تفضل أخي الحبيب

رسالة القديس أثناسيوس في التجسد

يبدأ القديس أثناسيوس رسالته بتعريفها بأنها رد على اليهود واليونانيين الذين يسخرون من التجسد ويعتبرون الصلب ضعفاً. ويقول بأن لبس الجسد لم يكن من مستلزمات طبيعة السيد بل برضاه لبسه وذلك بسبب سقوط الإنسان الذي كان مخلوقاً مميزاً عن غيره من المخلوقات إذ أنه كان يحمل صورة الله ومخلوقاً على مثاله. فالله خلق الإنسان ليبقى في عدم الفساد ولكن الإنسان لم يلتزم بالله فساد عليه الموت وهكذا اختار العودة إلى أصله أي العدم. فهو يستمد وجوده من الله وبإختياره أن لا يكون معه اختار العدم أو اللاوجود وقد استمر الناس وتمادوا في خطئهم فصارت الطبيعة البشرية مثقلة ومشبعة بالخطايا. وعليه فقد عم الفساد وقويت سيادة الموت وراحت صورة الله تضمحل وصارت النتيجة غير لائقة. فقد كان لزوماً أن يموت الإنسان لأن الله صادق عندما قال له أنك موتاً تموت في أكلك من الشجرة وفي الوقت نفسه كان غير لائق أن يفنى الناس الذين خلقهم الله لمشاركته. وهذا الفناء المحتم لا يتفق مع صلاح الله خاصة أن سبب الخطيئة هو غواية الشيطان. قد يكون لائقاً بالله أن يطلب التوبة من الإنسان ولكن هذا لم يكن حلاً لأن الخطأ الذي ارتكبه أعقبه فساد بالطبيعة وبالتالي فهو ليس خطأً صغيراً. فكان على كلمة الله الذي أوجد كل شيء في البدء أن يتدخل من جديد فيعيد الفاسد إلى عدم الفساد ويكون شفيعاً له عند الله.

لما استفحل الأمر وصار الفساد متمكناً من الطبيعة البشرية وخليقة يدي الله في طريق الفناء و السيادة على الناس هي للموت، عندها رثى الله لضعف الناس وأخذ لنفسه جسداً إنسانياً لئلا تفنى الخليقة وتكون هباء. وهذا التجسد لم يكن من أجل الظهور لأنه باستطاعته الظهور بشكل أسمى وأليق بالظهور الإلهي. وهكذا أعد هذا الجسد في عذراء طاهرة ليكون هيكلاً له وحل فيه وأعلن ذاته واتخذه أداة له، جسداً من الجنس البشري ولكن خالٍ من الزرع. وفي اتخاذه جسداً خاضعاً للموت بذل جسده عن الجميع وذلك لشفقته على الناس ولكي يبطل الناموس القاضي بموت البشر. إذ أن سلطة الموت انحصرت في جسد الرب الذي ناب عن البشر. فينقذ الناس من الموت ويعيدهم إلى عدم الفساد.
ولما كان الكلمة فوق الكل ولكن في الوقت نفسه ليس من إبطال للفساد إلا بالموت فقد اتخذ الكلمة جسداً قابلاً للموت لكي باتحاده بالكلمة يموت نيابة عن الكل ويبقى في عدم الفساد بسبب هذا الإتحاد. وبذلك يكون قد رفع حكم الموت عن كل الذين ناب عنهم إذ قدم جسداً مماثلاً لأجسادهم. وهذا الإتحاد بين الكلمة العادم الفساد والبشر الفاسدين ألبسهم عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات. فلم يعد الموت يستطيع المساس ببني البشر لأن الكلمة حل بينهم. فكما أن وجود أحد الملوك في إحدى المدن يعطيها كرامة وحماية كذلك وجود الكلمة بين الناس. يشبه أثناسيوس الرب بملك بنى مدينة فأهملها أهلها وتركوها لعبث البعض لكن الملك إنتقم من العابثين ولم يهتم بإهمال أهل المدينة. فالمسيح غيَّر طبيعة الموت البشري بموته إذ أن الناس لم يعودوا يموتون خاضعين للدينونة بل يموتون بانتظار القيامة العامة.

أيضاً من أسباب التجسد أن الله رأى الإنسان يعجز عن معرفة الله بسبب طبيعته فتجسد حتى يعرف الناس كلمته التي أوجدتهم. فكونهم مخلوقين على صورته أعطاهم نصيباً منها ولكنهم ضلوا حتى بات كل شيء معروفاً إلا الله وكلمته. فلم يبقَ لدى الله إلا "تجديد الخليقة" التي تحمل صورته حتى يعرفه الناس مرة أخرى. هذا لم يكن مستطاعاً من خلال البشر لأنهم مخلوقون على مثال الصورة، ولا من خلال الملائكة غير مخلوقين على الصورة فأتى كلمة الله الذي هو صورته. واتخذ جسداً أباد الموت فيه حتى يصبح تجديد البشر ممكناً. ويعطي القديس أثناسيوس مثلاً رائعاً على هذه الفكرة ويقول أنه إن فسدت صورة وجب عودة صاحبها حتى يستطيع الرسام إصلاحها.

سبب آخر للتجسد هو الحاجة إلى تعليم الناس عن الله وهذا ليس ممكناً من قبل الناس لأنهم فاسدون فكان ضرورياً مجيء الإبن. وهذا التعليم لم يكن ممكناً من خلال الخليقة كما فعل في المدة الأولى بل كان ضرورياً أن يعلمهم بأعمال جسده أي من الأمور الأرضية. وعليه يكون قد نزل إلى مستوى الناس كما المعلم ينزل إلى مستوى التلاميذ والسبب أن الناس صاروا يبحثون في المحسوسات عنه. فالكلمة توارى في الجسد لكي ينقل الناس إلى معرفته. وهو قد ملأ الكل فهو فوق في الخليقة وتحت في التأنس وفي العمق بنزوله إلى الجحيم وفي العرض أي في العالم. وما ساعد على ظهوره كالله ليس فقط مجيئه وموته بل أيضاً الأعمال التي صنعها في الجسد.

أيضاً هو تمم عملية المحبة وعملية التجديد ثانية بتجسده. الكلمة لم ينحصر في الجسد أي أنه في حلوله في الجسد بقي في كل شيء من الأشياء وبقي مستقراً في أبيه. كان يستخدم الجسد. وكان في نفس الوقت يمنح الحياة لكل شيء بما فيه جسده. فإذا كان يُحكى أنه أكل ووُلد فلأنه أخذ جسداً بالحق لا بالخيال. هوولد من عذراء ليؤكد أن المولود هو رب وأيضاً بالجسد طرد الأرواح وأطعم الكثيرين. وكان يجب أن يموت الجسد لأنه مثل غيره من الأجساد ولكنه باتحاده بالكلمة لم يعد خاضعاً للفساد. وكون الكلمة غير خاضع للموت كان ضرورياً أن يأخذ جسداً يقدمه عن الجميع.
لم يختر الرب الطريقة التي يموت فيها، لكي يبرهن أنه قاهرللموت بكل أشكاله وهو لم يمت بعد مرض لأن جسده أخذ قوة منه وهو القوة. وهو أيضاً قام بجسده ليبرهن بأن الموت لم يصب هذا الجسد بسبب ضعف الكلمة بل لكي يبيد الموت في هذا الجسد. فإن كانت الأرواح التي ترى ما لا يراه الناس تؤمن أنه هوقدوس الله، فيجب على كل من الناس أن يعترف بذلك أيضاً وخاصة اليهود إذ أن نبؤاتهم حكت عنه كإله متأنس كما حكت عن آلامه وموته وصلبه.