الدعوة المقررة سلفاً
هناك سبب محدّد لفرح مريم. وهذا ينقلنا من نقطتنا الأولى إلى الثانية. هي تفرح لأنها مختارة. هيئة مريم في البشارة تعطينا مثلاً عن المعنى الحقيقي للدعوة. دعوتها المعطاة من الله يشدَّد عليها في الكلمة الثانية التي يوجهها لها الملاك " Kecharitômenê" (لوقا 28:1)، والتي تترجم غالباً "الممتلئة نعمة" (Douai) ولكن ربما بشكل أصح يمكن ترجمتها "المفضَّلة جداً، ذات الحظوة العالية" (King James). مريم تسمّى "مفضَّلة" (favoured)، ممنوحة نعمة لإتمام دعوتها الفريدة. هي منتخَبة، معيَّنة من الله، مكرَّسة بالحقيقة. بالحقيقة، هذا الاختيار له بدايته ليس فقط منذ لحظة البشارة، ولكن منذ الحبل بها وولادتها، وحتى قبل ذلك بكثير. قبل كل الأجيال هي محدَّدة مسبقاً لواجبها الخاص كوالدة للإله. التجسد من العذراء لم يكن حدثاً عرضياً أو كيفما اتفق، ولكنه كان ثمرة تحضير حريص، الأمر الذي كان يُرى خارج الزمن في العناية الإلهية. أزلية دعوة مريم يشَدَّد عليها في العبادة الأرثوذكسية في عيد ولادتها (8 أيلول): "اليوم تولد الخيمة التي سبق تعيينها لإعادة صلحتنا مع الله"، نشدّد في النص الليتورجي لذلك اليوم، "هي محدّدة مسبقاً قبل الحبل بها كوالدة الإله". كما يعبّر عن هذا البابا يوحنا بولس الثاني "في سر المسيح هي حاضرة حتى قبل خلق العالم، على أنها التي اختارها الآب كوالدة لابنه"
إن مريم كمدعوة من الله، فهي تشكّل مثالاً لنا جميعاً. هي التعبير الأسمى لما يعني أن يكون الإنسان صاحب دعوة. صحيح أن دعوتها فريدة، لا أحد من قبل ولا بعد قد صار - بالمعنى الأدبي والجسدي - أماً للإله. بالطبع هنا مفهوم آخر، رمزي ولكنه حقيقي، الذي فيه جميعنا، رجالاً ونساءً على السواء، مدعوون لنكون والدين للإله. إذا كانت هي مدعوة لواجب فريد، هكذا أيضاً كل واحد منا بطريقة مختلفة. يمكننا أن نطبّق، ليس عليها فقط بل على أنفسنا أيضاً، كلمات المعلم اليهودي (Barukh of Mezbizh): "كل واحد عنده الدعوة لعمل شيء كامل في هذا العالم. العالم بحاجة لكل إنسان بذاته". في الدينونة الأخيرة، السؤال الحاسم - تساؤل التساؤلات - الذي سيعطى لكل واحد منا هو تماماً لماذا لم نوصل إلى المنتهى ذلك الوجود الإنساني الوحيد والفريد الذي كل واحد منا كان مدعواً ليكونه، لماذا لم نميّز، كل واحد منا، ذواتنا الحقيقية؟ لنأخذ قولاً من (Tales of the Hasidim): "قبل موته، قال الرابي Zusya: "في العالم الآخر، لن يسألونني: لماذا لم تكن موسى؟ سوف يسألونني: لماذا لم تكن Zusya ؟". الله لا يعمل الشيء نفسه مرتين. نحن البشر لسنا حاويات قابلة لاستبدال أحدها بالآخر، لسنا قوالب مبرمجة على كمبيوتر، ولكن داخل كل واحد منا هناك كنز لا يقدّر بثمن ولا يوجد عند أي أحد آخر. منذ الأزل شاهد الله كل واحد منا في تمايزه الكلي، كما شاهد والدة الإله في تمايزها. ومن كل واحد منا، كما منها، هو يرجو الشيء الذي لا يتوقعه من أي أحد آخر. كل واحد منا هو محدَّد مسبقاً، مختار في المسيح "قبل خلق العالم" (أفس 4:1). هنا أيضاً نشاهد موضوعية والدة الإله، ارتباطها بمجتمعنا الغربي المعاصر. في عصر مثل عصرنا، عندما الكثيرين منا يُبتلون بضياع الهدف، شعور بعدم الفائدة، نقص في تقدير النفس، المغبوطة مريم ترينا ما معنى أن تكون مختاراً من الله.
في إدراكها وقبولها لدعوتها، في موقع انفتاحها، مريم تقف أمامنا بشكلٍ سامٍ على أنها الذي يصغي بإيمانٍ طوعياً. الإيمان هو جوهر إستجابة مريم في البشارة، والإيمان يفترض الإصغاء. عندما نفكّر في طاعتها، من المهم إعطاء الكلمة "طاعة" مفهومها الحقيقي والأدبي. في اللاتينية "obtaudire" وفي اليونانية "hypakoi" تفيد "أن أسمع"، "ليكن لي بحسب قولك" مريم تجيب الملاك (لوقا 38:1). والدة الإله تصغي لكلمة الله. القراءة الإنجيلية في معظم الأعياد التي على شرفها مركَّزة على رد المسيح للمرأة في المجمع: "بل مغبوطون هم الذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها" (لوقا 28:11). هذا الجواب، من وجهة نظر سطحية قد تبدو وكأنها تقلّل من شأن والدة الإله، ولكنها بالحقيقة تشير إلى ما هو مجدها الحقيقي.
هي مغبوطة، ليس بمجرد فضيلة ولادتها الطفل بالجسد حقيقةً، ولكن بالأحرى أيضاً لفضيلة العمق الروحي لإيمانها الداخلي ويقظتها لكلام الله. لو لم تكن أولاً قد تعلّمت أن تسمع كلمة الله في قلبها، لما استطاعت أبداً أن تلد الكلمة متجسّداً في جسدها.
الإنجيل بتكرار يؤكّد على هذه الخاصية لمريم، أنها من يصغي. بعد سجود الرعاة، يقال أن "مريم حفظت كل هذه الأشياء متأملة بها في قلبها" (لوقا 19:2). كلمات مشابهة ترد بعد اكتشافها ليسوع ذي الإثني عشر عاماً في الهيكل :"أمه حفظت كل هذه الأشياء في قلبها" (لوقا 51:2). أهمية الإصغاء واضحة وجلية في كلمات مريم ذاتها للخدّام في عرس قانا الجليل "مهما قال لكم فافعلوه" (يوحنا 5:2). هذا هو القول الأخير المسجَّل لوالدة الإله في العهد الجديد، وهو يلخِّص بدقة ميراثها الروحي للجنس البشري: "مهما قال لكم فافعلوه". أصغوا، إنتظروا الله.
مرة أخرى ارتباط مثال مريم بعصرنا الحالي هو ظاهر بسهولة. عالمنا هو المكان الذي فيه تتضاعف الكلمات ببراعة غير عادية - على الراديو والتلفيزيون، على أشرطة الكاسيت، الطابعات ومنتجات الورق - ولكننا نسينا فن الإصغاء. والدة الإله، الشخص الذي يصغي، بمثالها الخاص يمكنها مساعدتنا في إعادة إكتشاف الأبعاد الضائعة للعالم الداخلي. الروحانية البيزنطية ترى فيها الهاديء (hesychast) المثالي، أيقونة حية لما يعنيه اختبار الهدوئية، سكون القلب. كلمات صاحب المزمور: "إهدأ، واعلم أني أنا هو الله" (مز 11:46) تنطبق عليها تماماً.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر



رد مع اقتباس
المفضلات