المقالة الثانية

في المقالة السابقة حاولنا قدر الإمكان أن نفهم معًا المصاعب التي تقف في طريق اختبار الثالوث. على المستوى الفردي كانت الصعوبة الأولى هي فصل عقيدة الثالوث عن الحياة الروحية وعن البناء اللاهوتي العقيدي، وقد أدى هذا الفصل إلى انعزال عقيدة الثالوث عن باقي العقائد.

على المستوى الجماعي يُعد ضعف اختبار الكنيسة للوحدة والتعدد هو المشكلة الأولى التي تقف في سبيل تذوق حقيقة تعدد الأفراد ووحدم، وهو الطريق الروحي السليم والوحيد لتذوق الثلاثة في الواحد.

المشاكل الفكرية:
يهمنا أن نطرح إحدى المشاكل الأساسية، وهي مشكلة عقلية بحتة لا علاقة لها بموضوع الثالوث ولكنها مرتبطة ذا الموضوع بشكل واضح معروف لنا.


أو لاً: مشكلة اللغة:
على الرغم مما قيل وما سيقال عن أصل اللغة عند الإنسان، سواء أكان أصلها مادي بحت (5) حسب اعتقاد برتراند رسل Russell الذي دافع عن فكرة واحدة، وهي نشوء كل الألفاظ والمفردات من واقع خبرة الإنسان اليومية وعلاقته بالطبيعة المادية فقط. وهو بالطبع ما يجعل أي فيلسوف عاجز عن شرح أسباب تطور الفكر البشري إلى نظريات وقضايا فكرية مجردة، ذلك أن نشوء اللغة وارتباطها بالواقع المادي فقط يجعل تطور الفكر محصورًا في الواقع المادي فقط، وهو ما أكدت عكسه توالد النظريات الفلسفية والسياسية معتمدة على أبعاد المعنى المادي للكلمات وإدخال معنى جديد، بل وإخراج كلمات جديدة ( ٦). ونحن لا يجب أن نناقش معنى اللغة وأصلها، فذلك موضوع بعيد تمامًا عن الموضوع الذي نحن بصدده.


ولكن لا يمكن أن نغفل عن حقيقتين أساسيتين:
  1. ١- إن اللغة مرتبطة تمامًا بالواقع المادي، وإلاَّ عجز الإنسان عن التعامل تمامًا مع ما يحيط به من بشر وأشياء مادية.
  2. إن اللغة مرتبطة أيضًا بالفكر البشري، وتتطور مع تطور الفكر، فليس لدينا لغة واحدة غير متطورة تخترع الكلمات الجديدة وتطور الكلمات القديمة.
وهذا يعني في النهاية أن أصل اللغة المادي لا يمنع من تطور كلمة مادية بحتة ويضفي عليها معنى غير مادي عندما يتطور وجدان وعقل الإنسان ويصبح قادرًا على فهم وتقبل هذه الحقيقة الجديدة.

مثال: مما لا شك فيه أن كلمة "بيت" تعني أصلاً المكان الذي يعيش فيه الإنسان وهي تعني بالدرجة الأولى البناء المكون من عدد من الحجرات، وقد جاء هذا المعنى بكل وضوح في (التكوين ٥: 11). ولكن على الرغم من ارتباط فعل بنى ويبني بالبناء وبالبيوت، إلاَّ أن الفعل خرج عن معنى بناء البيت المادي إلى معنى غير مادي وهو معنى بنيان وبناء الكنيسة الروحي "حتى تنال الكنيسة بنيانًا" (١ كورنثوس ١٤: 5) أو "ليكن كل شيء للبنيان" (١ كورنثوس ١٤ : ٢٦)، ومما لا شك فيه أن البنيان هنا = الصلاح والخير للكل.

وتحول الفعل أيضًا للحديث عن الخدمة وجاء التعبير "بنيان جسد المسيح" (أف ٤:١٢) ومن الواضح أن جسد المسيح لا يُبنى مثل البيوت أو المباني وهذه حقيقة، لكن جسد المسيح يتسع وتضاف إليه ليس حجرات، بل أعضاء جديدة.

وعلى الرغم من ارتباط البناء باستخدام الحجارة إلا أن النبي حينما يقول "اسمعوا هذا يا رؤساء بيت يعقوب .. الذين يبنون صهيون بالدماء وأورشليم بالظلم" (ميخا ٣: 9-10)، ففي هذا النص الفريد نرى أن كلمة بيت اتسعت وأصبحت تعني كل أسباط إسرائيل الاثنى عشر، وبهذا خرجت الكلمة تمامًا من واقعها المادي وأصبحت تعني الأفراد لا الحجارة، كذلك أصبح فعل يبني لا يعني البناء وصف الحجارة، بل استخدام العنف والظلم أي إرساء قاعدة للعدوان والاستغلال.

هكذا تتطور اللغة مفسحة المجال للاختبار الجديد وهو اتساع البيت غير المادي ونموه في عدد الأفراد لا في عدد الحجرات ليصبح بيت يعقوب بالمعنى الإنساني لا المعنى المادي القديم.

إذا طبقنا هذا على اللاهوت، فإن خير مثال هو الحديث عن وحدانية الله من الجانب اللغوي المحض.

كلمة "واحد"
مما لا شك فيه أن كلمة "واحد" مرتبطة بالخبرة الحسابية عند الإنسان، ولعل هذا هو أقدم استخدام لها في اللغة البشرية، ذلك أن الإنسان وإن كان قد عرف الأرقام بعدما عرف الكلمات على اعتبار أن الكلمات تسبق العملية الحسابية، وهي أكثر تعقيدًا من مجرد الفكر إلا أن أسماء الأرقام واحد - اثنين - ثلاثة سبقت الأرقام نفسها، وهذه مسألة بديهية. لكن الأرقام لم تكن مرتبطة بالمرة بخبرة مادية، وعملية الإحصاء والترتيب تستند على الواقع المادي في الزراعة والتجارة، فالإنسان محتاج إلى أن يرتب ويرقم كل ممتلكاته.


ولذلك وحده وكما يعرف علماء الرياضة أن واحد = رقم محدود القيمة. وبالتالي لا يمكن أن نصف الله بأنه "واحد" من الناحية الحسابية. لأن هذا إهانة للقدير الذي لا حدود بالمرة لقدرته وقوته. الله لا يمكن أن يكون واحدًا، أي حتمية حسابية، ولكن في دنيا الأشخاص تكتسب كلمة واحد معنى آخر غير حسابي بالمرة فيه نوع من الغموض وعدم التحديد. ونلمح هذا في حديث الرب "واحد منكم يسلمني" (متى ٢٦: ٢١). وعلى الرغم من أن هذه العبارة فيها تحديد عددي أي أن عدد الذين سيسلمون الرب = ١ إلاَّ أنه من الواضح أن العبارة تحمل رغبة القائل في إخفاء هوية واسم هذا الواحد، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك إذ بدأ التلاميذ في التساؤل عن شخصية الخائن. هنا أصبحت كلمة واحد، رغم أصلها العددي ورغم قيمتها الحسابية = شخصًا مجهولاً غير معروف. وهذا واضح أيضًا "واحد من الذين مع يسوع ضرب عبد .. وقطع أذنه" (متى ٢٦: 51).

وقد خرجت كلمة واحد تمامًا عن معناها الحسابي عندما تطورت حياة الإنسان. لاحظ كيف يستخدم عزرا كلمة واحد "اجتمع الشعب كرجل واحد" (عز ٣: ١) أو في العهد الجديد "وصنع من دم واحد كل الساكنين على الأرض" (أع ١٧: ٢٦). وفي كلا النصين أصبحت كلمة واحد تفيد الوحدة بدون تحديد للقيمة الحسابية المحدودة. ومما لا شك فيه أن اجتماع الشعب كرجل واحد يعني أن كثرة من البشر صار لها رأيٌ واحد بدون افتراق أو منازعة، أو صارت له كلمة واحدة مثل العبارة الدارجة في مصر لا سيما في الصعيد "كلام واحد". وهذا المعنى نراه في عبارة "الدم الواحد" وفيه ليس الوحدة فقط، بل المساواة أي انه لا يوجد فرق بين الناس في اللغة أو الشكل أو القومية لا يوجد إنسان أفضل من إنسان آخر.

وفي رؤيا حزقيال يقول النبي "ونظرت وإذا أربع بكرات بجانب الكروبيم .. ومنظرهن شكل واحد للأربع" ( ١٠: 9-١٠). والشكل الواحد للأربع يعني هنا بلا شك تعدد الشكل من الناحية الحسابية، ذلك أن وجود أربع أشياء مثل بعضها في الشكل يعني وحدة الشكل وتعدد في الوجود - شكل البكرات واحد ولكن البكرات أربعة. الشكل يتعدد نظرًا لتعدد الأشياء التي تحمله، ولكن يظل الشكل واحدًا لا اختلاف في تعدده.

لنتصور وجود أربعة من البشر كل منهم مثل الآخر تمامًا، أو أربع قطع من عملة واحدة مثل الخمس قروش. كيف يصف الإنسان لغويًا هذه الظاهرة؟ يمكنه أن يقول "نسخ مكررة" ويمكنه أن يقول "أربعة في بعض" ويمكنه أن يقول "الأربعة شكلهم واحد" ويمكنه أن يقول أيضًا "واحد مكرر" ولكن في كل هذه التعبيرات رغم اختلاف تركيبها اللفظي تحمل للعقل البشري إدراك وجود أكثر من شيء واشتراك هذه الأشياء في عنصر واحد يجمعها هو الشكل أو الجوهر. وفي هذا الإطار يجب أن نفهم هذه العبارة "وكانت الأرض كلها لسانًا واحدًا" (تك ١١: ١) ورغم أن اللسان الواحد يجعل الإنسان يفكر فعلاً في ذلك العضو الموجود في كل فم إلا أن كلمة لسان = لغة وهذا يؤكد ما قلناه عن تطور معاني الكلمات، لكن بالأكثر نجد في اللغة الواحدة ليس كمًا حسابيًا، بل الوحدة أو العنصر الذي يجمع البشر معًا بدون وجود تقدير حسابي.

وفي نفس المجال يتحدث الرب يسوع عن جماعة التلاميذ ويطلب من الآب "ليكونوا واحدًا" (يو ١٧: ١١ و ٢١ ). وهنا التقدير لكلمة واحد ظاهر في وجود الفعل يكونوا وهو دلالة للجماعة وليس للفرد، ومع هذا هؤلاء جميعًا سيصبحون واحدًا، وهي وحدة لا يمكن أن تختفي منها الأشكال والأسماء وإنما يختفي منها الانقسام والانعزالية والتشبث بالرأي من أجل الأنانية، وبذلك يصبح الكل معًا واحدًا رغم التعدد.

وفي مواجهة الخطر يصف نحميا ما كان يحدث عند بناء السور "البانون على السور بنوا، وحاملوا الأحمال حملوا. باليد الواحدة يعملون العمل وبالأخرى يمسكون السلاح" (نحميا ٤: 17). واليد الواحدة تعني اتساق ونظام العمل في البناء، لكن تعني أيضًا توزيع العمل بين اليد التي تعمل واليد الأخرى التي تمسك بالسلاح. وقد دخل هذا التعبير في كل أناشيد الثورات من الثورة الأمريكية إلى الثورة المصرية، ولعل القارئ يعرف الأغنية المصرية المشهورة "بأيد نبني وأيد ندافع .." وبالطبع لا يمكن هنا أن نتصور أن أيادي أي شعب قد تحولت إلى يد واحدة فهذا لا يحدث في الواقع المادي، لكن على مستوى الاختبار الجماعي يشعر كل فرد انه يعمل مع غيره وان اليد واحدة فعلاً رغم تعدد الأيادي، ولكن علينا أن ندرك أن اليد الواحدة للشعب تعني ضرورة وجود التعدد وضرورة وجود الأفراد، ولكن بجانب ذلك يجب أن تكون الوحدة موجودة فعلاً وإلا استحال وجود اليد الواحدة حتى كتعبير.

وكأن كلمة واحد هنا خرجت تمامًا عن معناها الحسابي ودخلت مجال العلاقات البشرية والثورات وأصبحت تعني المسئولية المباشرة للجميع، وبذلك تحولت كلمة واحد إلى مضمون آخر غير مادي بالمرة وهو الجميع أو الجماعة المتضامنة وصار مدلول كلمة واحد هنا الوحدة ( ٧) النفس الواحدة في (أعمال ٢: 25 و46، 15: 25).

الجانب السلبي لكلمة واحد:
غير أن لكل كلمة من كلمات أي لغة جانب سلبي قد يكون في بقاء أصل الكلمة المادي وقد يكون في شدة ارتباط الكلمة بالخبرة الحسابية. وفي الحقيقة أن الإنسان أينما كان ورث شيئًا هامًا يُعرف في الفلسفة وعلم النفس باسم Negation أي الإنكار - النفي - السلب - النقيض.


ورغم أن النظريات تتضارب في أصل هذه القوة وسبب وجودها في حياة الإنسان إلاَّ أنها موجودة فعلاً ويلجأ إليها الإنسان في لحظات الصفاء وفي لحظات الخوف. وقدرة الإنسان على النفي أو الإنكار أو السلب أو خلق النقيض هائلة ولا حدود لها. وليس هذا هو المجال للحديث عن أشكال وصور Negation ولكن في الخبرة الإنسانية وبالذات في المجال الديني يحتاج الإنسان إلى النفي في مواجهة الأفكار والعادات التي تتعارض مع إيمانه وقد يكتفي الإنسان بمجرد النفي وقد يتطور النفي ويصبح خلق النقيض على شكل فكرة أو مبدأ. ولعل أفضل مثال للعلاقة بين الفكرة ونفيها أو نقيضها هو التوحيد والشرك والتوحيد هو الاعتراف باله واحد. أمّا الشرك فهو الاعتراف بعدد من الآلهة - أو واحد من الآلهة يشارك الله.

ويختلف علماء تاريخ الأديان حول تفسير ظاهرة الشرك أو تعدد الآلهة وهل سبق التوحيد الشرك أم سبق الشرك التوحيد؟ وهذا السؤال على قدر كبير من الأهمية ذلك أن صيغة الاعتراف باله واحد هي صيغة نفي وبالتالي فهي ترفض الشرك ووجود مثل هذه الصيغة يعني أن الشرك سبق التوحيد أو على الأقل سار معه منذ البداية.
وإذا سبق التوحيد الشرك أصبحت صيغ الاعتراف بالتوحيد مرتبطة بالاعتراف بشكل مباشر بالتوحيد من جانبه الايجابي.

ولكي لا يصعب الموضوع يمكننا أن نلجأ إلى الكتاب المقدس مباشرة لكي نفهم ماذا تعني عبارة "إله واحد" وكيف يمكن أن تتطور صيغة الاعتراف باله واحد من الناحية الايجابية إلى النواحي السلبية.

ما قبل السقوط:
تاريخيًا كانت علاقة الله بالإنسان على أفضل وضع إلى أن حدث السقوط. هنا في هذه المرحلة أي ما قبل السقوط لم يكن لعبارة إله واحد أي مدلول أو معنى لأن الإنسان كان يدرك الله بطريقة سليمة لا انحراف فيها وكان الله هو كل شيء بالنسبة للإنسان في هذه المرحلة بالذات جاء الاسم العبراني "ألوهيم" ويمكن ترجمتها إلى "الآلهة" حيث أن الياء والميم هي صيغة الجمع المذكر السالم في العبرانية. ولكن "ألوهيم" في سفر التكوين وهو سفر بداية الخليقة وبداية الحياة الإنسانية هو مفرد. حيث يجيء الفعل في تكوين ١: ١ "خلق" وليس "خلقوا" "في البدء خلق ألوهيم السماء والأرض".


ومن هنا ندرك حتمية السؤال عن علاقة الشرك بالتوحيد، لأن عددًا لا يستهان به من علماء العهد القديم واللغة العبرانية تمسكوا بالقول بأن "ألوهيم" تعبر عن مرحلة الشرك التي مر بها بنو إسرائيل. غير أن هؤلاء عجزوا عن شرح أسباب وجود كل الأفعال الخاصة بألوهيم بصيغة المفرد مثل خلق - قال - رأى.

والتفسير المسيحي كما تعرف للنصوص الخاصة بصيغة الجمع لا سيما "هوذا الإنسان قدصار كواحد منا" (تك ٣: ٢٢) تشير بشكل مباشر للثالوث الآب والابن والروح القدس. وهو تفسير صحيح يمكننا أن نراه على مستوى واقعي، بل وفلسفي أيضًا.

كانت معرفة آدم بالله هي معرفٌة به على أنه "ألوهيم" وليس بذات الشكل الذي نتصور به الوحدانية اليوم. فمن المستحيل أن تنشأ كلمة "واحد" في عقل لم يتلوث بالشرك، ولذلك، تأكيد الاعتراف بالواحد هو متكرر في مرحلة الأنبياء لا سيما في الاعتراف المشهور "الرب إلهنا رب واحد" (تثنية ٦: ٤) لأن الكلام عن وحدانية الله في هذه المرحلة ضروري وأساسي حيث أحاطت الوثنية وتعدد الآلهة بكل شيء.

لكن قبل السقوط؟ ماذا كانت نظرة آدم لله؟

لم يعرف آدم الله كإله واحد لأنه لم يكن محتاجًا لأن يقارن بينه وبين آلهة أخرى ثم يصفه "بالواحد".
ولم يعرف آدم الله كإله بالمعنى الحسابي، أي قيمة محدودة، ذلك أن الله كان كل شيء في حياة آدم ولم يكن محدودًا في نظر آدم بالمرة.

فإذا تصورنا انعدام وجود الوثنية تمامًا.
وإذا تصورنا انعدام الشرك.


استطعنا أن نصل إلى حقيقة هامة، وهي أن كلمة واحد لم يكن لها ذات المعنى الذي نعرفه اليوم والذي نقرأه عند اشعياء مثلاً "ليس آخر سواه" (أش ٤٥: ٥)، أو كما يقول هوشع "لست تعرف ولا مخلص غيري" (هو ١٢: ١١ )، أو كما يقول سفر الأعمال "ليس اسم آخر تحت السماء" (أع ٤: ١٢ ) ذلك انه في وجود "الآخر" فقط تصبح كلمة "الواحد" أساسية وهامة، وهذا هو الجانب السلبي في التوحيد. أي انه نفي للتعدد والشرك. غير أن الله وهو يُظهر نفسه لآدم ويُعلن له عن ذاته لا يًظهر نفسه كواحد، أو الواحد. وهذا هو معنى كلام الله لموسى النبي انه لم يكن معروفًا للبطاركة باسم "يهوه" أي "الذي هو كائن". حقيقي أن الله عُرِفَ باسم "أيل" وأسماء أخرى مثل "فنوئيل". إلا أن مرحلة المعرفة المباشرة بالله تتعدى كل الأسماء والتحديدات، وهي مرحلة سابقة على النطق بأي شيء عن الله، وهي مرحلة نمر بها أحيانًا في الصلاة عندما تصبح الكلمات والأسماء مجرد إشارات إلى ما هو وراء الكلمات والأسماء، وهي مرحلة آدم قبل السقوط.

كان آدم يعرف الله كما يعرف أي إنسان صديقه، وكان حديث الله مع آدم حديثًا مباشرًا لا نعرف عنه إلا القليل لأنه فوق إدراكنا.

ما بعد السقوط:
وسقط آدم وأصبحت ذاته ونفسه هي كل شيء، وأصبح يحتاج إلى ذاكرته لكي تسعفه وتجعله يذكر الله وأصبح يحتاج إلى اسم وإلى إعلانات عن الله؛ لأن آدم حجب وجهه عن الله وأصبح راغبًا في الألوهة وأن يكون مثل الله (تك ٣: ٥) فأصبح منقسمًا على ذاته لا يدري ماذا يقول على الله وكيف يعبر عنه، ولكنه احتاج إلى أن يتذكر - لا سيما - بعد طرده من الفردوس أن الله آخر مختلف عنه تمامًا، وأنه مع محبته ورحمته شديد وقوي. كانت قوة الله في سلطانه على الخليقة، ولكن الآن صارت قوة الله مختلطة بالذنب وتوقع العقاب، فتحولت إلى قوة مخيفة واهتزت كل الاختبارات الحلوة المفرحة القديمة وأصبحت ذكريات لا علاقة لها بالواقع الذي يحياه آدم الآن خارج الفردوس.


كيف فكر آدم بعد السقوط في الله؟ ربما كما نفكر نحن بعد عشرة حلوة مع الله ينسكب فيها الفرح والسلام وعذوبة حضور الله ثم نسقط أو تتوه عقولنا ويتعب فكرنا فنخرج خارج الفردوس ونعود نسأل أين الأيام الحلوة الجميلة "متى أجيء وأتراءى قدام الله. صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك" (مز ٤٢: 2-3). ولكن الذكريات الحلوة في الأردن وحرمون وجبل مصعر (مز ٤٢: ٦) يتهيأ الإنسان لانسكاب الله في موجات وموجات متدافعة تجعل المزمور يقول "لججك طمّت عليّ" (مز ٤٢: 7).

نحن ندرك في مرحلة السقوط كم هو هام وضروري أن يصبح الله "واحدًا" وأن يصبح "لا إله غيره" ولا "آخر سواه" كل هذه التعبيرات أساسية في مواجهة انقسام الإنسان وتشتته وضعفه وهي مظاهر لشيء رهيب "لججك طمّت عليّ" (مز ٤٢: 7).

الموت ووحدانية الله:
لعل اختبار الموت هو أقسى ما يمر به الإنسان، إنه حسب شرح العلامة أوريجينوس "الموت = انفصال عن الله". وحقيقة انفصال الإنسان عن الله ظاهرة في كل يوم في جهل الإنسان بالله وعجزه عن إدراك أي شيء عنه مات الإنسان وأصبح بذلك محتاجًا لأن يصف الله بالواحد، بل "الواحد الذي لا يموت" كما نقول في التقديسات الثلاثة.




الحواشي:
(٥) An outline of Philosophy, London, 1927. p. 46-60
(٦) W.M. Urban “Language and Reality”, London, 1939, p.306.

(٧) راجع مقالة "الكنيسة واحدة دائمًا" مجلة مرقس، إصدار دير القديس مكاريوس الكبير-مصر، عدد نوفمبر ١٩٧٥.


يتبع>>