إذاً كما رأينا إلى الآن أن جميع الآيات القرآنية التي ورد فيها "الوفاة" جاءت الكلمة بمعنى الموت حصراً... وعليه لا نستطيع أن نقول أن الآيتين الخاصتين بوفاة المسيح تعنيان الموت...

انتظر يا حبيب... هل هذه جميع الآيات التي ورد فيها "الوفاة"؟

لا يا عزيزي ليست هي جميع الآيات بل يوجد آياتين وهما:
الأنعام 60 وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
الزمر 42 اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

احسنت يا عزيزي.. وإن وجود هاتين الآيتين يزيد من تأكيدنا أن الوفاة تأتي حصراً بمعنى الموت... إلا إن اقترنت بلاحقة دلت على غير ذلك... فلولا هاتين الآيتين لما عرفنا أن الوفاة قد تأتي بمعنى آخر غير الموت الذي نعرفه.. لكن شريطة أن تتبعها لاحقة تبين هذا الأمر...

فما قيل في المسيح، كانت كلمة "الوفاة" غير مقترنة بلاحقة... أما حينما أراد القرآن أن يدل على أن الوفاة لا تعني الموت فألقحها مرّةً بـ "بالليل" ومرةً أخرى بـ "في منامها"... ومن هنا نتيقّن أنه لا توجد في القرآن آية أتت فيها كلمة "الوفاة" إلا وكانت تدل على الموت ما لم يدل القرآن بنفسه على غير ذلك... وانظر معي كيف أن المفسرين أنفسهم يدلون على ذلك بأن الوفاة المقترنة بلاحقة فقط، هي التي لا تعني الموت:

الأنعام 60
تفسير، الأنعام، ابن كثير: يقول تعالى إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل وهذا هو التوفي الأصغر كما قال تعالى ((((" إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ")))) وقال تعالى" الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى " فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى.....

ثم يتابع في نفس الآية الشرح التالي:

وقد روى ابن مردويه بسنده عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرده إليه فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه " فذلك قوله " وهو الذي يتوفاكم بالليل" . وقوله " ليقضى أجل مسمى " يعني به أجل كل واحد من الناس... إلخ

إذا هنا جاءت كلمة "الوفاة" حصراً بمعنى النوم لأنها اقترنت بـ "الليل"... فكيف يستقيم الأمر مع المسيح في القرآن وقد جاءت فيه "الوفاة" غير مقترنة بشي؟

ولنقرأ أيضاً تفسير الطبري: ذكر من قال ذلك : 10370 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } أما " يتوفاكم بالليل " : ففي النوم........ 10373 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { وهو الذي يتوفاكم بالليل } يعني بذلك : نومهم.......

والآن نأتي إلى أكثر الأحاديث صراحة في تفسير الطبري إذ يقول:

10374 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } قال : أما وفاته إياهم بالليل فمنامهم.......

والآن سنأتي إلى تفسير القرطبي...

أي ينيمكم فيقبض نفوسكم التي بها تميزون , وليس ذلك موتا حقيقة بل هو قبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت . والتوفي استيفاء الشيء . وتوفي الميت استوفى عدد أيام عمره , والذي ينام كأنه استوفى حركاته في اليقظة . والوفاة الموت .
هنا يقر القرطبي أن الوفاة هي الموت.. وهذا سنحتاجه لاحقاً

لنقرأ تفسير الجلالين.. إذ إنه أوضح
"وهو الذي يتوفاكم بالليل" يقبض أرواحكم عند النوم

وتفسير آية الزمر 42 قد يكون متطابق مع تفسير الأنعام 60 ولذلك منعاً للتكرار فلن يتم اضافتها.. ولتراجع من الرابط الذي وضع في اعلى الموضوع...

قبل الانتقال للآيتين الخاصتين بوفاة المسيح يجب أن نعيد ما خلصنا إليه من نتيجة:

الوفاة في طول القرآن وعرضه تعني دائماً الموت... إلا إذا اقترنت بدالة دلت على غير ذلك كما رأينا في الآيتين السابقتين..

يبتع...