الرومانسية على كورنيش النيل



في العاصمة المصرية القاهرة، تنزهت على ضفاف النيل أو ما يعرف بكورنيش النيل. هذا الكورنيش الذي يعد من معالم القاهرة المزدحمة كان ولا يزال رمزاً للرومانسية ومقصداً للعشاق عبر سنوات وسنوات. إذ لم يخل فيلم كلاسيكي من مشاهد رومانسية جرت وقائعها على ضفاف النيل، مشاهد قدم البطل فيها للبطلة وروداً أو اصطحبها في نزهة نيلية في قارب.
ومع مرور السنوات، تبدلت الأحوال وإن بقيت الصلة وثيقة بين الرومانسية وكورنيش النيل. لكن الجديد في القرن الحادي والعشرين هو أن الرومانسية اتخذت أشكالاً أخرى. فكل ما استطعت أن أرصده هو اصطفاف العشرات والعشرات من الشباب والفتيات على طول الكورنيش لا تفصل بين كل اثنين من الأحبة سوى أمتار قليلة.
الملفت للنظر هو أن الشباب والشابات يتصرفون بحميمية شديدة غير عابئين بما يدور حولهم وكأنهم يعيشون في عالم خاص بهم في كوكب يبعد سنوات ضوئية عديدة عن كوكب الأرض


وعلى الكورنيش صادفت أم وليد بائعة الزهور التي تعمل في المنطقة منذ أربعة عشر عاماً. ويبدو أنها كانت على خبرة ودراية بأحوال وظروف من يأتون من المحبين للنزهة. قالت لي أم وليد إنها شهدت بعض قصص الحب الحقيقية التي تنتهي بالزواج وغيرها من العلاقات الزائفة المؤقتة التي يخوضها الشباب والفتيات لتمضية بعض الوقت.
سبب اصطفاف العاشقين على كورنيش النيل إمكانياتي المادية لا تسمح لي باصطحاب خطيبتي إلى أماكن أخرى باهظة


جرجس - شاب مصري


عندما حاولت الاقتراب من بعض الشباب والفتيات لإجراء حوار معهم باءت معظم محاولاتي بالفشل، فالكثير منهم تردد والغالبية استشعروا خطراً ما بالحديث معي. لم أيأس وكررت المحاولة مع شاب كان يقف مع فتاتين، اتضح فيما بعد أنهما خطيبته وأختها. قال لي الشاب واسمه جرجس إن إمكانياته المادية لا تسمح له باصطحاب خطيبته إلى أماكن أخرى باهظة لذا فهو يفضل نزهة الكورنيش وقال: "النيل منظر حضاري وخاصة في ليل القاهرة...فمصر كما يقولون هي هبة النيل."
وفي محاولاتي اللاحقة والمتكررة للحديث مع الشباب على الكورنيش كنت أتسلي بتبادل الحكايات مع رفيقتي في النزهة أم وليد. سألتها عن رواج بيع الزهور هذه الأيام وعما إذا كان تدهور الحالة الاقتصادية قد أثر سلباً على تجارتها فأجابت بأنه في السابق كانت أحوال الشباب أفضل إذ كانوا يعملون ويكسبون من الأموال ما يكفي لنزهة جميلة على الكورنيش وكانوا لا يبخلون بشراء الزهور لحبيباتهم.
لكن الأحوال الآن - والحديث لأم وليد - ساءت، فبارت تجارة بيع الزهور على الكورنيش لأن عدداً كبيراً من الشباب لا يجدون عملاً في الوقت الحالي. واختتمت أم وليد بعبارة فاجأتني، فقد قالت لي وهي تكاد تصرخ في وجهي " سعر كيلو اللحم وصل إلى ثلاثين جنيهاً" مصدر المفاجأة بالنسبة لي هو أن هدفي كان الحديث عن الرومانسية فإذا بالأمر ينتهي بي بالحديث عن اللحم!"
وبعد مرور بعض الوقت على تجوالي، تشجعت فتاة تقف إلى جوار شاب وحدثتني قائلة إنها تحب نزهة الكورنيش والتجول في الأسواق والمراكز التجارية الملحقة بالفنادق الفخمة التي تحيط بالمنطقة. ويبدو أنها كانت أشجع من الشاب الذي وقف لجوارها لأنه لم ينطق بكلمة حتى انصرفت.
أطالب بوجود رقابة من الدولة على هذه المنطقة لوضع حد لما يجري


سيدة مصرية


إلى هذا الحد وكانت الأمور تسير على ما يرام، فالجميع راض وسعيد. لكن سيدة تسير بصحبة ابنتها استوقفتني وأصرت على الحديث معي. فما إن ناولتها الميكروفون حتى انطلقت تعبر عن استيائها مما أصبح عليه الوضع الحالي على كورنيش النيل. وقالت لي إنها خرجت للتنزه مع ابنتها على النيل الذي يعتبر متنفساً لسكان القاهرة ولكن ساءها منظر الفتيات والشباب والحميمية الشديدة التي يتعاملون بها.
وطالبت السيدة بوجود رقابة من الدولة على تلك المنطقة لوضع حد لما يجري. وأنهت حديثها بأن سألتني إن كنت أوافق على ما يحدث. فابتسمت دون إجابة وأنهيت جولتي على كورنيش النيل.