى احتضنوا. واستحال كل بيت ودير كنيسة. ومع ذلك وفي اقل من ثلاث سنوات 340م عاد أثناسيوس إلى المنفى من جديد بعد أن تسلم قسطندينوس ملك على آسيا وسوريا ومصر نتيجة لتقسيم الإمبراطورية البيزنطية إلى ثلاث ولايات توزعت على أولاد قسطنطين بعد وفاته. قسطنديوس كان يميل إلى الآريوسية لذلك عمد إلى نفي أثناسيوس من جديد.

    النفي الثاني:
    بقي أثناسيوس في المنفى ست سنوات تلك كانت سنوات مخصبة أخذ يتنقل في الغرب بحرية كان محترماً ومقدراً من الجميع وعظ, خاطب الأساقفة, علَّم عن نيقية. وقيل كتب آنذاك سيرة القديس أنطونيوس الكبير التي كان لها أثر بارز على الغرب وعلى شيوع الرهبنة فيه. وفي 342م عقد مجمع في الغرب بدعوة من يوليوس, زكى فيه الإيمان النيقاوي ودعم أثناسيوس معترفا فيه أسقفا على الإسكندرية دون غيره مما دفع الآريوسيين إلى عقد مجمع ضد المجمع المنعقد في رومية ووضعوا دستور إيمان جديد ووضعوا تدابير وقوانين تحول دون عودة أثناسيوس إلى كرسيه. على هذا بدا العالم المسيحي مقسما إلى غرب أرثوذكسي وشرق يرزح تحت نير الآريوسية. أخيرا سنة 345م اندلعت الثورة في الإسكندرية وقُتل غريغوريوس المغتصب. وإذ تنبه قسطنديوس إلى خطر اندلاع حرب أهلية هناك تراجع وسمح لأثناسيوس بالعودة, فعاد خلال عام 346م وقيل 348م.

    النفي الثالث:
    بعد وفاة قسطنديوس تولى يوليانوس الوثني الجاحد ولاية آسيا وسوريا ومصر ، هذا عمد على إرجاع الأساقفة الأرثوذكسيين الذين كانوا في النفي بعد أن أبعدهم قسطنديوس بعد أن رفضوا الخضوع لآرائه الآريوسية. إلى ديارهم أملا في تأجيج الصراع بين الأرثوذكسيين والآريوسيين ومن ثم إضعافهما معا لتقوية الوثنية على حسابهما وتعود إلى الواجهة من جديد. ومن بين الذين عادوا في 21 شباط عام 362م كان أثناسيوس الذي اختبأ متخفيا لمدة 6 سنوات بعد أن هرب من وجه الجنرال سريانوس الذي حاول قتله وهو يرأس قداس إلهي في كنيسة القديس ثيوناس في الإسكندرية بعد أن رفض تسليم سلطاته إليه. ولكن لما رأى يوليانوس أن خطته في إضعاف الأرثوذكسية باتت خاسرة عمد إلى نفي أثناسيوس مرة أخرى.

    النفي الرابع:
    بين شباط وخريف عام 362م حقق القديس أثناسيوس نجاحات مختلفة حتى أنه بدا لناظريه كلولب لتوحيد الكنيسة. هذا أقلق يوليانوس الجاحد, وحتّى لا يفسح لأثناسيوس بالمزيد من المجال لإفساد خططه عليه اتخذ في حقه تدابير احترازية, ثم أنذره بمغادرة الإسكندرية حال تسلمه إشعارا بذلك وإلا فإن عقاباً صارماً سوف يتخذ بحقه. لم يجد قديسنا أمامه خياراً غير الإنسحاب من الإسكندرية فتركها في تشرين الأول 362م.

    النفي الخامس:
    بعد يوليانوس الجاحد تولى الحكم الإمبراطور جوفيانوس الذي كان أرثوذكسياً. هذا ثبَّت أثناسيوس على كرسيه في الإسكندرية وعامله بإجلال كبير. لكنَّ عُمر جوفيانوس كان قصيرا حيث توفي في أوائل عام 364م وتولى الحكم بعده والنس الآريوسي الذي بادر في عام 367م إلى نفي الأساقفة الأرثوذكس ومن بينهم أثناسيوس.

    وفاة القديس أثناسيوس :
    بعد أن نفى والنس أثناسيوس مع غيره من الأساقفة سنة 367م اهتاجت مصر فتوجّس والنس خيفة وأمر باستعادة أثناسيوس. فعاد هذه المرّة ليبقى. ساس قديسنا رعيَّته بسلام إلى أن رقد في الرب في 2 أيار علم 373م. جملة سنواته أسقفاً كانت 46 سنة قضى عشرين منها في المنفى.

    بعض ما قيل في القديس أثناسيوس:

    قال عنه القديس غريغوريوس اللاهوتي:
    "إن الله به حمى الإيمان الأرثوذكسي وحفظه في حقبة من أشد الحقب التاريخية".

    " إذا كنت أثني على القديس أثناسيوس فإنما أثني على الفضيلة ذاتها لأنه حوي كل أنواع الفضائل كان عمود الكنيسة ولا يزال مثال الأساقفة, ليس إيمان أحد صادقا إلا بمقدار ما يستنير بإيمان أثناسيوس".

    وعن كتاباته قال يوحنا موخوس في القرن 6 م "إذا وجدت مقطعا للقديس أثناسيوس ولم يكن لديك ورق لتنقله فاكتبه على ثيابك".

    طروبارية باللحن الثالث
    لقد تلألأتما بأفعال استقامة الرأي، وأخمدتما كل رأي وخيم، فصرتما منتصرين لابسَي الظفر، وإذ قد أغنيتما الكل بحسن العبادة، وزينتما الكنيسة بزينة عظيمة، وجدتما باستحقاق المسيح الإله مانحاً الجميع بصلواتكما الرحمة العظمى.

    قنداق باللحن الرابع
    يا رئيسَي كهنة حسن العبادة المعظمين، والمناضلين عن كنيسة المسيح الشجاعين، أحرسا جميع المرتلين: خلص أيها الرؤوف جميعَ الذين يكرمونك بإيمانٍ.
    [/FRAME]

  2. #2
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية MM
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    الحالة: MM غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي (19 كانون الثاني)

    [FRAME="11 70"]
    (19 كانون الثاني)


    * القديسان مرقس المعترف أسقف أفسس ومكاريوس المصري البار *


    * القديس البار مكاريوس الكبير المدعو المصري *
    (+391م)

    ألقابه واسمه:
    ألقاب عديدة أسبغها المهتمّون على القديس مكاريوس. قالوا إنه "اللابس الروح" وقالوا إنه "المصباح المضيء" وقالوا إنه "الشاب الحكيم". اعتبروه بمثابة نبي ومخيف للأرواح المضلّة ورفيق للشاروبيم من البداية إلى النياحة. تسربل التواضع كالثوب وكان وجهه يلمع كالشمس أحياناً وكان رسول زمانه كبطرس وبولس. اسمه، مكاريوس، يعني المطوّب، وأصله قبطي هو مقار (بكسر الراء) ويفيد الصدق والأمانة. جعل العرب اسمه مقاره.

    نشأته:
    ‏ولد القديس مكاريوس المصري في قرية تدعى شبشير في مركز المنوفية في مصر قرابة العام 300‏م. دعي بالمصري لأنه من إقليم مصر الذي هو منف أو الجيزة الحالية. نشأ على التقوى واقتنى إحساساً مرهفاً بالخطيئة. يحكى عنه أنه سرق هو وبعض الصبية من وفاقه أكوازاً من التين وأكل واحداً منها. فلما عاد إلى نفسه ندم ندماً شديداً، وقيل ذكر فعلته وبكى عليها بمرارة إلى آخر حياته. عمل راعي بقر وقيل جمّالاً. استهوته الرهبنة فاعتزل في قلاّية في قريته. انصرف إلى النسك والصلاة. وإذ رغب مواطنوه في جعله كاهناً لهم فرّ إلى قرية أخرى.

    إلى الإسقيط:
    ‏فيما كان مكاريوس جاداً في سعيه الرهباني، في موطنه الجديد، إذا بتجربة تحلّ به. فتاة سقطت في زنى. فلما بان حبلّها سألوها عن الذي عرفها فقالت: المتوحّد! فخرجوا إليه واستهزأوا به ولفّوا به القرية بعدما علّقوا في عنقه قدوراً قذرة وآذان أجرار مسودّة وهم يضربونه ويقولون: هذا الراهب أفسد عفّة ابنتنا! وبعدما بالغوا في شتمه وضربه جعلوه يتعهّد بالإنفاق عليها وعلى مولودها. كل هذا وهو لا ينطق بكلمة واحدة يدافع بها عن نفسه. فلما عاد، بالجهد، إلى قلاّيته قال في سرّه: "كدّ يا مكاريوس لأنه قد صارت لك امرأة وبنون. فينبغي لك أن تعمل ليلاً نهاراً لتطعمهم وتطعم نفسك".

    ‏فلما أقام ردحاً من الزمان يكد ويتعب، حان وقت وضع الفتاة فتعسّر. وبعدما مكثت معذّبة أياماً لا تلد شعرت بأن ما حدث لها كان لافترائها على المتوحّد، فاعترفت أنه بريء وأن فلاناً الرجل هو الذي خدعها. فخرج سكان القرية ليستسمحوا القدّيس. وقبل أن يصلوا إليه أطلعه خادمه على ما جرى وأن أهل القرية في طريقهم إليه. فقام لتوّه وهرب إلى برية الإسقيط، فكان أول ساكن لها. عمره، يومذاك، كان ثلاثين سنة.

    ‏أب لرهبان كثيرين:
    ‏بنى مكاريوس لنفسه قلاّية غربي الملاّحات. هناك قسى على نفسه وعبّد ‏الله بكل قوّته. أخذ يضفر الخوص ويعيش من عمل يديه. فلما سمع به قوم حضروا إليه فاستهوتهم عيشته وسألوه أن يكونوا معه فأذن لهم وصار لهم أباً مرشداً يلبسهم الزيّ ويرشدهم إلى طريق العبادة.

    ‏لم يصر راهباً بعد:
    ‏سأله بعض الشيوخ مرة في جبل نيتريا أن يقول للإخوة كلمة تنفعهم ‏فأجاب: أنا لم أصر بعد راهباً، لكني رأيت رهباناً. ثم أخبرهم أنه فيما كان يوماً في الإسقيط جاءه فكر يدعوه للذهاب إلى البرّية الداخلية. فلما ألحّ الفكر عليه مضى إلى هناك فصادف بحيرة ماء وفي وسطها جزيرة عليها وحوش وبين الوحوش رجلان عاريان فجزع منهما ظاناً أنهما روحان. فلما لاحظاه طمأناه وأخبراه عن نفسيهما. وإذ سألهما كيف يصير راهباً، أجاباه: ما لم يزهد الإنسان في كل أمور العالم فلن يستطيع أن يصير راهباً. فقال لهما: أنا إنسان ضعيف ولا أستطيع أن أكون مثلكما فأجاباه: إن لم تستطع أن تكون مثلنا فاجلس في قلاّيتك وابكِ على خطاياك!

    تواضعه:
    ‏‏وحدث أن كان مكاريوس، مرة، عابراً في الطريق وهو يحمل الخوص وفي يده منجل. فالتقاه الشيطان وانتزع المنجل من يده وأراد قطعه به، فلمّا يفزع، بل قال: إن كان السيّد المسيح قد أعطاك سلطاناً عليّ فها أنا‏مستعد لأن تقتلني. فلم يستطع الشيطان أن يفعل ضدّه شيئاً، فقال له: "يا مكاريوس! أنت تطرحني أرضاً بقوة عظيمة ولا أتمكّن منك. كل ما تعمله أعمله أنا أيضاً. أنت تصوم وأنا لا آكل أبداً. أنت تسهر وأنا لا أنام أبداً. شيء واحد تغلبني به: تواضعك! من أجل هذا لا أقدر عليك". فرفع مكاريوس يديه للصلاة فتوارى الشيطان للحال.

    ‏وذكروا أن تلاميذه كانوا يدنون منه بخوف لأن توقيرهم له كان كبيراً. وإذ كان يراهم على هذه الحال كان يمتنع عن محادثتهم. أما إن أتاه إنسان وكلّمه بكلام قاس أو سخر منه أو غضب عليه فإنه كان، إذ ذاك، يجد للكلام جدوى فيجيب عن كل سؤال يُوجَّه إليه.

    ‏كذلك كثيراً ما كان مكاريوس يسترشد لدى من هم أصغر منه. قابل صبياً، مرة، يرعى البقر، فسأله: قل لي يا صبي ماذا أعمل، فأنا جائع؟ فقال له: كلْ! فقال: أكلت وما زلت جائعاً! فقال له: كل من جديد! فقال: أكلت وما زلت جائعاً! فأجاب الصبي: لا شك إنك حمار يا راهب لأنك تأكل كما يأكل الحمار. فانصرف مكاريوس منتفعاً.

    ‏انكفاءه وتقشفه:
    ‏كان مكاريوس معروفاً جداً. لذلك كثيرون كانوا يقصدونه ليتبرّكوا منه. ولكي يحفظ نفسه في هدوء، حفر في قلاّيته سرداباً امتد نصف ميل هيّأ في نهايته، لنفسه، مغارة صغيرة اعتاد الخلود إليها كلّما زحمه الناس وثقّلوا عليه. ومن حبّه للصمت وحرصه عليه، قال لتلاميذه: فرّوا يا إخوة! فأجابوه: إلى أين؟ ‏إلى أبعد من البرّية؟ فوضع يده على فمه وقال: من هذا فرّوا! وقال لهم: متى رأيتم الأشجار تُغرس بجوار الأبواب والشبّان يقيمون في الإسقيط فاحملوا أمتعتكم وارحلوا.

    ‏وذكروا أن مكاريوس كان لا ‏يمتنع عن شرب النبيذ متى قدّم له أحد الإخوة بعضاً. لكنه أخذ على عاتقه أن يصوم عن شرب الماء يوماً مقابل كل كأس خمر يشربها. فلما عرف الإخوة بقانونه امتنعوا عن تقديم النبيذ له لئلا يعذّب نفسه بالعطش.

    ‏وقيل إنه بينما كان القديس سائراً في البريّة، مرة، وجد بقعة جميلة ‏كفردوس الله وفيها ينابيع ماء ونخيل وأشجار متنوعة الأثمار. فلما أخبر تلاميذه عنها طلبوا الإقامة فيها فأجابهم: إن وجدتم لذّة وراحة في ذلك المكان وعشتم من دون تعب وضيق، فكيف تتوقّعون الراحة واللذّة من الله؟ أما نحن، معشر الرهبان، فيليق بنا أن نحتمل الآلام من أجل المسيح، في هذا الدهر، لنتمتّع بالسرور في الدهر الآتي. ولما قال هذا سكت الإخوة وامتنعوا.

    حكمته:
    ‏توّجه القديس مكاريوس، مرة، برفقة تلميذ له إلى جبل نيتريا. فلما ‏اقتربا من أحد الأمكنة، قال لتلميذه أن يتقدّمه قليلاً. فما أن ابتعد التلميذ عن معلّمه قليلاً حتى التقى كاهناً وثنياً يحمل بعض الأخشاب، فصرخ التلميذ في وجهه قائلاً: "يا خادم الشيطان، إلى أين تجري؟ "فاغتاظ الكاهن وانهال على التلميذ بالضرب حتى كاد يقضي عليه، ثم تركه ومضى. فلمّا تقدّم قليلاً التقى مكاريوس فبادره القديس بالقول: "لتصحبك المعونة يا رجل النشاط! ‏فتعجّب الكاهن وأتى إليه وسأله: أي شيء جميل رأيته فيّ حتى حيّيتني على هذا النحو؟ فأجابه الشيخ: "إني أرى أنك تكدّ وتتعب وإن كنت لا تدري لماذا؟" فتأثّر الكاهن وقال للشيخ: الآن عرفت أنك رجل الله ولست كذلك الراهب الشرّير الذي لعنني فضربته ضرب الموت. فعرف الشيخ أنه تلميذه. وإذ أمسك الكاهن الوثني بقدمي مكاريوس رجاه أن يرهبنه فوعده خيراً. ثم سار الاثنان إلى حيث كان التلميذ مطروحاً مغشياً عليه فأعاناه وأتيا به إلى كنيسة الجبل. بعد ذلك أخذ القديس الكاهن الوثني وجعله راهباً. وبفضله اهتدى العديد من الوثنيّين إلى المسيح. تعليق مكاريوس كان: "الكلمات ‏الشرّيرة المتكبّرة تحوّل الأخيار إلى أشرار، والكلام الطيّب المتواضع يحوّل الأشرار إلى أخيار".

    ‏وذكروا عنه أيضاً أن أخاً يدعى ثيوبمبتوس كان مجرّباً بأفكار الزنى وكان يخجل أن يتكلّم عنها. فدرى القدّيس بأمره وجاء إليه وسأله: "هل عندك شيء تقوله يا أخي؟ كيف أحوالك؟" فأجاب الأخ: "أموري حسنة في الوقت الحاضر!" فقال الشيخ: "ها أنا قد عشت في نسك شديد سنين طويلة وصرت مكرّماً من الجميع. ومع ذلك، ورغم إني شيخ، فإن شيطان الزنى يتعبني!" فأجاب ثيوبمبتوس: "صدقني يا أبي، إنه يتعبني أنا أيضاً!" فتابع الشيخ كما لو كان متعباً من أفكار كثيرة إلى أن قاد الأخ أخيراً إلىالاعتراف بما يثقّل عليه. فأعطاه مكاريوس قانوناً فالتزمه واستراح.

    ‏محبته:
    ‏زار مكاريوسُ أحدَ الإخوة وكان مريضاً. فسأله إذا كان بحاجة إلى شيء. فأجاب: بحاجة إلى خبز طري. فسار مكاريوس ستين ميلاً إلى الإسكندرية وأحضره له.

    تشبّهه بخالقه:
    ‏كان في بعض القلالي أخ اتُهم بالزنى فلم يستطع الإخوة أن يصبروا عليه وأدانوه. وكانوا يترصّدون خطواته. مرة، لاحظوا امرأة تدخل إليه فأوقفوا بعضاً لمراقبته ثم جاؤوا إلى القديس مكاريوس وأخبروه. فكان جوابه الفوري: "لا تصدّقوا يا إخوة. حاشا لأخينا المبارك أن يفعل هذا!" فدعوه إلى التأكد من ذلك بنفسه. فأتى إلى قلاّية الأخ كما ليسلّم عليه. فلما علم الأخ بقدومه تحيّر وارتعد وخبّأ المرأة في الصندوق. فلما دخل القديس جلس على الصندوق ودعا الإخوة إلى الدخول فدخلوا وفتّشوا فلم يجدوا أحداً ولم يجرأوا على سؤال الشيخ أن يبتعد عن الصندوق ليروا ما إذا كانت فيه. وهكذا عادوا خائبين. فلما انصرفوا أمسك القديس بيد الأخ وقال له: "احكم على نفسك، يا أخي، قبل أن يحكموا عليك لأن الحكم لله!" ثم ودّعه وخرج. فلما وجد مكاريوس نفسه وحيداً في الخارج جاءه صوت يقول له: "طوباك يا مكاريوس، رجل الروح، يا من تشبّه بخالقه، وستر العيوب مثله!" ثم أن الأخ عاد إلى نفسه وتاب عن غيِّه وصار مجاهداً وبطلاً شجاعاً.
    ‏وسأله آخر، مرة، أن يقول له كلمة منفعة فأجاب: "لا تصنع شرّاً بأحد ولا تدن أحداً. احفظ هذين الأمرين فتخلص".

    عدم القنية:
    ‏اهتم مكاريوس بتدريب تلاميذه على عدم حبّ القنية. دخل، ذات مرة، بستان راهب كان يقيم بالقرب منه وأخذ يقلع البقول من الأصول. فلم يضطرب الراهب ولا حرّك ساكناً. وإذ أتى القديس على كل البقول إلا واحدة بادره الراهب ببساطة قلب: إن شئت يا أبانا فاترك هذه ليكون لنا أن نبذر منها! عندئذ علم الشيخ أن هذا الراهب خالص عند الله وليست الزراعة له قنية، فقال له: لقد استراح روح الله عليك يا ولدي! ثم التفت إلى أخ رافقه وقال له: لو حزن على النبات لبان عليه وأنا أقلعها، ولكنها كانت عنده كلا شيء. هكذا يعرف الشياطين إذا كانت محبّة القنية فينا.

    جزاء من يكفرون:
    ‏ومرة، أثناء سيره في البريّة الداخلية، صادف جمجمة إنسان فحرّكها بعصاه وبدأ يبكي متضرّعاً إلى الرب الإله أن يعرّفه بقصة صاحبها. فخرج منها صوت يقول له: أعلمك إني كنت ملكاً لهذه الأماكن، وكانت هنا مدن كثيرة، وكنا نعبد الأصنام وندعوها آلهة ونعمل لها أعياداً واحتفالات. وها أنا اليوم كما ترى! فازداد مكاريوس بكاء وسأل: وما حالكم اليوم؟ فأجاب: نحن في عذاب مرّ لأننا لم نعرف الله. لكن عذابنا أخفّ من عذاب الذين عرفوا الله و آمنوا به ثم جحدوه.

    أية صلاة؟
    ‏راهب اسمه بولس كان يعمل أقل ما يمكن لسدّ حاجة نفسه، وبقية وقته كان يقضيها في صلاة مستمرة. صلواته جاوزت الثلاثمائة كل يوم حسب ترتيب الصلوات آنذاك. هذا التقاه مكاريوس فوجده حزيناً فسأله عن سبب تكدّره، فأجابه: سمعت عن عذراء تتلو خمسمائة صلاة في اليوم فاحتقرت نفسي. فقال له الشيخ: لقد عشت في الحياة النسكية ستين سنة وأنا أتلو كل يوم خمسين صلاة واستقبل الإخوة الذين يأتون إليّ وأعمل ما فيه كفايتي. ولا يلومني عقلي إنني مقصِّر من جهة الله. فهل أنت الذي تصلّي كل هذه الصلوات تُدان من أفكارك؟‏! ربما لا تقدّم هذه الصلوات بنقاوة أو لعلّك قادر على أن تعمل أكثر ولا تعمل.

    أدوات الشيطان:
    ‏أثناء سير مكاريوس، مرة، في أقصى البريّة التقى شخصاً هرماً يحمل حملاً ثقيلاً حول جسده. وكان الحمل عبارة عن أوعية في كل منها ريشة وكان لابساً إيّاها عوضاً عن الثياب. فتعجّب مكاريوس من منظره وسأله باسم الرب أن يقول له من هو وما هذه الأدوات التي يحملها. فأجاب الهرمبغير اختياره: أنا من يقولون عنه إنّه شيطان محتال. وهذه الأوعية هي ما أجتذب الناس به إلى الخطيئة مقدِّماً لكل عضو من أعضائهم ما يناسبه من الخديعة. فإذا أردت أن أُضلّ من يقرأ نواميس الله وشرائعه أدّهنه من الوعاء الذي على رأسي. ومن أحب السهر في الصلوات والتسابيح أخذت من الوعاء الذي على حاجبيّ ولطّخت به عينيه لأجعل عليهما نعاساً ونوماً. والأوعية الموجودة على مسامعي معدّة لعصيان الأوامر. والتي عند أنفي اجتذب بها الشبّان إلى اللذّة. والتي عند فمي اجتذب بها النسّاك إلى الأطعمة أو أشدّهم إلى الوقيعة والكلام القبيح. من كان راغباً وزّعت عليه بذار أعمالي. ومن كان متّكلاً على نفسه جعلته يتعالى بالأسلحة التي في عنقي. أما التي عند صدري فمخازن أفكاري أُسكر بها الفكر وأصرف الصالحات من الأذهان. أما الموجودة عند جوفي فمملوءة من عدم الحس. أما التي تحت بطني فأسوق بها الراغبين إلى سائر ضروب الزنى والفسق واللذّات القبيحة. والتي على يديّ فمعدّة للضرب والقتل. والتي وراء ظهري مخصّصة لنصب الفخاخ للذين يقاومونني. والتي على قدميّ فللعثرات أعرقل بها طرق المستقيمين. وبعدما قال هذا صار دخاناً واختفى.

    حسد الشيطان:
    ‏جاء كاهن وثني إلى مكاريوس، يوماً، فسجد أمامه وسأله أن يعمِّده ويرهبنه. فتعجّب القديس وسأله كيف يريد أن ينضمّ إلى المسيح من دون وعظ، فأجاب: كان لنا عيد عظيم وما زلنا نصلّي إلى منتصف الليل حتى نام الناس. فجأة رأيت داخل أحد هياكل الأصنام ملكاً عظيماً جالساً وحوله كثيرون. فأقبل إليه واحد من غلمانه وأخبره أنه آت من المدينة الفلانية وقد نجح في جعل ‏كلمة صغيرة في قلب امرأة رشقت بها امرأة أخرى فلم تحتملها فأدّى ذلك إلى شجار كبير بين الرجال أودى بحياة الكثيرين في يوم واحد. فقال الملك لأعوانه: أبعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً!

    ‏ثم تقدّم غلام ثان وأخبر أنه آت من بلاد الهند حيث وجد داراً تحترق، فوضع في قلب أحد الأشخاص أن يتّهم آخر وشهد عليه كثيرون بالزور. فقال الملك: أبعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً!

    ‏ثم تقدّم ثالث وأخبر كيف أنه تسبّب في حرب بحرية غرقت على أثرها عدة سفن. فقال الملك: أبعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً!

    ‏ثم تقدّم رابع وخامس وسادس وأخبروا بما عندهم فلم يسرّ الملك بأي منهم وأمر بإبعادهم جميعاً لأنهم لم يعملوا شيئاً!

    ‏أخيراً تقدّم غلام وقال إنه آت لتوّه من الإسقيط وقد قاتل راهباً واحداً أربعين سنة فصرعه لتوّه وأسقطه في الزنى. فلما سمع الملك بالخبر انتصب وقبّله ونزع التاج عن رأسه وألبسه إيّاه قائلاً: حقاً لقد قمت بعمل عظيم! ‏وتابع كاهن الأصنام قائلاً: فلما رأيت أنا كل ذلك، وقد كنت مختبئاً في الهيكل، أدركت عظم الرهبنة فخرجت وجئت إليك.

    تضاهياته في السيرة:
    ‏طلب مكاريوس يوماً من الرب الإله أن يدلّه على من يضاهيه في السيرة، فجاءه صوت يقول له: تضاهيك امرأتان في المدينة الفلانية. فأخذ عصاه وخرج إلى هناك. فلما وصل سأل وتقصّى عنهما، فدلّوه على بيتهما. فلما قرع الباب فتحت له إحداهما ثم سجدت إلى الأرض دون أن تعرف من يكون. ولما عرفت الثانية بقدومه جاءت هي أيضاً وسجدت. ثم قدّمتا ماء لرجليه وبسطتا له مائدة ليأكل، فلم يشأ قبل أن تخبراه عن نفسيهما قائلاً لهما إنه مرسل من الله. فارتعدتا وسقطتا على وجهيهما باكيتين. فأنهضهما، فقالتا له: ماذا تطلب منا أيها القديس ونحن خاطئتان؟! وبعدما ألحّ متضرّعاً إليهما ألاّ تحرماه من خبرهما لمنفعة نفسه، أجابتا: إننا غريبتان في الجنس إحدانا عن الأخرى. تزوّجنا أخوين حسب الجسد ولما طلبنا منهما أن نمضي ونسكن في بيت للعذارى لنخدم الله بالصلاة والصوم أبيا. فجعلناعلى نفسينا قانوناً أن تسلك إحدانا مع الأخرى بكمال المحبّة الإلهية.

    ‏وها نحن نحفظ نفسينا بصوم دائم إلى المساء وصلاة مستمرة. وقد أنجبت كل منا ولداً. فمتى نظرت إحدانا ابن أختها يبكي أخذته وأرضعته كما لو كان ابنها. أما رجلانا فراعيا غنم وماعز لا يعودان إلينا إلا عند المساء فنقبلهما كأخوين قدّيسين. ونحن مسكينتان بائستان، وهما دائبان على الصدقة ورحمة الغرباء. ولم نسمح لنفسينا أن تخرج من فم الواحدة منا كلمة عالمية بطّالة.

    ‏فلما سمع مكاريوس ما قالتاه خرج يقرع صدره ويلطم وجهه قائلاً: ويلي، ويلي! ولا مثل هاتين المرأتين لي محبة لقريبي".

    صانع المعجزات:
    ‏ينسب إلى القدّيس مكاريوس عدد من المعجزات بينها هذه:
    ‏نزل القديس مرة إلى الحصاد ومعه بعض الإخوة. وكانت هناك امرأة تلتقط خلف الحصّادين ولا تكفّ عن البكاء. فسأل من تكون وما سبب بكائها، فعلم أن رجلها حفظ وديعة لإنسان مقتدر، ثم مات فجأة والمرأة لا تعلم من موضع الوديعة شيئاً. فلما حانت استراحة الحصّادين، دعا القدّيس المرأة وقال ‏لها: هيّا، أريني قبر زوجك! فذهبت به إلى المقبرة. فلما وصلوها صلّى مع الإخوة ثم نادى الميت قائلاً: يا فلان! أين تركت الوديعة التي عندك؟ ‏فخرج من المقبرة صوت قال له: إنها في بيتي تحت رجل السرير. فقال له القديس: عد إلى رقادك! فتعجّب الإخوة! فقال القديس: ليس من أجلي كان هذا الأمر، لأني لست شيئاً، بل من أجل الأرملة واليتامى. فلما سمعت المرأة بموضع ‏الوديعة انطلقت وأخرجتها من مكانها وأعطتها لصاحبها. وكل الذين سمعوا بما جرى سبّحوا الله.

    كهنوته:
    ‏سيم مكاريوس في حياته كاهناً. هذا أمر مؤكّد. متى كان ذلك، ليس ثابتاً. المخطوطات القديمة كالقبطية والعربية تقول إنه لما كان عائشاً في قلاّيته بريف مصر، جاء أهل القرية واختطفوه ورسموه قساً. ولما لم يجد نفسه أهلاً لهذه الوظيفة الشريفة هرب إلى قرية بعيدة حيث كان يتردّد عليه رجل بار ويأخذ منه شغل يديه ويسدّ احتياجاته. أما سوزومينوس المؤرّخ فيقول إنه صار كاهناً في سن الأربعين، في نهاية اعتكافه الأول الذي دام عشر سنوات.

    مكاريوس وأنطونيوس:
    ‏يستفاد من الأبحاث أن مكاريوس وأنطونيوس التقيا مرتين. المرة الأولى في بداية نسك مكاريوس والثانية بعدما تقدّم فيه. وقد ورد أن قدّيسنا كشف فكره لأنطونيوس كابن لأبيه وإن أنطونيوس قبّل رأسه وقال له: يا ابني مقاره، إنك عتيد أن تصير مغبوطاً كاسمك! وقد وعظه وأيّده بكلام كثير وعرّفه بقتالات العدو. ولما طلب منه مقاره أن يقيم عنده أطلقه قائلاً: كل واحد منا يلزم الموضع الذي دعاه الرب إليه! هذا في الزيارة الأولى. أما الزيارة الثانية فتمّت بعد ذلك بزمان طويل وكان الدافع إليها ازدياد حروب العدو على مكاريوس وحاجته إلى النصح بشأن الرعاية وقيادة النفوس وغير ذلك. كذلك ورد أن أنطونيوس سلّم مكاريوس، أثناء زيارته الثانية، عصاه العتيقة تعبيراً عن تسليمه أمانة التدبير الرهباني له من بعده.

    خطابه الأخير ونياحه:
    ‏قبل نياحة مكاريوس بزمن قصير خاطب رهبان جبل نتريا مودِّعاً فقال‏ لهم: "يا أولادي الأحباء... كثيرة هي أمجاد القدّيسين... وسبيلنا أن نعرف تدبيرهم وعملهم... فلقد اقتنوا المسكنة وتواضع النفس وانسحاق القلب والجهاد في الصلاة ومحبة كل الناس وخوف الله... أما الجسد فرفضوا جميع شهواته...

    ‏فرّوا من الخطيئة واصبروا إلى الموت في حفظ وصايا الرب. لا تقبلوا كسر أية وصية مهما كانت صغيرة، لأن كسر أية وصية، صغيرة كانت أم كبيرة، يغضب الله...
    ‏لا يكون فيكم من يذكر الشر لأخيه... فإن القلب الذي يتفكّر بالشر والبغضة لا يمكن أن يكون مسكناً لله... اقتنوا الحب بعضكم لبعض لتقتنوا لأنفسكم كل تدبير الفضائل الأخرى في رهبنتكم.

    ‏... النفس التي لا تقبل الوقيعة ولا تفكّر في السوء على أحد ولا تميل إلى حب الدرهم ولا تميل إلى شهوات العالم تستضيء كالشمس...
    ‏أفعال السوء مدخل للعدو... والواجب أن نحفظ أنفسنا جداً لئلا نصير‏آنية للشيطان...
    ليحرص كل واحد منكم على أن يمدح أخاه في غيبته حتى إذا سمع أخوه بذلك عنه ازداد في محبّته...
    ‏متى كان قلب الإنسان غير نقي ونيّته غير صافية فلا بد أن قلب أخيه يحسّ بذلك... مهما حاول أن يتجمَّل بلسانه من نحوه. في قلب الإنسان سر إلهي. فإن حدث أن سمع أحد كلاماً صدر من أخيه عنه فلا يخبئه في قلبه ويحقد عليه ويحاسنه بلسانه وقلبه غير نقي. فهذه الحال تولّد البغضة المرّة والمقت وهي تغضب الله...
    ‏كل من يسمع التأديب ولا يقبله ولا يعمل به فهو خاسر نفسه...
    ‏أوصيكم أن تبالغوا في خدمة القدّيسين والمرضى وادفعوا لهم قدر قوّتكم ‏من عمل أيديكم... كل تعب يتعبه الواحد منا سوف يُستعلن له وقت خروج نفسه من الجسد... أحبّوا التعب... طوبى لمن يبقى في تعبه فرِح القلب لأن ‏التعب هو باب الفردوس المفتوح.
    ‏أما الذي يطيع ضعف الجسد فإنه يصبح غريباً عن الخيرات المعدّة للمجاهدين ويتولاّه الندم في القيامة حين يبقى بعيداً لا يملك إلا الحزن ‏والكآبة التي لا تنفع!
    ‏... كل من يلازم فضيلة واحدة ويفرِّط بأخرى يشبه إنساناً أخذ إناء وملأه ‏زيتاً وأهمل فيه ثقباً. ثم ركب وسافر فما وصل إلى نهاية سعيه إلاّ والإناء فارغ مما فيه... الوصايا كالسلسلة متى انفكت منها عروة تفلت بأكملها... سيأتي وقت تُسألون فيه عن ثمر كلامي وتُعطُون جواباً عما سمعتموه مني. فلا تجعلوا كلامي لكم سبب دينونة لأني إنما كلّمتكم لخلاصكم وصحّة نفسكم...

    ‏أفزع إلى الله لكي لا تُصطادوا بفخ الغفلة ولا تعتد قلوبكم التهاون... ما ‏دمتم في الجسد فأمسكوا التوبة ولا تدعوها تفلت منكم لأن من فارقها فارقته الرحمة وملكوت السموات...
    ‏... لنجتهد متشبّهين بالصالحين لئلا نندم عندما نجدهم في النهاية في مجد عظيم... طوبى للذين يعملون بكل قوّتهم.
    ‏اجعلوا أنفسكم غرباء عن هذا العالم لتصيروا أهلاً للخيرات الأبدية...
    ‏إن صوم الأربعين هو الخميرة للسنة كلها فيجب أن نتمّمه باحتراس لأن الخميرة إذا فسُدت أفسدت العجين كله...
    ‏تيقّظوا بالروح وامتلئوا بالإيمان حتى تمضوا إلى الرب بدالة وتنالوا الإكليل الذي لا يبلى...
    ‏هذا وتنيّح القديس مكاريوس في سن التسعين، وقيل في السابعة والتسعين. وقد حضرت إذ ذاك الملائكة والقديسون لمرافقته فهتف بصوت خافت على قدر ما بقي فيه من قوة: "يا سيدي يسوع المسيح، حبيب نفسي، اقبل روحي إليك!" وأسلم الروح.



    طروبارية للبار مكاريوس باللحن الأول وللقديس أرسانيوس باللحن الرابع وللقديس مرقس باللحن الثالث

    ظهرتَ في البرية مستوطناً وبالجسم ملاكاً، وللعجائب صانعاً، وبالأصوام والأسهار والصلوات، تقبَلتَ المواهب السماوية، فأنت تشفي السقماء ونفوس المبادرين إليك بإيمان، يا أبانا المتوشح بالله مكاريوس، فالمجد لمن وهبكَ القوَّة، المجد للذي توَّجك، المجد للفاعل بك الأشفية للجميع. لقد أظهرتكَ أفعالُ الحق لرعيتك قانوناً للإيمان، وصورةً للوداعة، ومعلماً للإمساك، أيها الأب رئيسُ الكهنة أرسانيوس، فلذلكَ أحرزتَ بالتواضع الرفعة وبالمسكنةِ الغنى، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.

    إن الكنيسة وجدتكَ، في اعترافكَ بالإيمان الإلهي، غيوراً إلهياً يا مرقس الكلي المديح، مناضلاً عن المعتقد الأبوي، وداحضاً إدلهمام الظلام، فلذلك ابتهل إلى المسيح الإله، أن يمنح لنا الغفران نحن المعيِّدين لك.

    قنداق للبار مكاريوس باللحن الرابع وللقديس مرقس باللحن الثالث

    إن الرب قد جعلكَ حقيقةً في بيتِ الإمساك، بمثابة كوكبٍ ثابت، منيراً الأقطار أيها البار مكاريوس أبو الآباء. أيها المتأله العزم، لما تقلَّدتَ بالسلاح الذي لا يُحارَب، ذللتَ تشامخ الاضطهاد الغربي، إذ قد حصلتَ آلةً للمعزّي، وظهرتَ مناضلاً عن استقامة الرأي، فلذلكَ نهتفُ نحوك قائلين: السلام عليكَ يا مرقس فخرُ المستقيمي الرأي.
    [/FRAME]

  3. #3
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية MM
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    الحالة: MM غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي (20 كانون الثاني)

    [FRAME="11 70"]
    (20 كانون الثاني)

    * القديس البار أفثيميوس الكبير الموشح بالله *


    القديس البار أفثيميوس الكبير
    (+473م)
    الكاتب:
    كتب سيرة القديس البار أفثيميوس الكبير أحد تلامذة القديس سابا، ‏الراهب كيرللس البيساني (سكيثوبوليس)، بناء لطلب القديس يوحنا الهدوئي (8كانون الثاني) وإثر معاينته القدّيسين أفثيميوس وسابا في رؤيا وتلقّيه العون والبركة من القديس أفثيميوس، على ما روى. أخذ الورق وجلس فلم يُؤْتَ الكتابة. كانت الساعة الثانية، أو الثامنة صباحاً حسب ترتيبنا اليوم. فجأة أتاه القدّيسان في رؤيا متجلببين بالجلباب عينه فقال سابا لأفثيميوس: "هوذا كيرللس يمسك بالدّرج ولمّا يباشر الكتابة بعد!"، فأجابه أفثيميوس: "أنّى له أن يُتمّ واجباً كهذا ولم تنزل عليه بعد نعمة إلهية ترشد خطاه؟" فأردف سابا: "هبه أنت نعمة، كهذه، أيها الأب القدّيس!" فجعل أفثيميوس يده في حضنه وأخرج إناء مرمرياً فضياً ناعماً وغمس فيه أداة في طرفها ريشة ثلاث مرّات ومدّها إلى كيرللس. فبدت في فمه سائلاً كزيت الزيتون، مذاقه من الحلاوة بحيث لو شُبِّه بالعسل لبخسه العسل حقّه. ثم صحا وكانت نكهة السائل بعد في فمه. وإذ امتلأ من مسرّة الله باشر بكتابة السيرة.

    مولود العقر:
    ‏ولد أفثيميوس قرابة العام 377م في ملاطية الأرمنية، قريباً من نهر الفرات، زمن الإمبراطور غراتيانوس. اسم أبيه بولس واسم أمّه ديونيسيا. كلاهما كان بارزاً وفاضلاً. لكنهما أقاما مكتئبين سنوات لأنهما كانا من دون ذرّية. وإذ اعتادا التردّد على كنيسة القديس بوليفاكتوس الملاطي (9كانون الثاني) دأبا على الابتهال إلى الله أن يمنّ عليهما بثمرة البطن ويسكِّن لوعتهما. فقُبلت طلبتهما وأنعم عليهما الرب الإله بمولود ذكر أسمياه أفثيميوس أي المسرّة. هذا نذراه لله من قبل أن يولد. فلما بلغ الثالثة رقد أبوه وقدّمته أمّه للكنيسة نظير حنّة أم صموئيل واقتبلت هي الشموسية.

    راهب ومدبّر:
    قضى أفثيميوس سنوات الفتوّة في عشرة الكتاب المقدّس وأخبار القدّيسين ملتصقاً بأكاكيوس معلّمه، أسقف ملاطية العتيد، خادماً له، سالكاً في السيرة الملائكية بحرص وانتباه. وقد سامه معلّمه كاهناً وكلّفه العناية بالأديرة التابعة لأبرشيته.

    ‏أحبّ أفثيميوس الهدوء والتردّد على كنيسة القديس بوليفاكتوس. فيها اعتاد قضاء سحابة أيامه كلّما وجد إلى ذلك سبيلاً. وكان يترك المدينة مرة ‏في السنة، بعد الظهور الإلهي، ليعتزل في بعض الجبال في البرّية إلى عيد الشعانين.

    ‏أضنت القديس مهمّة الإشراف على الأديرة فيما اشتاقت نفسه إلى المزيد من الهدوء والسكينة فخرج سرّاً إلى أورشليم وهو في التاسعة والعشرين. همّه كان أن يحجّ إلى هناك وأن يحادث الآباء القدّيسين ويتعلّم منهم. فبعدما تزوّد بأمثلة العديدين ونصائحهم مال إلى مكان يبعد سبعة أميال عن أورشليم، إلى الجهة الشمالية الشرقية، يدعى فارا فأقام بقرب عين الماء وأشجار النخيل في هدوء. هناك تعرّف إلى ناسك في الجوار هو القديس البار ثيوكتيستوس (3 ‏أيلول) الذي أضحى وإيّاه كنفس واحدة.

    ‏من فارا إلى المغارة:
    ‏بقي أفثيميوس في فارا خمس سنوات انتقل بعدها ورفيقه إلى صحراء كوتيلا، صوب البحر الميت، ناحية قمران. هناك هداهما الرب الإله إلى مغارة فسيحة كانت ملاذاً للوحوش، فأقاما فيها زمناً طويلاً يقتاتان من الأعشاب البرّية ولا يباليان بغير الرجاء بالله إلى أن كشف مكانهما رعيان من بيت عنيا.

    ‏وسمع بالمجاهدين رهبان فارا فأخذوا يتردّدون عليهما. فلما ذاع صيتهما وكثر طلاّب الرهبنة عليهما حوّل أفثيميوس الكهف كنيسة وابتنى فوقها لافرا عهد بعنايتها إلى ثيوكتيستوس. اللافرا، في الأساس، مجموعة قلالٍ للمتوحّدين حول مركز يضمّ كنيسة وفرناً. واستعمال اللفظة فلسطيني أولاً. المتوحّدون كانوا يمضون أيامهم في قلاليهم، إلا السبت والأحد ليشتركوا في سر الشكر ومائدة المحبة وتبادل كلام المنفعة. أما أفثيميوس فاختلى في المغارة وكان يرشد المقبلين إليه والمعترفين لديه معلّماً إيّاهم الزهد والطاعة والاتضاع وأن يجعلوا ذكر الموت حيّاً فيهم ويحصّلوا طعامهم بتعبهم ويحفظوا الصمت.

    البدو:
    ‏‏وحدث، في ذلك الزمان، أنه كان لأحد زعماء البدو ابن يدعى ترافون عانى من ضغطة شيطانية فانشلّ نصفه الأيمن. وأتت الصبي رؤيا قيل له فيها أن يذهب إلى مغارة أفثيميوس الراهب وهو يشفيه. فقام ووالده وصحبه وذهبوا إلى الموضع كما أُشير به إليهم في الرؤيا. فلما وصلوا طالعهم ثيوكتيستوس فأخبروه بما أتوا من أجله وما حدث لهم. وكان أفثيميوس منكفئاً على عادته. فقال ترافون: "لقد التجأت إلى السحرة وأطبّاء العربية وأنفقت مالاً جزيلاً ولمّا أنتفع شيئاً، فأيقنت أن ما نوليه قيمة لا يعدو كونه حكايات وأوهاماً. فصلّيت إلى الإله الحقيقي وأخذت على نفسي أن أصير مسيحياً إن برئت. وفيما كنت أصلّي على هذا النحو عاينت شيخاً راهباً طويل اللحية يسألني عن علّتي فكشفتها له، فقال لي: لو شُفيتَ لكان عليك أن تتمّم ما وعدت به. فقلت: أجل يا سيّد! سوف أفعل ذلك! إذ ذاك كشف لي عن نفسه قائلاً: "أنا أفثيميوس. أقيم في ناحية السيول، على بعد عشرة أميال عن أورشليم. فلو رغبت في أن تُشفى فأتِ إليّ والرب يشفيك". وتابع ترافرن كلامه قائلاً: لما علمتُ أنا بذلك أخبرت والدي، وأتينا ‏إليك. فأدرك ثيوكتيستوس أن في الأمر تدبيراً إلهياً فنقل الخبر إلى أفثيميوس الذي خرج من المغارة لتوّه وقابل البدو وصلّى على الصبي فأبرأه باسم الرب يسوع.

    ‏تعجّب البدو جداً وآمنوا بالمسيح وطلبوا العماد بيد قدّيس الله. للحال جعل أفثيميوس من زاوية الكهف مكاناً للمعمودية. فاعتمد والد الصبي ودعي بطرس وكذلك ماريس، زوج أخته، وكان فهيماً فاضلاً، ثم ترافون والباقون. وقد علّمهم القديس ووعظهم أن يحفظوا التقوى وصاموا أربعين يوماً، ثم قاموا وارتحلوا إلا ماريس الذي ترهّب ودخل في طاعة القدّيس، وهو الذي صار، فيما بعد، رئيساً للافرا. وقد ورد أن العديد من البدو اهتدوا ‏واعتمدوا بفضل بطرس وبركة القديس أفثيميوس وتعليمه وإن بطرس سيم أسقفاً عليهم.

    ‏إلى قمة مردان:
    ‏وتقاطر الناس إلى قديس الله من كل صوب وطلب الكثيرون البر، على يديه. فلما اشتدّت وطأتهم غادر موضعه سرّاً لأنه أحب السكون، ورافقه راهب فاضل يدعى دوميتيانوس. وقد قصدا مكاناً بقرب روبا وصعدا قمّة مردان التي هي مسعدا المعروفة في تاريخ بني إسرائيل. هناك وجدا ماء وبعض الخرائب، فأصلحا لنفسيهما كنيسة وأقاما فيها. هناك أيضاً اهتدى الناس إلى أفثيميوس فأخذوا يتردّدون عليه. وإذ شفى، باسم الله، ولداً عذّبه الشيطان، كثر عليه القادمون وابتنوا لأنفسهم ديراً بعنايته.
    إلا أن أفثيميوس عاد بعد حين إلى الكهف وإلى رهبان اللافرا، لكنه أقام ‏على بعد ثلاثة أميال منهم وصار يتردّد عليهم بانتظام.

    ضيوف ومائدة:
    ‏في ذلك الزمان تاه أربعمائة من الأرمن نزلوا من أورشليم إلى الأردن ‏فبلغوا لافرا القديس أفثيميوس. فلما رآهم المغبوط دعا تلميذه دومتيانوس وطلب استضافتهم. فأجابه دومتيانوس: ولكن، لا طعام لنا ولا ليوم واحد! فقال له أفثيميوس: اذهب يا بني وانظر كم تختلف أفكار الناس عن نعمة الله وقدرته!" فخرج دومتيانوس إلى المخزن. ولما رام فتح الباب لم يقدر. فصاح بآخرين فأتوا وساعدوه. فلما فتحوا الباب وجدوا الخير في المخزن فائضاً. كل ما يمكن أن يحتاجوا إليه من الطعام كان موجوداً في الداخل: خبز وخمر وزيت وخلافه! فعاد دومتيانوس إلى معلّمه وسجد عند قدميه فأقامه القديس قائلاً: من يزرع بالبركات، فبالبركات أيضاً يحصد! من يخدم الغرباء ويقبل الفقراء ينفع نفسه بالأكثر. هذا ما يجب أن تفعله إذا ما اشتهيت بركة الله عليك وأن تقوى ما فيه الكفاية في الدهر الحاضر وتنعم بالحياة الأبدية في الدهر الآتي.

    عدم الطاعة:
    ‏وبلغ عدد الرهبان في اللافرا قرابة الخمسين. أحدهم، أوكسنديوس، حافظ البهائم، لم يكن مطيعاً. فنبّهه الإخوة ونبّهه القديس فلم يرعو. فقال له القديس: سوف تلقى ثمرة عصيانك بعد قليل! وإذا بروح الخوف يستبدّ به لدرجة أن قواه خارت وسقط أرضاً. فأقامه قديس الله وشفاه، بنعمة الله، ووعظه فاتعظ واستقامت قناته.

    راهبان يطلبان ترك الدير:
    ‏مرة أخرى، طلب راهبان، مارون وكليماتيوس، ترك الدير. فعرف القديس بروحه أن الشيطان لجم رأسيهما وطلب إسقاطهما، فحذّرهما مبيّناً لهما، بأمثلة عديدة عن الطاعة، أنه إذا أراد أحد ترك مكانه راغباً في الفضيلة يخطأ لأن تغيير طريقة الحياة هي التي تخلّص الإنسان لا تغيير موضعه. وكما أن الشجرة التي تُقلع وتزرع من جديد في موضع آخر لا تزدهر كذلك الراهب لا ينجح في حياة الفضيلة إذا أدام التنقّل من موضع إلى آخر. فلم يشأ الراهبان أن يفهما إلى أن سمح الله بروح رعدة استبدت بهما فتابا.

    جهادات القديس:
    ‏ونقل كيرياكوس الناسك الذي رافق القديس وعرف صرامة عيشه أنه لم يره مرة يأكل أو يتلفّظ بكلمة واحدة، خمسة أيام في الأسبوع، إلاّ عند الضرورة القصوى، ولا اعتاد النوم ممدّداً بل جالساً أو معلّقاً بحبل في زاوية القلاّية. كان لا ينام إلا قليلاً وينادي النوم قائلاً: "هيا، أيها العبد الشرير!"

    كذلك سلك أفثيميوس في خطى أرسانيوس (8‏أيار)، اعتزالاً واتضاعاً وصمتاً وفقراً في الملبس وإمساكاً وأسهاراً ونخس قلب ودموعاً واحتمالاً.

    أمليانوس الراهب:
    ‏‏أحد إخوة اللافرا واسمه أمليانوس سلك في الفضيلة منذ صباه وكان طاهراً حكيماً، فحسده الشيطان وهاجمه بحرب جسدية رهيبة لم يحتملها. وإذ مال إلى تلك الأفكار قبلها أخيراً. فلما خرج القديس عند الفجر إلى صلاة السحر مرّ بذلك الأخ فاشتم رائحة كريهة تنبعث منه فأدرك أن في الأمر فخاً من الشيطان فانتهره. وإذا بالأخ يسقط على الأرض ويتشنّج ويزبد فطلب القديس ضوءاً لأن المكان كان مظلماً وقال للآباء: "انظروا يا إخوة هذا الذي كان منذ الطفولية حكيماً وفاضلاً كيف هو الآن مغلوب لأفكار النجاسة. إنه لأمر مخيف مبك! لذلك أقول لكم ليحطم كل واحد منكم أفكاره الشرّيرة ويطردها أولاً بأول، حين لا تكون بعد قوية. أما إذا لاطفناها ودخلنا في وصال معها وتمتعنا بها، حتى ولو لم نعرف جسداً فإن النفس تكون قد خطئت. إذ في ذاك، كما علّمنا ربّنا، ندان كزناة يوم تكشف دواخلنا.

    ‏وبعدما نبّه الإخوة إلى ضرورة الحذر والتأمل في خروج النفس على الدوام، صلّى على أمليانوس فخرجت منه رائحة نتنة لا تحتمل. وإذا بصوت يقول: "أنا هو روح الزنى!"
    ‏بعد ذلك عاد أمليانوس إلى صوابه وتأدّب.

    القدّاس الإلهي:
    ‏لما بلغ القديس السادسة والسبعين نزل من الروبا إلى اللافرا وخدم سرّ الشكر، القدّاس الإلهي، وكان سبتاً. بضعة أشخاص كانوا محتفّين به كتلميذه دومتيانوس وترافون البدوي. فلما بلغت الخدمة حدّ الترنيمة المثلثة التقديس، فجأة نزلت نار من السماء وغلّفت القديس وتلميذه دومتيانوس،‏ من تلك اللحظة وإلى نهاية القدّاس الإلهي.

    ‏كذلك أفاد عارفو القديس أن الرب الإله منّ عليه بنعمة خاصة أتاحت له معرفة الجميع، واحداً واحداً، من مجرّد منظرهم، كما في مرآة. كان يعرف حركات قلوبهم وأهواء نفوسهم ويميِّز الهوى الذي سقط فيه الأخ، وكذا الأهواء التي لم ينغلب لها. من هذا المنطلق، كان ينظر بعض المقبلين إلى الكأس المقدّسة حسني المنظر، ذوي بهاء، فيما كان سواهم مسودّاً، كئيباً.
    ‏وقد لاحظ بعض الإخوة إن ملائكة مخوفين كانوا يأتون إليه في الخدمة الإلهية ويعاونونه كشمامسة.

    عن القديس سابا:
    ‏لما بلغ القديس أفثيميوس الثانية والثمانين أتى المغبوط سابا المتقدّس راغباً في الانضمام إليه، فعرف القدّيس بروحه على أية قامة سوف يكون سابا في حياته. وإذ لم يقبله لصغر سنّه بعث به إلى ثيوكتيستوس قائلاً: "اقبل هذا الشاب وأرشده وقده باهتمام في دروب النسك والرهبنة بدقّة، لأنه يبدو لي إنه سوف يتقدّم تقدّماً كبيراً في الحياة النسكية وسيشعّ على العديدين بإنجازاته الفائقة العجيبة".

    وداعية القدّيس:
    ‏إذ كانت للقدّيس دالة عند الله فقد عرف وخبّر عن خروجه العتيد إلى ربّه وما سوف يحدث للافرا التي أنشأها بتعب جزيل. فبعد ثمانية أيام من عيد الظهور الإلهي، اجتمع إليه العديد من الآباء، بعضهم ليودّعه وآخرون ليذهبوا معه إلى الصحراء. كانوا يظنّون إنه سوف يخرج كعادته إلى خلوته السنوية. وإذ لاحظوا إنه لم يعدّ العدّة للذهاب سألوه، فأجابهم: "أنا باق معكم كل هذا الأسبوع. ثم أغادركم يوم السبت في نصف الليل". كلّمهم عن مغادرته لهم لا إلى الصحراء بل إلى ربّه فلم يفطنوا.

    ‏بعد ثلاثة أيام، كان عيد القديس أنطونيوس الكبير فأمرهم أن يقيموا السهرانة ففعلوا. في نهايتها، دعا الخدّام وقال لهم: "اعلموا هذا، يا إخوة، إن الرب دعاني من هذه الحياة إلى الحياة الآتية. فليجتمع الإخوة كلّهم غداً فأخبركم كيف تسلكون بعد رحيلي عنكم".
    ‏في الصباح، اجتمع الإخوة ففتح فاه وكلّمهم قائلاً: "أيها الآباء والإخوة المحبوبون في الرب، يا أولادي الأعزاء! في ثلاثة أيام أطأ نهاية طريق آبائي. لذا عليكم أن تحفظوا الوصايا التي أستودعكم إيّاها لكي تستبين تقواكم ومحبّتكم لي. أهمّ الفضائل التي عليكم اقتناؤها المحبة التي بدونها لا يمكن لأحد أن يحقّق شيئاً. كل الفضائل تعرف بالمحبة والتواضع. التواضع يرفع الفاضل إلى قمم الإنجاز فيما تعصمه المحبة عن السقوط منها. علينا دائماً أن نعترف بخطايانا أمام الله... اثبتوا أنقياء في النفس والجسد. احفظوا القانون الذي وضعته لكم وداوموا على التمجيد في اجتماعاتكم. اهتمّوا بالمتألّمين قدر طاقتكم. على كل الإخوة القلقين من أفكار فاسدة كريهة أن يعترفوا بها للحال وأن يصلحهم الآباء الأكثر خبرة بالوعظ والمثال الصالح حتى لا يطيح بهم الشيطان. بهذا أوصيكم فاحفظوه بحرص: لا توصدوا الباب في وجه المقبلين إليكم! ليكن مفتوحاً للمسافرين المنهوكين وللفقراء. ضعوا ما تقتنون في خدمة المحتاجين إذا ما رغبتم إلى الله في أن يزوّدكم بما تحتاجون إليه بوفرة...". ثم ختم القديس بالقول: "وأنا إذا أذن لي الرب فلسوف أسأله أن أكون مع الشركة دائماً في الروح".

    ‏فلما قال هذا صرف الجميع إلا دومتيانوس الذي بقي معه ثلاثة أيام. ثم في مساء السبت، كما سبق فخبّر، رقد في سلام بالرب ممتلئاً أياماً، ستة وتسعين عاماً. كان ذلك في 20‏كانون الثاني من السنة 473م.

    ملامح القديس:
    ‏كيف بدا القديس أفثيميوس لناظره؟
    ‏ثمة وصف له أورده كيرللس البيساني الراهب. قال: كان القديس ‏بطبعه لطيف المعشر، موطّد العزم، مليح التقاسيم، وسيماً، دائري الوجه، بهج الطلعة، حلو الشمائل، ممدود اللحية إلى وسطه ويزيد. كل ما فيه كان صحيحاً سليماً. وكان كامل الأعضاء، حتى أسنانه لا نقص فيها.

    ‏عجائبه:
    ‏ينقل كيرللس الراهب للقديس عن تلاميذه عجائب جمّة بينها أشفية وطرد للأرواح الشرّيرة. من أخباره هذه الحادثة الفريدة التي جرت بعد وفاته. في قرية تدعى فاران، إلى الشرق، كان راع اسمه كيرياكوس أمّنه جار له فقير على عشر خراف يرعاها. بعد حين عضّت الفقير الحاجة ورغب في بيعها، فلما جاء إلى كيرياكوس وطلبها منه لم يعترف إلا بثمانية واحتفظ لنفسه بخروفين. فتجادل وإياه ولكن دون جدوى. فقال له الفقير: "إذا كنت مستعداً أن تقسم عند قبر القديس أفثيميوس فلا بأس عندي إن خسرتها !" فقبل كيرياكوس العرض. وإذ دنا الاثنان من قبر القديس رأى المُسُاء إليه أن كيرياكوس على وشك أن يحلف يميناً كاذبة فخشي الإثم وقال له: "لنعد يا أخي وأنا أعتبر كأنك أقسمت!" فلم يرض كيرياكوس، وكأن الحق بجانبه، وأصرّ، بوقاحة، على أخذ القسم. وإذ اقترب من القبر تجاسر وحلف يميناً كاذبة، ثم عاد إلى بيته. في تلك الليلة، فيما كان كيرياكوس في السرير، بدا له كأن الباب انفتح ودخل راهب في يده عصا ومعه خمسة فتيان. فجأة امتلأ البيت نوراً. كان الراهب هو القديس أفثيميوس بالذات وكان متجهِّم الوجه. وإذا به يصرخ في وجه كيرياكوس قائلاً: "أيها البطّال، كيف تجرؤ على حلف يمين كاذبة عند قبر أفثيميوس؟" فخرس كيرياكوس ولم يستطع جواباً. فأمر القديس أربعة من الفتيان أن يضربوه بالسوط والخامس بالعصا قائلاً: "اضربه بكل قوّتك حتى لا يجرأ على إهانة الله مرة أخرى ويقسم قسماً كاذباً ويأخذ ما ليس له!" وبعدما ضربوه ما فيه الكفاية ‏أوقفهم القديس وقال للمفتري: "ألم تعلم، أيها الأثيم، أن هناك إلهاً يدين الأرض بعدل؟ وهو جعل هذا العقاب عليك، لا لخيرك، لأنك غداً تموت وآخرون يأخذون ما جمعته بغير حق، بل لإصلاح سواك، حتى يفروّا من خطر القسم الكاذب ويجتنبوا حتى القسم بحق!" قال القديس هذا وانصرف. كانت آلام كيرياكوس لا تطاق. وإذ صرخ اجتمع عليه الجيران فأراهم جراحه واعترف بأنه أقسم يميناً كاذبة. ثم رجاهم أن يأخذوه إلى قبر القديس ليسترحم لديه. فلمّا أحاطوا به خافوا أن يلمسوه من كثرة جراحه. فاحضروا كيسين من القش وضعوه بينهما وأخذوه إلى الدير وأخبروا بما جرى. وكل الذين سمعوا انتابتهم القشعريرة وخافوا خوفاً عظيماً، فلم يعد أحد يجرؤ، مذ ذاك، على حلف يمين، لا فرق صادقة أو كاذبة. وبعد يومين ساءت حال كيرياكوس وانفتحت معدته وكان يتقيأ باستمرار فجاء أقرباؤه وأخذوه إلى البيت. وفي اليوم الثالث مات.

    طروبارية باللحن الرابع
    افرحي أيتها البريَّة التي تَلد، اطربي يا مَن لم تُمارس طَلْقَاً، لأن رجل رغائب الروح قد كثَّر أولادكِ، إذ قد غرسهم بحسب العبادة، وعالهم بالإمساك, لكمال الفضائل، فبتوسُّلاته أيها المسيح الإله سلم حياتنا.


    قنداق باللحن الثامن
    إن الخليقة قد وجدتْ فرحاً في مولدكَ الموقَّر، وفي تذكاركَ الإلهي أيها البار، اتخذتْ ابتهاجاً بعجائبكَ الكثيرة، فامنح منها نفوسنا بغزارة, وطهِّرنا من دنس الخطايا، حتى نرتل هليلويا.
    [/FRAME]

  4. #4
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية MM
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    الحالة: MM غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي (21 كانون الثاني)

    [FRAME="11 70"]
    (21 كانون الثاني)

    * القديسون الشهداء نيوفيطس النيقاوي ومكسيموس المعترف وأغني *


    القديس البار مكسيموس المعترف
    (+662م)

    ولد القديس مكسيموس المعترف لعائلة مرموقة في القسطنطينية سنة 580م. كان على ذكاء خارق وتمتّع بقدرة خارقة على التأمّلات الفلسفية السامية. درس فلمع وانخرط في السلك السياسي. عندما تولّى هيراكليوس العرش، سنة 610‏م، لاحظ مكسيموس وفطن إلى ما يتمتّع به من فهم وعلم وفضيلة فاختاره أمين سرّه الأوّل. لكن الكرامات والسلطة والغنى لم يطفئ فيه الرغبة. التي طالما احتضنها منذ الشبابية في أن يسلك في سيرة مطابقة للفلسفة الحق التي يدين بها. لهذا السبب، تخلّى عن وظيفته بعد ثلاثة أعوام وترهّب في دير والدة الإله في خريسوبوليس القريبة من القسطنطينية.

    ‏كان مكسيموس مزوّداً بأمرين أساسيّين قدّماه في مراقي الحياة الروحية: المعرفة التأملية للكتاب المقدّس وكتابات الآباء، ثم الرغبة العميقة في صعود سلّم الفضائل وصولاً إلى اللاهوى. لذا أخضع، بمعرفة، وثبات الأهواء بالنسك، والغضب بالوداعة. كما حرّر نفسه من استعباد الأهواء وغذّى ذهنه بالصلاة وارتقى، بسلام، معالي التأملات الإلهية. في صمت قلاّيته، إذ انعطف على لجّة قلبه، نظر في ذاته سرّ الخلاص بشأن كلمة الله الذي تنازل ليتّحد بطبيعتنا المقطوعة عن الله والمنقسمة على نفسها بسبب عشقها لذاتها. دافعُ السيّد هو حبّه للناس بلا حدود وقصده استعادة المحبة الأخوية بينهم وأن يفتح لهم سبيل الاتحاد بالله لأن الله محبة.

    ‏أمضى مكسيموس في الهدوئية ما يقرب من العشر سنوات، تحوّل بعدها برفقة تلميذ له يدعى أنستاسيوس إلى دير صغير للقدّيس جاورجيوس في كيزيكوس. هناك باشر بكتابة أولى مؤلّفاته وكانت عبارة عن مقالات نسكية تناولت الصراع ضد الأهواء، والصلاة، واللاهوى والمحبة المقدّسة. لكن أحداثاً عسكرية أجبرت الرهبان على مغادرة أديرتهم في القسطنطينية والجوار بعدما تعرّضت المنطقة لهجمات الآفار والفرس.

    ‏مذ ذاك سلك القديس مكسيموس في التشرّد.

    ‏أقام في جزيرة كريت لبعض الوقت حيث شرع يقاوم لاهوتيين، من أصحاب الطبيعة الواحدة، دفاعاً عن الإيمان الأرثوذكسي القويم. ثم انتقل إلى قبرص ووصل أخيراً إلى قرطاجة، عام 632م، فالتقى القدّيس صفرونيوس الأورشليمي وانضمّ إليه. القديس صفرونيوس كان أحد كبار العارفين بالتراث الرهباني واللاهوتي، ومشهوداً له بأرثوذكسيته. كان، يومذاك، مقيماً هو وعدد من رهبان فلسطين في دير أوكراتا حيث التجأوا إثر استيلاء الفرس على أورشليم.

    ‏في تلك الفترة الممتدة بين العامين 626 ‏و 634م، تسنّى لمكسيموس أن ‏يعرض بعمق، لم يسبقه إليه أحد، لعقيدة التألّه مقدّماً الأسس الفلسفية واللاهوتية للروحانية الأرثوذكسية. ففي مقالات عميقة صعبة طالت مقاطع غامضة في الكتاب المقدّس وتعاطت الصعوبات الواردة في كتابات ديونيسيوس المنحولة والقدّيس غريغوريوس اللاهوتي، وكذلك سرّ الشكر، في هذه المقالات تمكّن مكسيموس من وضع حصيلة (Synthèse) لاهوتية فخمة بشأن تألّه الخليقة.

    فالإنسان، كما قال، جعله الله في العالم كاهناًَ يقيم سرّ الشكر الكوني، وهو مدعو إلى جمع الكائنات المخلوقة كلها لتقريبها إلى الكلمة الإلهي. كل خليقة، في لغته، تُعرف بتسمية "كلمة"، ومجموع الخلائق "كلمات". وفي فهمه إن الإنسان يرفع "الكلمات" إلى "كلمة الله"، الذي هو مبدأها، في حوار محبّة حرّ من كل قيد. إذ يحقِّق الإنسان القصد الذي من أجله خُلق، وهو الاتحاد بالله، يأتي بكل الكون أيضاً إلى الكمال في المسيح الذي هو إله وإنسان معاً.

    ‏منذ أن ارتقى هيراكليوس سدّة العرش سعى إلى إعادة تنظيم الإمبراطورية البيزنطية المتزعزعة وإلى التحضير لهجوم معاكس ضد الفرس. بعض الإصلاحات الإدارية والعسكرية كان لا بد منه. وكان لا بد أيضاً من إعادة اللحمة بين المسيحيّين تجنباً لتحوّل أصحاب الطبيعة الواحدة نحو ‏الفرس أو العرب. لهذا السبب كلّف الإمبراطور البطريرك القسطنطيني سرجيوس إعداد صيغة لاهوتية وسطية تكفل كسب رضى أصحاب المشيئة الواحدة دون أن تتنكّر للمجمع الخلقيدوني. وقد اقترح سرجيوس، في هذا الإطار، صيغة تقوم على أساس وحدانية الطاقة في المسيح يسوع. وفق الصيغة التوفيقية المقترحة، اعتُبرت طبيعة الرب يسوع البشريّة منفعلة لا فاعلة، ومحايدة لا مقدامة، فيما اعتبرت طاقتها الخاصة مستوعّبة من طاقة كلمة الله. وهذا لا يعني، على أرض الواقع، سوى القول بالطبيعة الواحدة ولو بشكل مموّه قضى باستبدال لفظة "الطبيعة" بلفظة "الطاقة". وفي السنة 630م عيّن الإمبراطور كيرُس بطريركاً على الإسكندرية. وكلّفه بتحقيق الوحدة مع أصحاب الطبيعة الواحدة الذي كان عددهم في مصر كبيراً. وما إن جرى توقيع اتفاق الوحدة هناك حتى خرج القديس صفرونيوس الأورشليمي عن صمته ودافع عن القول بالطبيعتين في المسيح يسوع. كما توجّه صفرونيوس إلى الإسكندرية فإلى القسطنطينية وتناقش وكيرُس وسرجيوس دون أن يكون من النقاش في الموضوع جدوى. على الأثر عاد صفرونيوس إلى أورشليم حيث استقبله الشعب المؤمن كمدافع عن الأرثوذكسية وجرى انتخابه بطريركاً جديداً في الوقت الذي اجتاح المسلمون العرب البلاد. وقد صدرت، عنه، للحال، رسالة حبرية حدّد فيها أن كلتا الطبيعتين في المسيح لها طاقتها الخاصة بها وإن شخص المسيح واحد فيما طبيعتاه اثنتان وكذلك طاقتاه.

    ‏الكلام على الطببعتين والطاقتين في المسيح يسوع وكذلك الجدل القائم‏. أوقف بأمر إمبراطوري. رغم ذلك دافع القديس مكسيموس من مقرِّه في قرطاجة عن قول صفرونيوس معلّمه، بطريقة ذكية. قال: "يحقّق المسيح بشرياً ما هو إلهي، من خلال عجائبه، ويحقّق إلهياً ما هو بشري، من خلال آلامه المحيية". ولكن ما أن أصدر هيراكليوس مرسوم الاكتيسيس سنة 638م وأكدّ حظر الكلام على الطاقتين فارضاً على الجميع الاعتراف بإرادة واحدة في ‏المسيح (مونوثيليتية)، حتى خرج مكسيموس عن صمته وجاهر بالحقيقة جهراً. القديس صفرونيوس كان في تلك السنة قد مات واتجهت الأنظار، مذ ذاك، نحو مكسيموس الذي أخذ الجميع يعتبرونه كأبرز المتحدّثين رسمياً بلسان الأرثوذكسية. وكما حدث في زمن القديس أثناسيوس الكبير ومن بعده القديس باسيليوس الكبير، استقر حِمل الإيمان القويم بالدرجة الأولى على كاهل رجل واحد هو مكسيموس.

    ‏راسل مكسيموس أسقف رومية والإمبراطور وذوي الشأن في الإمبراطورية موضحاً لهم، في مقالات عميقة قيّمة، أن كلمة الله، لمحبته وتوقيره اللانهائيين لخليقته، اتخذ الطبيعة البشريّة في كلّيتها دون أن يغيّر شيئاً في حرّيتها. لذلك إذ كان هو حرّاً في التراجع أمام الآلام، أخضع نفسه، بملء إرادته كإنسان، للإرادة والقصد الإلهيّين فاتحاً لنا بذلك سبيل الخلاص بالخضوع والطاعة. وإذ اتحدت الحرّية الإنسانية بحريّة الله المطلقة في شخص الرب يسوع المسيح، وُجدت مستعادة في حركتها الطبيعية نحو الاتحاد بالله والناس بالمحبة. ما سمحت له خبرة الصلاة والتأمل أضحى باستشفافه أضحى بإمكان مكسيموس أن يقدِّمه مركِّزاً عقيدة تأليه الإنسان على قاعدة لاهوت التجسّد.

    ‏رقد البطريرك سرجيوس القسطنطيني، هو أيضاً، سنة 638م، فكان خلفه بيروس مروّجاً متحمّساً للهرطقة الجديدة. ورغم كل الضغوط التي مورست فإن فريقاً لا يستهان به من المسيحيّين قاوم المرسوم الإمبراطوري حتى إن هيراكليوس اعترف، قبل قليل من موته، سنة 641م، إن سياسته الدينية باءت بالفشل. أما بيروس فلم يلبث أن فرّ إلى إفريقيا حيث كانت له مواجهة علنية والقدّيس مكسيموس في قرطاجة في شأن شخص الرب يسوع (645‏م). وإذ عرض القدّيس لسرّ الخلاص بحجج دامغة، نجح في تبيان أضاليل البطريرك الذي اقترح أخيراً التوجّه شخصياً إلى رومية ليلقي الحرم على القول بالمشيئة الواحدة (المونوثيليتية) عند قبر الرسل القدّيسين. ولكن لم يحفظ بيروس كلمته، بل عاد إلى قينه وفرّ إلى رافينا. وقد قطعه ثيودوروس، أسقف رومية، ثم قطع خلفه على الكرسي القسطنطيني، بولس. إزاء هذا التطوّر خشي الإمبراطور البيزنطي قسطنديوس الثاني العاقبة، في المستوى السياسي، وأن يفضي تطوّر الأحداث إلى انشقاق الغرب عن الإمبراطورية، لاسيما بعد سقوط مصر في يد العرب، فعمد إلى نشر مرسوم التيّبوس (648م) الذي حرّم فيه على كل مسيحي، تحت طائلة العقاب الصارم، مناقشة موضوع الطبيعتين والمشيئتين. عليه بوشر بملاحقة الفريق الأرثوذكسي واضطهاده، لاسيما الرهبان وأصدقاء القديس مكسيموس. أما مكسيموس فالتحق بمرتينوس الأول، أسقف رومية، الذي عزم على دعم الإيمان القويم ودعا إلى عقد المجمع اللاتراني (649‏م) الذي أدان القول بالمشيئة الواحدة ونبذ المرسوم الإمبراطوري. فلما وصلت أخبار ما حدث للإمبراطور اغتاظ واعتبر أن في الأمر تمرّداً، فبادر إلى إرسال جيش إلى رومية لوضع حدّ للتدهور الحاصل (653م). أوقف العسكر مرتينوس الأسقف، وكان مريضاً عاجزاً، واستاقوه كمجرم إلى القسطنطينية حيث أُهين أمام الملأ وحُكم عليه بالنفي، ثم اقتيد إلى شرصونه حيث قضى شهيداً في حال يرثى لها، في أيلول من السنة 655م.

    ‏أما القدّيس مكسيموس فجرى توقيفه، بعد ذلك بقليل. وكذلك أوقف تلميذه الأمين أنستاسيوس وأنستاسيوس آخر كان مندوباً لأسقف رومية. أودع الثلاثة السجن أشهراً طوالاً قبل أن يمثلوا للمحاكمة. وُجِّهت إلى مكسيموس تهم سياسية بالدرجة الأولى. قالوا إنه ناهض السلطة الرسمية وبارك اجتياح العرب لمصر وإفريقيا. وقيل أيضاً إنه تسبَّب في بذر الشقاق في الكنيسة بسبب عقيدته. أجاب مكسيموس بهدوء، ولكن بثبات عزم، إنه يؤثر قطع الشركة وسائر البطاركة والموت على أن يخون الإيمان القويم. وقد حُكم عليه بالنفي واستيق إلى بيزيا في تراقيا فيما استيق أنستاسيوس وأنستاسيوس الآخر إلى موضعين آخرين.
    ‏بقي مكسيموس في المنفى طويلاً وكابد الأمرّين. أخيراً قرّر الإمبراطور فتح باب الحوار معه عسى أن يكسبه لأنه أدرك أنه ما لم ينجح في إقناع مكسيموس بالانضمام إلى حزبه فلن ينجح في كسب الرأي العام الأرثوذكسي. لهذا أوفد سفارة من ثلاثة أشخاص، أسقفاً يدعى ثيودوسيوس ونبيلين آخرين. فلما التقوه وجدوه سيّد قواه، ثابتاً على قناعته الأولى. ولما دخلوا معه في بحث لاهوتي في الموضوع المطروح فنّد حججهم ودحض مزاعمهم، فثارت ثائرتهم عليه وأمطروه شتماً وضرباً وانصرفوا.

    ‏بعد ذلك جرى نقل مكسيموس إلى بربريس حيث بقي محتجزاً وتلميذه أنستاسيوس ست سنوات، بانتظار محاكمتهما من جديد. وفي السنة 662م مثل أمام بطريرك القسطنطينية ومجمعه. سألوه: من أية كنيسة أنت؟ من القسطنطينية؟ ‏من رومية؟ من أنطاكية؟ من الإسكندرية؟ ‏من أورشليم؟ فها هم جميعاً متّحدون فيما بينهم. فأجاب مكسيموس: "إن الكنيسة الجامعة هي الاعتراف بالإيمان الصحيح والخلاصي بإله الكون". هُدِّد بالموت فأجاب: "ليتحقق فيّ ما رسمه الله من قبل الدهور لأعطي لله المجد الذي له من قبل الدهور!" فلعنوه وأهانوه وسلّموه لحاكم المدينة الذي حكم عليه بالجلد وقطع لسانه ويده اليمنى اللذين بهما اعترف بإيمانه. وبعدما استاقوه في شوارع المدينة مدمّى كله أودعوه قلعة في أقاصي القوقاز، في لازيكوس. هناك لفظ أنفاسه الأخيرة في 13آب 662م عن عمر ناهز الثانية والثمانين. وقد نُقل أن ثلاثة قناديل زيت كانت تشتعل على قبره من ذاتها كل ليلة.


    طروبارية باللحن الثامن
    ظهرتَ أيها اللاهج بالله مكسيموس، مرشداً إلى الإيمان المستقيم، ومعلماً لحسن العبادة والنقاوة، يا كوكب المسكونة وجمال رؤساءِ الكهنة الحكيم، وبتعاليمك أنرت الكل يا معزفة الروح، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.

    قنداق باللحن الثامن

    لنكرمنَّ أيها المؤمنون بالتسابيح كما يليق, مكسيموس العظيم عاشق الثالوث، الذي علَّم جليَّاً بالإيمان الإلهي، أن يُمجَّد المسيح بطبيعتين ومشيئتين وفعلين، ونهتف نحوه صارخين: السلام عليك أيها الكارز بالإيمان.
    [/FRAME]

المواضيع المتشابهه

  1. الزاد اليومي
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى كتب للتحميل أو متوفرة على النت
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2011-04-27, 09:10 AM
  2. انظر اليك
    بواسطة نصيف خلف قديس في المنتدى الأدب والفنون
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2010-12-31, 04:41 PM
  3. سجل إحساسك اليومي
    بواسطة Georgette Serhan في المنتدى التعارف والترحيب
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 2010-02-02, 10:56 AM
  4. ( PowerPoint Slide Show) انظر إلى الإيجابيات في حياتك
    بواسطة Fr. Boutros Elzein في المنتدى أية وتأمل
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2009-03-07, 09:06 AM
  5. كتاب السنكسار ؟
    بواسطة iyadlada في المنتدى المكتبة المسيحية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2008-12-12, 01:27 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •