[frame="14 98"]
د- الأسرة
إن المراهق يحتاج إلى استمرار علاقته العاطفية بأهله كما يحتاج إلى أن تتخذ هذه العلاقة شكلاً آخر تخف فيه التبعية ويزداد الإستقلال. لكن الأهل غالبًا ما يرون في كل نزعة استقلالية عقوقاً لهم وقطعاً لرباط المحبة بينه وبينهم وكأنهم يرغبون في قرارة أنفسهم ورغم تأكيدهم لعكس ذلك، يرغبون في احتكار ولدهم عاطفياً. من هنا كانت مضايقتهم من كل اهتمام خارجي يبديه ولدهم المراهق. فإذا ما خرج للهو والرياضة أو معاشرة الرفاق وجدوا في ذلك عقوقاً وتخلياً. وإذا كانت له علاقة عاطفية وجدوا أن هذا انقطاع بينه وبينهم. وكثيراً ما يبررون هذا باعتبارات تربوية من باب الخوف على ولدهم وكأنه سوف يبقى أبداً في كنفهم. عندئذٍ يشعر المراهق بأنه ممزق بين رغبته في الإستقلال وبين التعلق بوالديه وخوفه من جرحهم ومن انقطاع علاقة الحب بينه وبينهم فتنشأ عنده نقمة على هذا الصراع المفتعل الذي يفرضه عليه أهله. وإذا ما شعر بأن أهله يمارسون عليه ابتزازاً عاطفياً فإنه يثور على هذا الإبتزاز.
وأما من جهة السلطة فإن هذا العمر لا يزال بحاجة لسلطة الوالدين لذلك يطالب المراهق أهله بالسلطة وإذا ما استقالوا منها يشعر أنه قد تُخلي عنه لأنه غير قادر بعد على توجيه نفسه بنفسه. المراهق بحاجة لهذه السلطة وبحاجة لتبديل شكل هذه السلطة لتصبح أكثر مراعاة لمواقفه وأكثر إصغاء لآرائه. كثيراً ما يشعر أن أهله يصرون على اعتباره وكأنه لا يزال طفلاً وهذا ما يزعجه، خاصة لأنه داخلياً يشعر بأن الطفولة لم تفارقه تماماً وهذا التناقض فيه يمزقه تمزيقاً. يحس المراهق أن أهله يتنكرون رغم كل أقوالهم لهذه النزعة التي تدفعه بقوة إلى الرشد والإستقلال. من هنا ينشأ شعوره بأن أهله لا يفهمونه والمقصود أنهم لا يفهمون نزعته إلى الإستقلال وصراعه مع الطفل الكامن في داخله، ويشعر أنهم لا يقبلونه على حقيقته ولا يعرفون هويته الجديدة وهكذا تتصدع العلاقة بينه وبينهم.
إن المراهق الذي يتخلى عن دراسته، يدخل ميدان العمل المنتج ويحرز استقلالاً اقتصاديًا. أما الطالب الثانوي فيشعر أنه قد أصبح راشداً جسدياً وعقلياً ولكنه بحكم تبعيته الإقتصادية التي فرضتها عليه الدراسة لا يزال يُعتبر قاصراً فيشعر أن أهله يستفيدون من حاجته المادية إليهم ليفرضوا سلطتهم عليه فيثور، ناهيك عن أن الأسرة العربية تتميز بسلطة قمعية يمارسها الأب عادة إلى جانب حماية مفرطة تمارسها الأم عادة. والإثنتان مقيدتان لنزعة المراهق إلى الإستقلال. والذي يزيد الأمر تأزماً أن هذه الأسرة خلافاً لما يحصل في الغرب لا تزال بالنسبة للمراهق مرجعًا بالغ الأهمية مما يضاعف ألم المراهق وتمزقه.
بعض المواقف الإرشادية في موضوع الأسرة

على المرشد أن يفسح أمام شبابه مناقشة موضوع علاقة الآباء بالبنين. هذا الأمر أكثر الحاحاً في هذا العمر مع أنهم يخجلون ان يتناولوا صراحة موضوعاً حميميًا مثل هذا. هناك صراع بين الحاجة الملحة لطرح هذا الموضوع والإحجام عنه. من هنا يصبح الأمر سهلاً إذا ما طُرحت الأسئلة حول الموضوع كتابة دون ذكر اسم السائل. وعبر المناقشة يصبح الموقف أقل انفعالاً وأكثر موضوعية فيزداد فهمهم لموقف والديهم لأنهم ما عادوا ينظرون إليه من ناحية واحدة التي هي وجهة نظرهم الذاتية. ففي المناقشة وعبر تدخل المرشد يصير بإمكانهم أن يتفهموا الطرف الآخر من الصراع. وهذا يسهل الحوار.
كذلك فإن اطّلاع المراهق عبر المناقشة على مشاكل الآخرين مع أهلهم يجعله يشعر بأن القضية ليست خاصة به وفريدة ولكنه صراع مشترك يعاني منه الجميع بنسب متفاوتة فيخف بذلك تضخيمه للأمور وتسهل عليه مواجهتها. ومن المستحسن أن يزور المرشد أهل أفراد الفرقة في المناسبات مما يسمح له بمدّ جسور بينه وبينهم وعلى الأقل بكسر الجليد. إن الجليد قائم لأنه هناك شعور عند الأهل بالمنافسة بينهم وبين المرشد خاصة إذا نشأت علاقة صميمة معه فيشعر الأهل أن ذلك على حسابهم متجاهلين بأنه لا بد للولد في هذا العمر من الخروج من البيت وخارج حدوده. وإذا نشأت العلاقة بين المرشد والأهل فإن المراهق يرتاح لها لأنه لا يعود يشعر بأنه ممزق بين قطبين مهمين في حياته. وإذا توطدت العلاقة مع الأهل يمكن دعوتهم إلى حفل بسيط يجمعهم مع أولادهم يساهم الأهل بجزء من إنجاحه.
[/frame]