البقايا المقدسة

رأينا فيما سبق أن نعمة الروح القدس عندما تسكن في أجسادالقديسين لا تعود تفارقها بعد الموت بل تبقى فيها مظهرة إياها مصدرا للطيب الزكيوالمعجزات والأشفية . الروح القدس يجعل أجساد القديسين وبقاياهم حاملة للروحوالحياةالقديس يوحنا الذهبي يقول في كلمته عن الشهيدة ذروسيدا : " حيثلا ينفع ذهب ولا غنى هناك تفيد بقايا القديسين , لأن الذهب لا يشفي من مرض ولا ينجيمن موت ولكن عظام القديسين تفعل الاثنين " القديس باسيليوس الكبير يقول " إن الذي يلمس عظام شهيد تنتقلإليه نعمة التقديس الموجودة فيها "
لذلك استناداً لما ذكر سابقاً فإنالكنيسة تكرم بقايا القديسين ولكي ندرك كم من القيمة تدخر الكنيسة الأرثوذكسيةلبقايا القديسين ما علينا إلا أن نعرف انه بدون البقايا المقدسة لا يمكن أن تشادالهياكل ولا أن تقام الخدمة الإلهية . وفي الواقع فإن القانون السابع للمجمع السابعيحدد : " إن أية هياكل قدست بدون بقايا شهداء يجب أن توضع فيها بقايا مقدسة معالصلاة المعتادة ( خدمة التدشين ) ويجرد كل من يقدس هيكلاً بدون وجود تلك البقاياكمخالف للتقاليد الكنسية "كذلك القانون 91 لمجمع قرطاجنة على أن الهياكل التيلم تدشن بوضع بقايا مقدسة فيها يجب أن تهدم وأن تهمل
يشهد القديسيوحنا الذهبي الفم بان المسيحيين الحسني العبادة معتادون على :
أن يصلواأمام البقايا المقدسة
أن يقيموا الاجتماعات والاحتفالات حولها
أن يقبلوهاقبل المناولة الإلهية
أن يتمنوا أن يدفنوا إلى جانبها
إن أكبر مجمعللكنوز من البقايا المقدسة في يومنا هذا هو الجبل المقدس ( آثوس ) في اليونان إلىجانب عدد كبير من الكنائس والأديرة التي تحتفظ ببقايا قديسين ونذكر من البقايا المحفوظة في الجبل المقدس: قدم القديسة حنة والدة الإله ويد القديس يوحنا الذهبي الفم ورأس القديس غريغوريوس اللاهوتي وهدايا المجوس التي قدموها للمخلص في أوان ميلاده , كما نجد أنه منالمجدي هنا أن نذكر أن بعض الأشياء التي كانت تخص القديسين أصبحت شريكة في القداسةوبالتالي واسطة لنقل النعمة
سلسلة القديس الرسول بولس
مناديل ومآزر كانت تؤخذ عن جسم بولس الرسول فتحمل الأشفية إلى المرضى(أع 19 : 12 (
ثوب وزنار والدة الإله
الصليب الكريموقبر السيد ...

إن فكرة عدم تكريم القديسين تشكل:
بدعة
لأن تكريم القديسين منذ البداية لم يطعن به لاهوتياً أي بالاستناد إلىتقليد الكنيسة , ولكن حدث ذلك فيما بعد ونتيجة نظريات فلسفية محضة. إن رفضتكريم القديسين الذي كان منذ البدء في تقليد الكنيسة يعني رفض تقليد الكنيسة أيضاًالذي يقول عنه القديس بولس " فلو بشرناكم نحن أو بشركم ملاك من السماء بخلاف ما بشرناكم به فليكن ملعوناً " ويشدد على ذلك بأن يكرر العبارة مرة أخرى . انظر ) غلا 1 : 8 – 9(
الخلط بين التكريم والعبادة
هذا الخلط الذي ينتج عن عدم المعرفة أو حتى عن نية مقصودة للإساءة , وأول من ابتدعه اليهود في استشهاد القديس بوليكاريوس حيث أخذوا ينشرون بين الوثنيينأن المسيحيين تركوا المسيح وأخذوا يعبدون بوليكاريوس , فجاء جواب المسيحيين واضحاًوساطعاً كالشمس ( إن الذين يدَّعون هذا لا يعرفون أننا لا نستطيع أن نبتعد عنالمسيح وأن نعبد غيره . فهذا نسجد له لأنه ابن الله , ولكن الشهداء كمتمثلين به وكتلاميذ له نحبهم لفيض محبتهم للمعلم والملك (المسيح) ( من استشهاد القديسبوليكاريوس فصل 17)
هذا الفصل بين التكريم والعبادة ظل سارياً في الكنيسةالأرثوذكسية وقد أكدت الكنيسة موقفها هذا في المجتمع المسكوني السابع بالتوضيحالتالي : " أما القديسون فغننا نكرمهم كإخوة وآباء وأما العبادة فنقدمها لله وحده الذي هو سيد الجميع"
رفض الكنيسة
إن من يرفض تكريمالقديسين إنما يرفض كنيسة المسيح ذاتها لأن أعضاء الكنيسة هم المؤمنون الأحياء ومنانتقلوا بحالة القداسة وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن علاقة القديسين باللهبعد الموت هي أوثق وأعمق
ثالثاً... شفاعة القديسين
الشفاعة هي الصلاة من أجل الآخر, والطلب أهم مقوماتها لأن الصلاة التي لا تطلب ما لنفسها بل للآخر هي أسمى أنواع الصلاة لأنها تحقق المحبة التي هي أسمى وصايا الله وأعظمها لأنه بدون محبة الله والقريب لا ينتفع الإنسان شيئاً من صلاته مهما طالت لأن من لا يحب لا يعرف الله لأن الله محبة (1يو 8:4) فمن هنا نفهم الإلحاح من قبل الله ليس فقط على وصية "أن تحبوا بعضكم بعضاً" (يو 13: 34) بل على وصية "صلوا بعضكم لأجل بعض" (يو 16:5) فلذلك تصبح الشفاعة أمام الله لأجل الآخر من صفات القديسين المميزة وقد ذكر الكتاب المقدس عن شفاعة الأبرار دونما استثناء إن كان في العهد القديم أم في الجديد ومن الأمثلة على ذلك:
في العهد القديم
- ابراهيم صلى من أجل إسماعيل ابنه (تك 17: 18-20) ومن أجل الملك أبيمالك (تك 20: 17) ومن أجل مدينة سدوم وعمورة كي لا تهلك (تك 18: 23-33)
- النبي إيليا تضرع إلى الله من أجل المطر (1مل 18: 42-45) ومن أجل ابن الأرملة الميت (1مل17: 19-22)
في العهد الجديد
- والدة الإله طلبت من ابنها يسوع المسيح أن يملأ جرار الخمر الفارغة في عرس قانا الجليل (يو2: 1-11)
· هل يستجيب الله لصلوات القديسين؟
من جهة الاستجابة كان الله يستجيب لشفاعات القديسين:
1- لأنه كان يريد أن يشجع الجميع على محبة القريب والصلاة من أجله.
2- لكي يبتعدوا عن الشر ويتقربوا من البر وذلك من خلال استجابته السريعة للأبرار وإظهاره الدالة الخاصة لهم لديه "طلبة البار تقتدر كثيراً في فعلها" (يع 16:5)
· يدعي البعض أنه لا يجوز أن يلجأ إنسان إلى إنسان آخر طالباً منه صلواته, فلماذا لا يصلي مباشرةً لله؟
عندما يلجأ الإنسان إلى شفاعة القديسين فهو لا يصلي إليهم بل إلى الله طالباً الرحمة والغفران والمعونة بصلواتهم, فهو بذلك لا يعبدهم بل يكرمهم متكلاً على الله وعلى شفاعتهم, فاستجابة الله لصلوات القديسين من أجلنا لا تتم تلقائياً وإنما تحتاج لأن نرجع عن طريقنا الرديئة فنتوب وأن نصلي إلى الله بإيمان وعندها يرحمنا الرب ويستجيب لطلباتنا بصلواتهم.
· قد يتساءل البعض هل هنالك شفاعة للقديسين بعد رقادهم, أي هل لهم دالة أمام الله أم لا؟ وهل يستمرون في الصلاة من أجلنا بعد رقادهم؟
الرب يسوع يجيب بشكل قاطع على هذا التساؤل مظهراً هذه الحقيقة "الرب إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب, ليس إله أموات بل إله أحياء" (يو 20: 37-38) لأن الجميع عنده أحياء والذي يدعم هذه الحقيقة هو استمرار الصلاة إلى الله على الأرض باسمه المنسوب إلى آباء راقدين أو بذكرهم من قبل أبرار آخرين وذلك بهدف طلب شفاعتهم. فيصلي يعقوب قائلاً: "يا إله أبي إبراهيم وإله أبي اسحق نجني من يد أخي عيسو..." (تك 32: 9-10)
إذن القديسون يشفعون بنا أمام عرش الديان بأنات لا توصف, ويفرحون مع الملائكة في السماء بخاطئ واحد يتوب ويبكون معهم على إنسان يخطئ, ألا جعلنا الله من قديسيه بشفاعة والدته الكلية القداسة وسابقه وجميع قديسيه الذين أرضوه منذ أبد الدهور.. آمين

المراجع
1. ألفيزيوبولوس, الأب أنطونيوس, زاد الأرثوذكسية, تعريب الأب قسطنطين يني, منشورات النور
2. عطية, الأب د.جورج, مناظرة علنية مع المتجددين المعمدانيين, تعاونية النور الأرثوذكسية
3. شربك, الأرشمندريت د.ديمتري, مادة سير القديسين.
4. مخول, الأب روفائيل, تكريم ذخائر القديسين, منشورات مطرانية اللاذقية للروم الأرثوذكس