المقالة الثالثة

مشكلة الموت واختبار الله
اللهُ حقيقًة فوق الإدراك. ولا يختلف معنا أي إنسان على صحة هذه العبارة لكن مشكلة بقاء الله فوق الإدراك لها جذور في الطبيعة الإنسانية نفسها ذلك أن الطبيعة الإنسانية أصيبت وحلت بها نكبة "الموت".


السقوط والموت في سفر التكوين:
الموت ليس هو توقف القلب عن الحركة. هو انقطاع تدفق الحياة الإلهية في الإنسان. هو توقف علاقة الإنسان بالله أو هو موت هذه العلاقة. وقد عبّر سفر التكوين عن هذه المأساة بقصة، ذلك أن المأساة لا يمكن أن تكتب إلا بطريقة قصصية.


كانت إحدى نتائج السقوط هو شعور آدم وحواء بما تعبّر عنه هذه الكلمات "وانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان" (تك ٣:٧). وانفتاح العين هي حالة إدراكٍ داخلي رافقها شعورٌ انعكس على الجسد. والشعور بالعري هو إدراك العجز والضعف، هو شعور بالعدم Nothingness وهو يختفي وراء الرغبة في الملابس، أي البحث عن رمز أو شيء يجعل الإنسان يشعر بالحياة وبأنه على ما يرام.

لكن من زاوية أخرى، فَقَدَ آدم علاقته بالله، ولذلك ما أن سمع صوته حتى اختبأ في وسط شجر الجنة (تك ٣: ٨) وهنا الشعور بالضعف والعدم يرتبط بالشعور بالخجل. كان آدم يخجل من ذاته لأنه وصل إلى تلك الحالة. وكان يخجل من الله لأنه رفض الله. وفي أعمق الشعور بالذنب بَحَثَ عن مكان يختبئ فيه. وبدت الحياة غريبة بعد السقوط، بدت غريبة بسبب الموت. والشعور بالغربة عن الوجود هو من علامات الموت.

والموت هو ضياع العلاقة مع الله، وهو أيضًا ضياع الهدف من الوجود. ولذلك يسأل الإنسان نفسه في كل زمان ومكان: مَن أنا؟ والسؤال عن هوية الإنسان هو سؤال نابع من الشعور بالعدم. والسؤال: مَن هو الله؟ هو سؤال مَن اغترب عن الله. هو سؤال من يموت عن سبب الحياة. وهكذا بدأت أزمة الإنسان الرهيبة. كل شيء حوله غريب، وحقيقة الحياة تبدو لا طعم لها ولا هدف. في هذه الحالة وحدها يبدأ وضع التعريفات Definitions أي الانطلاق من الغرابة أو محاولة الخروج من الظلام.

يقول القديس باسيليوس "لم يكن آدم محتاجًا لتعريف الله، كان يعرف الله ولم يكن محتاجًا لأن يتحدث مع نفسه أو مع غيره عن الله لأنه كان يتأمل الله بدون عناء" (عظة ١٣٨: ١١). لكن بعد السقوط كان اختباره القديم محتاجًا لمراجعة، وكان آدم محتاجًا لأن يتحدث مع نفسه عن الله في ضوء الواقع الجديد.

و"الحديث مع النفس" هو حوار الإنسان مع نفسه، وهو حوار يحمل علامة أكيدة على انقطاع العلاقة مع الله.

كان الإنسان يشتهي أن يكون مثل الله في المعرفة، وهو ما قصده سفر التكوين بهذا التعبير"معرفة الخير والشر" (تك ٣: 9) (8) لكن آدم طلب هذه المعرفة المطلقة عن طريق آخر غير طريق الله.

هنا انفصل الإنسان وأصبح يعيش لذاته التي تسد عليه كل وسيلة لرؤية الله أو تأمل أي حقيقة من الحقائق .. بدأ الإنسان يشعر بذاته كمصدر للمعرفة وأصبحت كل معرفة تمتزج بما في ذات الإنسان وتتحول إلى معرفة ذاتية، أي تفقد موضوعيتها.

منذ السقوط صارت كل حقائق الحياة ذاتية. وفقدت الإنسانية إمكانية الوصول إلى معرفة موضوعية للحقيقة، لأي حقيقة.

أصبح الإنسان يقيس الخير والشر بمقياس ذاته، وأصبحت ذات الإنسان هي ركيزة كل شيء .. حتى في الكلام عن الله؟ نعم وبكل تأكيد. أصبح كل ما يخص الله بسبب الانفصال أو الموت ذاتيًا ينطلق من مفاهيم الإنسان وتعاريفه.

المحدود وغير المحدود:
لقد انتهت قصة السقوط بطرد آدم من الفردوس. وتقول القصة أن الله منع عنه الأكل من شجرة الحياة. أي أنه لم يستطع أن يأخذ الحياة من الله. وصارت حياته ذاتية تعتمد على ما في ذات الإنسان من قدرات وإمكانيات.


إننا كثيرًا ما نخطئ عندما نتصور أن مأساة الإنسان مع الله هي صراع المحدود مع غير المحدود وعجز المحدود عن رؤية غير المحدود. لكن الحقيقة هي غير ذلك تمامًا. إننا نستطيع أن نتصور غير المحدود وان نضع له هذا الرمز الحسابي. ولكن عمق المشكلة ليس هو العجز، وإنما إذا ملأ غير المحدود العقل البشري عجز العقل عن رؤية أي شيء آخر. وقد عبر الأديب الكبير "توفيق الحكيم" عن هذا العجز في قصته المشهورة "أرني الله" عن إنسان سعى إلى رؤية الله، ففقد كل إحساس بالحياة. لكن الذي لم يكتشفه الأديب الكبير، أو ربما لم يعبّر عنه هو أن رؤية الله غير المحدود عند الإنسان بسبب انفصاله عن الله هي رؤية وليدة الصراع وليست رؤية وليدة الصفاء. ذلك أن الإنسان يحتاج إلى أن يعبر الفجوة التي تفصل بينه وبين الله. هذه الفجوة هي ذات الإنسان. هي نفس الإنسان. فليس من مانع أو عائق يحول دون رؤيتنا لله سوى ذواتنا. وقد أدرك أفلاطون هذه الحقيقة لكنه رأى أن محدودية الإنسان وعجزه سببها الجسد وليس الموت أو انفصال الإنسان. لكن آباء الكنيسة أدركوا أن رؤية غير المحدود ممكنة مع عدم فقدان رؤية العالم عندما يعود الإنسان إلى الله وعندما تتم المصالحة في المسيح.

بعد السقوط صارت قضية معرفة الله على هذا النحو: "إمّا الله أو العالم". وأصبح حذف كل شيء في سبيل الوصول إلى الله هام جدًا لأن هذا الخوف هو دواء لذات الإنسان التي تسد عليه طريق معرفة الله.

الموت ومشكلة اللغة:
بعد انفصال الإنسان عن الله أصبحت معرفة الإنسان ذاتية، وأصبح الحوار بالكلمات والمفردات والبحث عن التعاريف أساسيًا. وأصبحت معرفة الإنسان بالله إنسانية تمامًا وتعتمد على ما في الإنسان وعلى ما خلقه الإنسان لذاته.

تحول الله من "سر" Mystery إلى كلمة، إلى عبارة، أو عبارات. وأصبح الإنسان محتاجًا إلى وضع عبارات عن الله، ولكن كل عبارات الإنسان مهما كانت، عاجزة عن الإمساك أو القبض على "السر"، أي سر الحياة والوجود.

لقد أصبحت كل كلمات الإنسان محدودة وعاجزة عن شرح اللاهوت. وأصبحت قضية الله كلمة يقولها الإنسان مثل "الله واحد"، وهنا فقد "السر" جماله.

في الكنيسة "الرمز" يقودنا إلى السر. والكلمة تقودنا إلى ما وراء الكلمة، ولذلك تصرخ الكنيسة دائمًا بأن الإنسان محتاج إلى "العبور" إلى ما وراء الكلمات. أي عدم الوقوف أمام المصطلحات والمفردات لأنها تؤدي إلى تحجّر الفكر وتوقف النمو. الكلمة هنا مهما كانت تدخل عقل الإنسان وتموت فيه ويصبح العقل مقبرة وليس بؤرة حياة. وكم من مرات كان كلامنا عن الله ميتًا يحمل المصطلحات والحروف وليس المعاني والحقائق.

مات الإنسان وجاءت كلماته تحمل الموت في ثناياها. وفي كلمات الإنسان كل تناقض الفكر وتضارب النظريات والعداوة والبغضة والعجز واليأس والقسوة، وهذه كلها ملامح الموت.

لذلك لم يكن غريبًا أن يُدعى المسيح بالكلمة، لأنه هو "الكلمة الذي كان في البدء" (يوحنا ١: 1) والذي جاء لكي يحيي الإنسان ويحيي كلماته ويعطي له "كلمة حياة" (يوحنا ٦: 63).

واللغة تنمو معنا، ولذلك يجد كل جيل مصطلحاته الخاصة ومفرداته الجديدة وتعريفاته، وكما تولد كلمات جديدة تموت الكلمات القديمة وتندثر، ومع ذلك تبقى اللغة في كل مكان وزمان تحمل الرؤية الذاتية بكل ما فيها من قصور.

محاولات الإنسان لاختبار الله:
على قدر ما يحدد الإنسان شكل الله وصفاته على قدر ما يحدد دون أن يدري مستقبل العلاقة مع الله. فإذا اكتفى الإنسان بالكلام عن "الله الواحد" أصبح مستقبل علاقة الإنسان مع هذا "الواحد" معروف. أصبحت العلاقة غامضة غير متداخلة مع الإنسان. وأصبح الله موضوعًا ميتًا لا يُلهم الإنسان بشيء. وفي ظل اعتناق وحدانية مطلقة غامضة تتحلل الحياة الروحية للإنسان، فلا ينعكس أي شيء من حياة الله على حياة الإنسان؛ لأن الله بكل ما فيه حُشِر في كلمةٍ واحدةٍ لا مدلول لها بالمرة سوى نفي التعدد والشرك. وهل يستطيع الإنسان أن يحصل على شيء ايجابي من شيء سلبي؟ وهل كان نفي قضية من القضايا لا يجنب الخطأ؟


ومن ناحية أخرى سقط الإنسان في محاولة تصور الله كنقيض تام للإنسان وحاول الإنسان في هذه المحاولة أن يسلب من الصفات الإنسانية صفة المحدودية ويجمع هذه الصفات لتصبح الله.

لقد سخر الفيلسوف الألماني فيورباخ Feurbach من هذه المحاولة في كتابه المشهور The Essence of Religion والذي نُشر في سنة ١٨٥١ وحاول فيه بكل أمانة أن يرد الإنسان إلى إنسانيته، أي أن يحذف هذه الصورة الإنسانية عن الله لكي يدرك الإنسان انه لا يفكر في الله، وإنما يفكر في ذاته.
ومع أهمية ما يقوله فيورباخ نحتاج هنا إلى أن نؤكد:
  • (أ) أن صورة الله حينما يرسمها عقل الإنسان هي صورة ذاتية للإنسان.
  • (ب) أن صورة الله هذه في عقل الإنسان تحمل ما في الإنسان من صراع مع الموت وشعور بالغربة وانفصال عن الله.

إنها "بديلٌ" لله الحقيقي، وهذا "البديل" هو الإنسان نفسه. وليس هذا سوى عودة إلى ما ذكره سفر التكوين عن السقوط والانفصال عن الله.

لكن الذي لم يحاول فيورباخ أن يفهمه أو حتى يقترب منه، هو أن العلاقة بين الأصل والصورة. وقد أعلن الكتاب المقدس عن العلاقة بين الأصل والصورة يوم قال سفر التكوين "وخلق الله الإنسان على صورته" (تك ١: ٢٦).

والعلاقة بين الأصل والصورة في دنيا الإنسان دائمًا متداخلة، لكن ليس إلى حد انعدام التمييز بين الأصل والصورة. ولكن كل ما في الصورة هو موجود في الأصل، والأصل وحده هو الذي يشرح حقيقة الصورة.

ولم يحاول فيورباخ حتى في كتابه الآخر The Essence of Christianity أن يشرح سر وجود هذا السؤال الدائم عند الإنسان: من أنا؟ أليس هو سؤال عدم الاكتفاء بما بناه الإنسان من تصورات صائبة أو خاطئة.

إن ظاهرة التدين عبر العصور محصورة في هذه النقطة التي لا يمكن الهروب منها وهي العلاقة بين الأصل الله، وبين الصورة الإنسان. بل إن أي حديث عن الله أو عن الإنسان لا يمكن بالمرة أن يفلت من هذه النقطة أو يتعداها، بوعي أو بدون وعي. وكيف يمكن أن يحدث هذا والإنسان مشغول بذاته وبالله.




الحواشي
(٨) وهو تعبير يعني معرفة كل شيء ونراه بكل وضوح في قول الجارية لداود الملك "سيدي الملك إنما هو مثل ملاك الله يفهم الخير والشر" ( ٢ صموئيل ١٤:١٧) أي أن داود يفهم كل شيء ويعبر برزلاي عن نفس الحقيقة "أنا ابن ثمانين سنة هل أميز بين الطيب والردئ" ( ٢ صموئيل ١٩: 35) أي عاجز تمامًا عن معرفة أي شيء راجع (تكوين ٣١: 24 و29، 2صموئيل 13: 22، تثنية 1: 39، صفنيا 1: 21). وسقوط الإنسان بطلب المعرفة الكاملة عن طريق آخر غير طريق الله يلغي تمامًا الرأي الفاسد الذي يشرح سقوط آدم وحواء بأنها كانت خبرة جنسية.



انتهى
الحوار عن الثالوث مع شخص،" وهمي"، غير مؤمن يتبع في موضوع مستقل...