لاهوت التجسد:

الدكتور أسد رستم
الإسكندرية وأنطاكية: وتزعمت الإسكندرية الفكر المسيحي مدة من الزمن وشاطرتها أنطاكية في هذه الزعامة. وكان لكل من هذين المركزين نهج خصوصي في التعليم واصطلاح في التعبير كثيراً ما خالف اصطلاح المركز الآخر في تأدية المعنى الواحد.

وقالت الإسكندرية بكمال الطبيعة البشرية في شخص المخلص وبكمال الطبيعة الإلهية ولكنها لم تعين وجه اتحاد الطبيعتين. فقالت مثلاً بالإتحاد الطبيعي والإتحاد الشخصي والإتحاد الجوهري بين الطبيعتين. وبعضهم نظر إلى الطبيعة الإلهية بنوع خصوصي فقال بطبيعة واحدة متجسدة وما عنى بذلك سوى الإتحاد الحقيقي بين لاهوت الكلمة وناسوته وأن الإله المتأنس شخص واحد وليس اثنين لأن كلمة طبيعة عندهم بمعنى الشخص والأقنوم. ولكن أحداً منهم لم ينكر الطبيعتين بمعنى الجوهر اللاهوتي والعنصر البشري. ونظراً لامتداد بدعة آريوس ووجوب محاربتها كان كلام الإسكندريين في لاهوت المخلص أكثر من كلامهم في ناسوته. وهكذا فإنهم سموا سيدتنا مريم والدة الإله وقالوا أنها ولدت إلها وأن الإله ولد وتألم وصلب.

وأما مدرسة أنطاكية فإنها توخت البساطة والإيضاح فميزت بين اللاهوت والناسوت في شخص المسيح الواحد. ومع أنها كانت تعتقد بأن المسيح واحد وليس اثنين فإنها كانت ترفض التعليم بالإتحاد الطبيعي وبالمزاج بين الطبيعتين. وكانت تعتبر اتحادهما إضافياً بمعنى السكنى والارتباط حفظاً لكمال الطبيعة البشرية، التي زعم ابوليناريوس أنها كانت ناقصة. وكانت تنكر على الناسوت خواص اللاهوت، كالحضور في كل مكان والقدرة على كل شيء وما شاكل ذلك، كما أنها أنكرت على اللاهوت أهواء الناسوت وآلامه كالولودة والتألم والموت. ولهذا السبب ابتعد الأنطاكيون عن كل تعبير يؤدي على زعمهم إلى مثل ذلك المعنى كتسمية العذراء والدة الإله وغيرها من العبارات التي عيَّنتها الكنيسة بعد ذلك صيانة للتعليم القويم. وقالوا بوجوب كمال الطبيعة البشرية لأن لوقا يقول أن يسوع "كان ينمو في الحكمة والقامة" وأوجبوا السجود للناسوت لأنه متحد بالكلمة. ومن قولهم: "إنما نسجد للإرجوان من أجل المتردي به وللهيكل من أجل الساكن فيه ولصورة العبد من أجل صورة الله وللحمل من أجل رئيس الكهنة وللمتخذ من أجل الذي اتخذه وللمكوَّن من بطن البتول من أجل خالق الكل". ولا يجوز القول أن الأنطاكيين علموا بأقنومين فإنهم قالوا بأقنوم واحد ذي طبيعتين متحدتين بلا امتزاج ولا اختلاط ولا تشويش.

وهكذا فإن أساتذة المدرستين علّموا تعليماً مستقيماً ولكن بمناهج مختلفة وبانتقاء عبارات معينة قضت باستعمالها ظروفهم الخصوصية. فالمصريون الإسكندريون توخوا العبارات التي أوضحت كمال اللاهوت حذراً من بدعة آريوس والأنطاكيون طلبوا إيضاح كمال الناسوت حذراً من بدعة أبوليناريوس. ولا عجب في ذلك إن عرفنا أن المبتدع الأول نشر وعلّم بدعته في الإسكندرية أولاً والمبتدع الثاني نشر وعلّم بدعته في أنطاكية أولاً.

الأسقف كاليستوس (تيموثي) وير:
أن كل من هاتين النظريتين لو ذهبتا بعيداً كان بإمكانهما الوصول إلى الهرطقة. ولكن الكنيسة كانت بحاجة لكل منهما لتثبت صورة المسيح في تكاملها. وفي حين أنه كان بوسع كل من المدرستين أن تكمل الأخرى فقد دخلتا في نزاع حوّل الأمر إلى مأساة بالنسبة للمسيحية.



في تفسير الكتاب المقدس...


أولاً أنقل ماجاء في دراسة قامت بها اللخورية ماري مالك دبس" (خورية = زوجة الكاهن) بعنوان "مدخل إلى علم الآباء"

الكتاب المقدس عند الآباء
شهدت القرون الأربعة الأولى تطوّراً لمفهوم الكنيسة للكتاب المقدس نتج عن نشوء بدع وهرطقات استخدمت نظرية الأنماط التفسيرية لتُدخل بعض المفاهيم الفلسفية إلى العقيدة المسيحية ونشأت أكثرية هذه البدع عن سوء استعمال النهج التفسيري المرتبط بالفلسفة الأفلاطونية في مدرسة الإسكندرية.الأنماط الكتابية حُوِّلت إلى أنماط أخلاقية ليس لها علاقة بأشخاص عاشوا في التاريخ وذلك نقلاً عن نظرية عالم المُثل عند أفلاطون، ودخلت جراء ذلك بدع كثيرة في الكنيسة المسيحية أهمها بدعة الغنوسيين الذين اعتبروا المعرفة في الكنيسة معرفة نظرية بحتة لأنماط أخلاقية مثالية ونفوا بذلك التجسد واستمراره في الكنيسة في حياة الأسرار. وقام آباء إنطاكية ضد هذه البدعة مستندين إلى الكتاب ومؤكدين أن الأنماط الكتابية هي أنماط سِيَر إنسانية تاريخية اكتسبت كمالها في المسيح المثال التام.




سيتم وضع التعقيب على مشاركتين بسبب كبر المشاركة نسبة للحد المسموح به في المنتدى... يتبع