(العظة 12 في الآلام 3، 6-7: PL 54، 355-357)

المسيح الحي في كنيسته

لا شكّ، أيّها الأحبّاء، في أنّ ابن الله اتّخذ الطبيعة البشريّة، فاتّحد بها اتّحادا صميما، وبذلك أصبح المسيح نفسه موجودا ليس فقط في الإنسان الذي هو بكر الخليقة كلّها، بل وفي جميع القدّيسين أيضا. وكما أنّ الرأس لا ينفصل عن الأعضاء، كذلك لا تنفصل الأعضاء عن الرأس.
ومع أنّ حياته لا تقاس بهذا الزمن، بل هي أبديّة، لأنّه الله، وهو كلّ شيء في الكلّ، إلا أنّه منذ الآن مقيم من غير انفصال في هيكله الذي هو الكنيسة، بحسب وعده: "هاءنذا معكم طوال الأيّام إلى نهاية العالم" (متى 28: 20).
فكلّ ما صنع وعلّم ابن الله من أجل مصالحة العالم ليس أمرا نعرفه فقط من التاريخ الماضي، بل نشعر به اليوم أيضا بقوّة أعماله الحاضرة.
هو الذي ولد بقوّة الروح القدس من مريم العذراء، والذي يجعل كنيسته الطاهرة خصبة بالروح نفسه، فتلد بالمعموديّة جمهور أبناء الله الذي لا يحصى، والذين قيل فيهم: "الّذين لا من دم، ولا من رغبة لحم، ولا من رغبة رجل، بل من الله ولدوا" (يوحنا 1: 13).
هو الذي فيه يتبارك نسل إبراهيم الذي يشمل العالم كلّه. وهو أبو جميع الأمم، بما أنّ أبناء الوعد لا يولدون بحسب الجسد بل بحسب الإيمان.
هو الذي لا يستثني أمّة من الأمم، فيجعل من كلّ أمّة تحت السماء قطيعا واحدا مقدّسا يشمل جميع الخراف. وهو يتمّم كلّ يوم ما وعد به حيث قال: "ولي خراف أخرى ليستْ من هذه الحظيرة، فتلك أيضا لا بدّ لي أن أقودها، وستصغي إلى صوتي، فتكون هناك رعيّة واحدة وراع واحد" (يوحنا 10: 16).
ومع أنّه قال للقديس بطرس خاصّة: "ارع خرافي" (يوحنا 21: 17)، فإنّ الربّ الواحد هو الذي يرعى خدمة جميع الرعاة، ويغذّي في المراعي النضرة والمرويّة جميع الخراف المقبلة إلى الصخرة. فتتقوّى الخراف العديدة المسمّنة بقوّة المحبّة. وكما أنّ الراعي الصالح تنازل فبذل نفسه في سبيل خرافه، كذلك لا تتردّد هي أن تبذل نفسها في سبيل راعيها.
هو الذي تشارك في آلامه ليس فقط جماعة الشهداء الممجّدين، بل وإيمان جميع المولودين منذ لحظة ولادتهم.
لهذا يحتفل بحسب الشريعة بفصح الربّ بفطير الصدق والحقيقة، وينبذ خمير الخطيئة القديمة، فتنتشي الخليقة الجديدة بالربّ نفسه وفيه تجد غذاءها.
وما ينجم عن المشاركة في جسد المسيح ودمه هو أنّنا نتحوّل إلى ما نأخذه ونتغذّى به. فنحمله في كلّ شيء وفي كلّ مكان، في روحنا وفي جسدنا، وهو الذي متْنا ودفنّا وقمْنا معه.