عالم الآثار مشغول بتحليل الحجارة
إنّه يبحث عن عينيه في ردمِ الأساطير
لكي يُثبتَ أني
عابرٌ في الدرب لا عينين لي
لا حرف في سِفْرِ الحضارة
وأنا أزرع أشجاري على مهلي
وعن حبّي أغني

الشاعر محمود درويش



اخترت البداية من الشعر، فلا أبلغ من كلمات محمود درويش لكي تعبّر عن الأصوات المتعالية والمتزايدة في العالم والتي تعتبر الكتاب المقدس - العهد القديم تحديداً - مجموعة من الأساطير العبرانية المسروقة عن الحضارات السابقة المجاورة في بلاد ما بين النهرين وسوريا ووادي النيل.. محاضرات وندوات تعقد ، وباحثون سخّروا حياتهم للنيل من العهد القديم وقدسيته بأي ثمن. وفرائسهم تتزايد من المسيحيين وخصوصاً جيل الشباب ، حتى بات الشخص يفتخر بقراءته لرواية دافنشي كود عدة مرات ويتباهى بأنه لا يؤمن بالعهد القديم ويستغرب استمرار الكنيسة في ضمّه إلى العهد الجديد وتقديسه ..

يطالبون منذ القرن الماضي بالاكتفاء بالعهد الجديد ! وربما سيأتي يوم ليس ببعيد يبدؤون فيه بالحملة المنظمة على العهد الجديد نفسه ..

هل الماسونية خطر ؟ أم الصهيونية ؟ أم الحرب الفكرية وغسيل الأدمغة هو الأخطر اليوم ؟؟
الصهيونية والماسونية باتتا مفضوحتين ومكشوفتين ، اليوم الحرب من نوع آخر : بالأمس شيفرة دافنشي ومن ثم كتاب يهوذا المزعوم واليوم القبر الضائع لعائلة المسيح وغداً سيأتي ما هو أعظم ..

لكن الكنيسة التي على الصخر أسسها فاديها لن تقدر اهوال الجحيم إلا أن تتكسر عند عتباتها مادام فيها الروح القدس يعمل



" أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل "

هذا المقال الطويل سينشر على جزءين : واليوم الجزء الأول . لن أعلق على أي تعليق حتى انتهاء نشر المقال .

العهد القديم: أساطير العبرانيين أم كتاب الكنيسة ؟!

الأستاذ الدكتور : ميلتياديس كونستانتينو
جامعة تيسالونيك - جامعة البلمند


ترجمة السيدة سميرة حموي - عطية " عن اليونانية "



يُعتبر اكتشاف حضارات مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين، التي كانت منسية على مدى قرون، واحد من أهم إنجازات القرن الثامن عشر. كما أن توسع الأفق التاريخي الذي نتج عن هذا الإكتشاف أثر لا محالة في طريقة النظرة إلى الكتاب ومقاربته.
إن العدد الهائل من النصوص الذي جاءت به الإكتشافات الأثرية إلى النور جعل الكتاب اليوم من أقدم الكتب في العالم، وهو نسبياً أحدث إنتاج في تاريخ الحضارة الإنسانية المغرقة في القدم، طالما أن المسافة الزمنية لأكبر جزء من محتواه منذ بدايات الحضارات القديمة يساوي تقريباً 2500 سنة بالقياس إلى بعده عن الزمن الحاضر.
وهكذا فإن العالم الكتابي لديه إمكانية رؤية نصوص الكتاب في خضمّ تيار واسع من تراثات مختلفة المنشأ والنوع تفتح له آفاقاً جديدة للتفسير وتقدم له إمكانيات جديدة لفهم أفضل وأكمل لها.
ولكن بالإضافة إلى النتائج الإيجابية التي تمخضت عنها المقاربات التفسيرية الحديثة، فقد طرح في نفس الوقت تساؤل خطير: بماذا يختلف الكتاب عن أساطير الشعوب الأخرى المجاورة لإسرائيل ؟
تتزايد في السنوات الأخيرة أصوات مختلفة، تشكك بطريقة أو بأخرى بقيمة " الكتب اليهودية " أي الجزء الأول من الكتاب المقدس المسيحي والذي يسمى " العهد القديم " في الكنيسة.

يعتقد البعض أن دراسة العهد الجديد كافية للإيمان المسيحي، طالما أنه فيه ينكشف إله المسيحيين بشكل حقيقي. والبعض الآخر يتجرأ ويطرح السؤال التالي مباشرة : لماذا يجب على المسيحيين أن يدرسوا" أساطير العبرانيين " ؟ وبالأحرى هل هي ضرورية لإيمانهم ؟

إن القضية كلّها ذات هيكلين :
الأول يتعلق بالسؤال عن علاقة العهد القديم ونصوص أساطير الشعوب المختلفة
والثاني يتعلق بأهمية العهد القديم بالنسبة للإيمان المسيحي

ولكي يجيب المرء على السؤال الأول ينبغي أولاً أن يعطي إجابة واضحة على السؤال التالي: كيف وجدت كتب الكتاب المقدس ؟ هذا ضروري جداً لأنه عندما يدور الحديث عن الكتاب تسيطر في أذهان الكثير من الناس فكرة الكتاب الذي " نزل " من السماء .. ونتيجة لهذه المفاهيم تواجه أية فكرة نقدية عن تاريخ تجميع كتب الكتاب المقدس بريبة وشكوك من قبل المؤمنين . ولكن إذا كان الإيمان المسيحي مرتكز بالتأكيد على حقيقة أن الله لكي يقترب من الناس وصل إلى حدّ أن يصير هو نفسه إنساناً، نفس الشيء يجب أن يسري على هذا الكتاب الذي يشهد على هذه الحقيقة .

وبالتالي فإن الكتاب المقدس لم يُملَ على الناس من قبل الله، ولكنه ثمرة عمل الله المشترك مع البشر، أي أنه كُتِبَ من قبل الناس بلغة يفهمها الناس ، وإذا استنار الكتّاب القديسون بنعمة الروح القدس صاروا أدوات إلهية وحملةً للكشف الإلهي ، آخذين على عاتقهم نقله إلى الناس. ولكنهم لم يعملوا بشكل آلي سلبي بل احتفظوا بشخصيتهم كاملة، محاولين أن يجعلوا الحقائق الإلهية قريبة من أخوتهم في الإنسانية ، لذلك اختار كل واحد منهم بحسب مستواه الثقافي وإمكاناته الروحية الوسائل التعبيرية والأشكال اللغوية ( سرد، شعر، إلخ ) والتي بحسب رأيهم تساهم أكثر في نجاح مهمتهم المقدسة.

يتدخل الوحي في الحقائق الإلهية فقط وليس في الوسائل التي تعبر عن هذه الحقائق أو في مفاهيم العصر عن تركيبة الكون أو الأحكام الإجتماعية أو اعتبارات أخرى. بالتالي فإن النصوص الكتابية هي انعكاسات أفكار ومفاهيم كل عصر ومعطيات الحقبة التاريخية والإجتماعية التي تتناولها هذه النصوص. إذاً فالفهم الصحيح للنصوص الكتابية يتطلب بالضرورة معرفة كل مفاهيم ومعطيات عصر إسرائيل الكتابي.

هناك خطأ شائع يحدث دائماً في طريقة التفكير المعاصر وهو أنه يعتبر صحيحاً فقط ما يمكن أن تقبله وسائل العلوم التاريخية على أنه صحيح . وهكذا أمام الخوف من التشكيك في صحة الكتاب يجاهد الكثير من المفسرين لكي يبرهنوا على صحة كل الروايات تاريخياً . هذه المشكلة طُرحت يقوة في القرن الثامن عشر بعد اكتشاف ما سُمّي بالكتابة المسمارية وقراءتها. ان الحماس الذي نشأ عن هذا الإكتشاف عند الباحثين بالإضافة إلى التشابه الملحوظ بين نصوص أساطير بلاد ما بين النهرين ونصوص الكتاب إلى دفع البعض من أولئك الباحثين في بداية القرن إلى رأي متطرف بأن العهد القديم ليس إلا نسخة إسرائيلية عن أساطير الشعوب المجاورة .

بديهي أن هذا الموقف خلق ردات فعل عنيفة من قبل اللاهوتيين ولكن بالرغم من ردات الفعل المتطرفة التي صدرت من كلا الجانبين فإن نظرة جادة إلى الأمور تقود إلى التاكد بأنه في الحقيقة يوجد بعض التشابه بين النصوص الأسطورية والكتاب . مثلاً حديقة عدن لا شك أنها صورة تجدها في أساطير بلاد ما بين النهرين عن حديقة الآلهة، الأشجار التي تهب الحياة والمعرفة وتوجد في وسط الفردوس تذكر أيضاً بعرض أسطوري مشابه في ذلك العصر.

ولكن هذه التأكيدات لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبرر أو تدعم رفض الحقيقة الكتابية لأن الكتّاب القديسون في محاولتهم إيجاد طرق تجعل الحقيقة قريبة لقرّائهم ما كان لهم أن يتجاهلوا الأساطير التي كانت منتشرة بشكل واسع في المنطقة. ثم أنه من الواضح أن حقيقة شيء ما لا تتوقف على النمط الأدبي الذي يعبّر عنها. المشكلة يمكن أن تُطرح عندما تكون العناصر الأسطورية مأخوذة شكلاً ومضموناً ولكننا لا نلاحظ شيئاً من هذا القبيل في أي نص كتابي، إنه ولا في حالة واحدة لا نجد شكلاً متكاملاً ومستقلاً للأسطورة ولا هي بالتالي هدف الرواية.

مثلاً إن رواية تمشي الله بعد الظهر في حديقة عدن ( تك3: 8 ) هي صورة تذكر بمشاهد أسطورية ولكن الحديث عن تمشي الله ليس هو هدف الرواية وإنما انقطاع علاقة الإنسان مع الله . إن الصورة هنا تخدم المشهد فقط وليست هي جوهر الرؤية.

الشيء نفسه ينطبق على رواية الطوفان ، فكما أنه في الكتاب كذلك في الملحمة البابلية " جلجامش " يصير الحديث عن " فلك " يُبنى بأمر إلهي لكي ينجو بعض البشر وبعض الحيوانات من الكارثة، ولكن كل قصة نوح تدور حول موضوع واحد وهو فساد الإنسان وعدل الله وقمة هذه القصة نجدها في التشديد على محبة الله الذي بالرغم من فساد الإنسان يعقد اتفاقاً معه . هنا ما يتعلق بالطوفان من عناصر يشكل فقط مجالاً لإعلان حقائق الإيمان الكتابي . بعكس ذلك فإن موضوع ملحمة جيلجامش هو صراع وفساد الآلهة مع غياب أي بُعد تربوي للطوفان. هنا يستخدم المؤلفون الكتابيون موضوعاً معروفاً ويضعونه في قالب يفقده كلياً عناصره الأسطورية.

يتضح مما سبق أن استخدام الصور التي تخدم التعبير عن الحقائق الكتابية لا يعني تبني الأفكار الأسطورية. إن جوهر الأسطورة يكمن في اعتبار الآلهة جزء من هذا العالم بينما التشديد على سموّ إله الكتاب يدحض أي علاقة له بالنصوص الأسطورية . بديهي أن اللغة الكتابية تستعمل غالباً ما تستعمل الصور والأساطير المتداولة في المنطقة طالما أن المؤلفين يستقون مادتهم من روايات أدب البيئة التي يعيشون فيها وخاصة عندما تأتي هذه الروايات على ذكر الخلق ، مصدر الشر، علاقة الإنسان بالله ... الخ والتي تشغلهم هم أيضاً .

ولكن بالرغم من ذلك فإن ما يدعو إلى العجب بالحقيقة أن هذه الصور تستعمل دائماً كمساهمة لغوية للإعلان بطريقة روائية عن حقيقة الإله الواحد والوحيد والذي خلق العالم كاملاً وجبل الإنسان على صورته ومثاله ويتدخل خلاصياً في التاريخ.

وفي رواية الإصحاحات الأحدى عشرة الأولى من التكوين ، يعرض بطريقة تصويرية رائعة مسيرة سقوط الإنسان بتفكك سلسة العلاقات نتيجة لانقطاع علاقته بالله، فكل مرة يحاول الإنسان ان يساوي نفسه بالله إما باقتنائه المعرفة " الأكل من الثمرة المحرّمة " ( تك 3: 1 ) ، أو بالسعي إلى تحسين جنسه ( زواج كائنات خارقة بنساء أموات ) ( تك6: 1 ) أو بالتقدم التقني ( بناء برج عالٍ ) ( تك 11: 1 ) ، يعيش انقطاعاً جديداً لعلاقاته مع أخيه الإنسان ، تهديم العلاقات بين الزوجين ( آدم وحواء ) وبين الأخوة ( قايين وهابيل ) وبين الأب والابن ( نوح وحام ) وفي النهاية انقطاعاً تاماً للتواصل ( انعدام التفاهم ) . وإن كان سرد مسيرة السقوط يستخدم صوراً تظهر تشابهاً مع بعض النصوص الإسطورية فإن هذا لا يقلل من قيمة الحقيقة القائلة بأن انقطاع علاقات الإنسان مع الله يقود إلى انقطاع علاقات البشر فيما بينهم . وطبيعي فإن استعمال مثل هذه الصور على أية حال لا يبرر وصف العهد القديم على أساس انه كتاب أساطير العبرانيين .

فيما سبق من أمثلة وفي كل ما يماثلها حيث نلاحظ تأثر المؤلفين الكتابيين بمحيطهم الثقافي فإن استعمال الصور لا يشكّل هدفاً بحد ذاته ولكنه يندرج في سياق السرد لخدمة أهدافه . فالطريقة التي اتّبعها الكتاب في ترتيب الروايات بين دفّتي الكتاب المقدس تشهد على رغبتهم الواضحة في أن تكون رواياتهم تاريخاً وليس مؤلَّفاً أسطورياً . تاريخاً بالأحرى عالمياً يبدأ بخلق العالم ويصل حتى الأخرويات . تاريخاً لا يسعى إلى تسجيل أخبار المجتمع الإنساني في الزمن الماضي بل إلى وصف علاقة الله بالإنسان ، وهذا هو بالضبط المنطلق الذي يميز العهد القديم عن كل أساطير الشعوب الأخرى. لأنه بينما عند باقي الشعوب الله يُعبَد لشيء تؤكده الأسطورة ، العكس تماماً عند إسرائيل فالتلريخ بالدرجة الأولى هو المجال الذي تظهر فيه قوة الله الخلاصية. هذا يتضح جلياً في الوصية الأولى ( خر20: 2 ) الي يُدعى بها إسرائيل كي يعبد الله لا لقوىً له ظهرت في ماضٍ أسطوري سحيق ( الخلق، الطوفان، إفناء قوى الخراب والفوضى ... ) ولكن لتدخّله المحدود في الخروج من مصر .

وإذ يبدأ الكتاب تاريخه " في البدء " فهو يعني في الوقت نفسه أن هذه البداية تقابلها نهاية ما، وكل ما بينهما يشكّل التاريخ كما فهمه مؤلفو الكتاب أي الحوار بين مبادرات الله واستجابات الإنسان. إن طريقة وصف العهد القديم لعلاقة الله بالإنسان هي وضعها في قالب قصصي، ولكن هذا القالب لتاريخ علاقة الله مع شعب ما لا يفقد أبداً علاقته بالتاريخ العام تاريخ البشرية والعالم. العهد القديم يبدأ وينتهي بنفس النمط ؛ في البداية يعمل الله في العالم والبشرية كوحدة متكاملة ويعمل الشيء نفسه في النهاية في النصوص الرؤيوية ( النبوية ) . يوجد تناظر مباشر بين زمن البدايات والنهايات كما يتضح من اللغة والمصطلحات التي يستعملها الكتّاب القديسون . بين البدايات والنهايات تحدث أحداث تاريخية معينة بين الله ومجموعة محددة من البشر ؛ إن هذا التاريخ يبدأ بدعوة راعٍ متجول هو ابراهيم وهو الإنسان الأول الذي يقبل دون تحفظ إرادة الله، لذلك يؤهله الله لكي يصير رئيس شعب سيحمل خبرة تعامل الله مع الإنسان على مستوى التاريخ. يستمر التاريخ بخلاص الشعب الذي تحدّر من ابراهيم من مصر، الذي يقابل خلاص إسرائيل من بابل ويصل هذا التاريخ إلى هدفه بالخلاص بالمسيح الذي بدوره يؤسس لتاريخ الكنيسة المسيحية وهو من جهته يتعلق بكل البشرية.

إن علاقة الله الخاصة بمجموعة معينة تتعلق بالأفعال الخلاصية، إنها تاريخ الخلاص الذي يُسمّى عادة " تاريخ التدبير الإلهي " ، هذا التحديد وإن يكن غير واضح دائماً في اللغة اللاهوتية بشكل عام لذلك يحتاج لبعض الشرح. إلا أن ما هو أساسي في هذا التاريخ ليس الحالات الخلاصية ولكن خيرات الخلاص. ولكن هذا التاريخ لا يشمل فقط أعمال الله الخلاصية نحو شعبه. أن التاريخ لا يمكن أن يحوي فقط أعمالاً أو خيرات خلاصية لأنه يظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً باهتمام الله بالعالم. فالقاضي ينبغي ان يولد والنبي ينبغي أن يأكل والكاهن يحتاج إلى حيوانات كي يقدم الذبيحة . وهكذا فإن عناية الله تهتم بالعائلة ، بالمحاصيل في الحقول، بالحيوانات في المراعي... وهكذا تتضح الصورة الكونية لعناية الله فهي تحفظ العائلات، القبائل، الشعوب ، وحتى الذين هم خارج إسرائيل وحتى أعداء إسرائيل وكل البشرية التي لا تزال في يد الخالق. إن بركة الله تمتد لتطال كل المخلوقات الحية في البشرية جمعاء.


يتبــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــع