2- السلطة

12- عندما نتكلّم عن المرجعيّة فنحن نشير إلى السلطة (exousia) كما يصفها العهد الجديد. سلطة الكنيسة تأتي من سيدها ومعلّمها، يسوع المسيح. تلّقى يسوع سلطته من الله الآب وبعد قيامته و بواسطة الروح القدس تشارك بها مع الرسل (يو 20: 22). بواسطتهم انتقلت إلى الأساقفة، خلفائهم، ومن خلالهم إلى الكنيسة كلّها. مارسَ ربنا يسوع المسيح هذه السلطة بطرق متنوعة وحتى الملء الاسخاتولوجي (1كو 15: 24-28)، وأعلن عن ملكوت الله في العالم بواسطة التعليم (متى5: 2 – لو5: 3)، وصنع العجائب (مر1: 30-32 – متى14: 35-36)، وطرد الأرواح غير الطاهرة (مر1: 27 – لو4: 35- 36)، وغفران الخطايا (مر2: 10 – لو5: 24)، وبقيادة تلاميذه إلى طرق الخلاص (متى16: 24). وبموجب التفويض الّذي تلّقوه من المسيح (متى28: 18-20)، فإنّ ممارسة الرسل للسلطة ومن بعدهم الأساقفة يتضمّن إعلان وتعليم الإنجيل، التقديس من خلال الأسرار وخاصة الأفخارستيا، والتوجيه الرعوي للمؤمنين (لو10: 16).

13- تعود السلطة في الكنيسة ليسوع المسيح، الرأس الوحيد للكنيسة (أف1: 22 – 5: 23). وتشترك الكنيسة التي هي جسده في سلطته بواسطة الروح القدس (يو20: 22-23) وهدف السلطة في الكنيسة هو جمع الجنس البشري كلّه بيسوع المسيح (أف 1: 10 – يو11: 52). السلطة المرتبطة بالنعمة المُتلقاة بالرسامة ليست ملكاً خاصاً لأولئك الذين ينالونها ولا هي شيء موكَل إليهم من قبل الجماعة، إنّما هي عطية وموهبة من الروح القدس من أجل خدمة الجماعة ولا تُمارس أبداً خارجها. تتضمّن ممارستها مشاركة كل الجماعة لأنّ الأسقف موجود في الكنيسة والكنيسة في الأسقف (القديس كبريانوس، رسالة 66: 8).

14- السلطة الّتي تمارسها الكنيسة باسم يسوع المسيح وبقوة الروح القدس يجب أن تُمارس بكل أشكالها وبكل مستوياتها، خدمة (diakonia) محبة، كما مارسها المسيح (مر10: 45- يو13: 1-16)، السلطة الّتي نتكلّم عنها تعبّر عن السلطة الإلهيّة، فلا يمكن أن توجد في الكنسية إلاّ بالمحبة بين الّذين يمارسونها وبين الّذين تُمارس عليهم. لذلك إنّها سلطة بلا هيمنة، بلا إكراه مادي أو معنوي. وبما أنّها اشتراك في سلطان السيد المصلوب والمُمجّد والّذي أُعطيت له السلطة في السماء وعلى الأرض (متى28: 18) فإنّها تستطيع بل يجب أن تطلب الطاعة. وفي الوقت ذاته وبسبب التجسّد والصليب، فإنّها تختلف جوهرياً عن سلطة قادة الأمم وعظماء هذا العالم (لو22: 25- 27). وبما انّ هذه السلطة مؤتمنة لأشخاص هم عرضة لسوء استخدامها بسبب الضعف والخطيئة، فإنّ المطابقة الانجيلية بين السلطة والخدمة تشكّل أمراً أساسياً في الكنيسة. فبالنسبة للمسيحي أن تحكم تعني أن تخدم. وبهذا فالممارسة والفعالية الروحية للسلطة الكنسية قائمة على القبول الحرّ والتعاون الإرادي. على المستوى الشخصي هذا يُترجم إلى طاعة لسلطة الكنيسة كيما نتبع المسيح الّذي أطاع الآب بمحبة حتى الموت والموت على الصليب (انظر، فيليبي 2: 8).

15- في الكنيسة تأسسّت السلطة على كلمة الله الموجودة والحيّة في جماعة الرسل. الإنجيل هو كلمة الله المُعلنة، فهمته الكنيسة، بالروح القدس الحاضر والعامل فيها من خلال التقليد الحي الذي استلمته من الرسل. الافخارستيا موجودة في قلب هذا التقليد (1كو10: 16- 17 ، 11: 23- 26). تأتي سلطة الكتاب المقدّس من حقيقة أنّ كلمة الله المقروءة في الكنيسة ومن قبل الكنيسة تنقل انجيل الخلاص. من خلال الكتاب المقدّس يخاطب المسيح الجماعة مجتمعةً وقلب كل مؤمن. الكنيسة وبواسطة الروح القدس الحاضر فيها تفسّر الكتاب بشكلٍ موثوق متجاوبةً مع حاجات الزمان والمكان. العادة الثابتة في المجامع بوضع الإنجيل وسط الجماعة تؤكد حضور المسيح عن طريق كلمته الأمر الضروري لكل النقاشات والقرارات، وفي الوقت نفسه تؤكد سلطة الكنيسة في تفسير كلمة الله هذه.

16- في تدبيره الإلهي يريد الله أن تكون لكنيسته بنية متجهّة نحو الخلاص. إلى هذه البنية الأساسية ينتمي الإيمان المعلن والأسرار المقامة في الخلافة الرسولية. السلطة في الشركة الكنسية مرتبطة بهذه البنية الأساسية: ممارستها نُظمت بقوانين وأنظمة الكنيسة. بعض هذه القوانين يمكن أن تُطبّق بطرق مختلفة وفق حاجة الجماعة الكنسية في أمكنة وأزمنة مختلفة بشرط أن تُحترم دائماً البنية الأساسيّة للكنيسة. وبالنتيجة كما أنّ الشركة بالأسرار تفترض الشركة في ذات الإيمان (وثيقة باري، فقرة 29-33) فهكذا يجب أن يكون بين كنائسنا اعتراف متبادل بالتشريعات القانونية في اختلافاتها الشرعية.


ب- التحقيق الثلاثي للمجمعية والسلطة

17- بعد أن حدّدنا أسّس المجمعية والسلطة في الكنيسة، ولاحظنا التعقيد الموجود في محتوى هذه التعابير، يجب علينا الآن أن نجيب على الأسئلة التالية: كيف يمكن للعناصر المؤسِّسة للكنيسة أن تعبِّر و تخدم بوضوح سرّ الشراكة (koinonia)؟ كيف تعبّر البُنى القانونيّة للكنائس عن حياتها الأسراريّة؟ لهذا نحن ميّزنا ثلاثة مستويات للمؤسّسة الكنسية: مستوى الكنيسة المحليّة حول أسقفها، مستوى إقليمي يجمع عدّة كنائس محليّة متجاورة، ومستوى الأرض المسكونة كلّها (oikoumene) الّذي يضم كل الكنائس المحليّة.

1- المستوى المحلّي


18- توجد كنيسة المسيح حيث توجد جماعة ملتئمة بالافخارستيا، مرؤوسة مباشرة أو عن طريق كهنتها من أسقف مرسوم قانونياً في التسلسل الرسولي، معلّماً الإيمان المُستلم من الرسل وفي شراكة مع باقي الأساقفة وكنائسهم. إنّ ثمر هذه الافخارستيا وهذه الخدمة هو أن تجمّع في وحدة حقيقيّة من الإيمان، الصلاة، التبشير، المحبة الأخوية والعون المتبادل كلّ الذين تلّقوا روح المسيح في المعمودية. هذه الشركة هي الإطار الّذي تُمارس فيه كلّ سلطة كنسية. الشركة هي معيار هذه الممارسة.

19- رسالة كلّ كنيسة محليّة أن تكون، بنعمة الله، مكاناً يُخدم فيه الله ويُكرّم، والإنجيل يُعلن، والأسرار تُتمّم، والمؤمنون يجاهدون في تخفيف بؤس العالم وحيث يستطيع كلّ مؤمن أن يجد الخلاص. إنّها نور العالم (انظر، متى5: 14-16)، الخمير (انظر، متى13: 33)، الجماعة الكهنوتية لله. الضوابط القانونية التي تحكمها هدفها ضمان هذه الرسالة.

20- بنعمة المعمودية ذاتها التي جعلت منه أو منها عضوا في المسيح، فإن كل شخص معمّد مَدعو، بحسب مواهب الروح القدس الواحد، أن يخدم ضمن الجماعة (انظر، 1كو12: 4- 27). هكذا وعبر الشركة حيث جميع الأعضاء هم في خدمة الواحد للآخر تظهر الكنيسة المحليّة «سينودسية» أو «جامعية» في بنيتها. هذه «السينودسية» لا تظهر فقط في علاقات التعاون والمساعدة المتبادلة والتكامل الموجودة بين مختلف الدرجات الكهنوتية. بالتأكيد الكاهن هو مجمع الأسقف (انظر، القديس اغناطيوس الأنطاكي،إلى تريليان،3) والشماس هو «يده اليمنى» (الذيذاسكاليا 2، 28، 6)، هكذا وبحسب توصيات القديس اغناطيوس الأنطاكي، كلّ شيء يجب أن يكون بانسجام (انظر، أفسس 6). على كلّ حال تفرض المجمعية على جميع أعضاء الجماعة الطاعة للأسقف الّذي هو الأول (protos) ورأس الكنيسة المحليّة كما تقتضي الشركة الكنسيّة. بالتوافق مع التقاليد الشرقية والغربية، الاشتراك الفعّال للعلمانيين، رجالاً ونساءً، ولأعضاء الجماعات الرهبانية والأشخاص المكرّسين، يتّم في الأبرشية عبر أشكال متعدّدة من الخدمة والرسالة.

21- إنّ مواهب أعضاء الجماعة يعود أصلها إلى الروح القدس الواحد وهي موجّهة إلى خير الجميع. هذه الحقيقة تسلّط الضوء على متطلّبات وحدود سلطة كلّ فرد في الكنيسة. يجب أن لا يكون هناك لا سلبية ولا خضوع في المهام ولا تجاهل ولا سيطرة لواحد على الآخر. كلّ المواهب والمهام في الكنيسة تتلاقى في وحدة تحت كهنوت الأسقف الّذي يخدم وحدة الكنيسة المحليّة. الكلّ مدعو للتجدّد بواسطة الروح القدس في الأسرار والاستجابة بتوبة (††††noia) دائمة، بحيث تكون شركتهم في الحق والبرّ مضمونة.


2- المستوى الأقليمي


تكشف الكنيسة عن نفسها أنّها جامعة في اجتماع الكنائس المحليّة (synaxis). هذه المجمعيّة يجب أن تظهر فعلاً في الشراكة مع الكنائس الأخرى الّتي تعترف بنفس الإيمان الرسولي وتشترك في نفس البنية الكنسية الأساسيّة، بدءاً بتلك الّتي هي أقرب بحكم مسؤوليتهم المشتركة في التبشير في منطقتهم (وثيقة ميونيخ، وثيقة فالامو). يعبّر عن الشركة بين الكنائس في رسامة الأساقفة. هذه الرسامة تُمنح وفق ترتيب قانوني بواسطة ثلاثة أو أكثر من الأساقفة، أو على الأقل باثنين منهم (انظر، نيقية 1، قانون4) الذين يعملون باسم الجسم الأسقفي وشعب الله وقد تلّقوا رسامتهم من الروح القدس بوضع الأيدي في التسلسل الرسولي. عندما يتمّ هذا وفق القوانين فالشركة بين الكنائس في الإيمان الصحيح والأسرار والحياة الكنسية تكون مُصانة إضافة إلى الشركة الحيّة مع الأجيال السابقة.

23- هذه الشركة الحقيقيّة بين عدة كنائس محليّة، كلّ واحدة منها هي كنيسة جامعة في مكان خاص، تمّ التعبير عنها ببعض الممارسات: مشاركة أساقفة الكراسي المجاورة في رسامة أسقف الكنيسة المحليّة، دعوة أسقف من كنيسة أخرى للمشاركة في اجتماعات (synaxis) الكنيسة المحليّة، استقبال مؤمني هذه الكنائس الأخرى للاشتراك في المائدة الافخارستية، تبادل الرسائل بمناسبة رسامة، وأخيراً تقديم المساعدة المادية.

24- هناك قانون مقبول في الشرق كما في الغرب يصف العلاقات بين الكنائس المحليّة في منطقة واحدة:«أساقفة كل منطقة يجب أن يميّزوا الأول (protos) بينهم، وأن يعتبروه رأسهم، وأن لا يقوموا بأي عملٍ هام دون موافقته؛ كلّ أسقف لا يمكنه أن يقوم بعمل إلاّ فيما يخصّ أبرشيته الخاصة والمقاطعات التابعة لها؛ أما الأول فلا يمكنه أن يقوم بعمل دون موافقة الجميع. لأنّه بهذه الطريقة سوف يسود الانسجام وسيمجّد الله بواسطة الابن في الروح القدس» (القوانين الرسولية 34).

25- هذا النموذج الّذي يعاود الظهور تحت عدة أشكال في التقليد القانوني، يُطبّق في كل العلاقات بين أساقفة منطقة واحدة، إن كانت مقاطعة أو متروبوليتية أو بطريركية. نستطيع أن نجد تطبيقه العملي في مجامع أو سينودوسات لمقاطعة، لإقليم أو بطريركية. حقيقة أنّ المجمع الإقليمي مؤلّف أساساً من أساقفة، وإن كان يضمّ أحياناً أعضاء آخرين من الكنيسة، يعبّر عن طبيعة السلطة المجمعيّة. الأساقفة فقط لهم حق التصويت. إنّ سلطة المجمع قائمة على طبيعة الخدمة الأسقفية نفسها، وتبيّن بشكلٍ واضح الطبيعة المجمعية للأسقفية في خدمة شركة الكنائس.

26- يفرض المجمع (السينودوس) في ذاته اشتراك كلّ أساقفة المنطقة. يُحكم بحسب مبدأ الإجماع والتوافق والتي يُعبّر عنها بالاحتفال الافخارستي، كما هو واضح في تسبيحة الشكر لله الختامية للقانون الرسولي 34 المذكور أعلاه. يبقى دائماً أنّ كلّ أسقف في ممارسته لخدمته الرعوية هو حاكم ومسؤول أمام الله في قضايا أبرشيته (انظر، القديس كبريانوس، رسالة55، 21). إذاً فهو الحارس لجامعيّة كنيسته المحليّة، ويجب دائما أن يكون حريصا على تنمية الشركة الجامعة مع كنائس أخرى.

27- وبالنتيجة فإنّ أي مجمع إقليمي أو سينودوس ليس له أي سلطة على المناطق الكنسية الأخرى. مع ذلك، فإنّ تبادل المعلومات والتشاور بين ممثلي عدة مجامع هو ظاهرة للجامعيّة أيضاً، كما وأن المساعدات المتبادلة والمحبة الأخوية يجب أن تكون القاعدة بين الكنائس المحلية من أجل الخير المشترك. كل أسقف مسؤول عن الكنيسة كلها مع باقي الأساقفة في نفس المهمة الرسوليّة الواحدة.

28- بهذه الطريقة، توصلّت عدة مقاطعات كنسية إلى زيادة روابط المسؤولية المشتركة. هذا كان أحد العوامل التي أدت إلى نشوء البطريركيات في تاريخ الكنيسة. المجامع البطريركية تُدار بنفس المبادئ الكنسية ونفس النظم القانونية التي تُدار بها المجامع الاقليمية.

29- في القرون التي تلت، في الشرق كما في الغرب، تطورّت مظاهر جديدة للشركة بين الكنائس المحلية. تأسست في الشرق المسيحي بطريركيات جديدة وكنائس جديدة مستقلة، وفي الكنيسة اللاتينية ظهر حديثاً شكل خاص لتجمّع الأساقفة: الاجتماعات الأسقفية. من وجهة نظر كنسية هذه ببساطة ليست تجزئة إدارية: إنّها تعبّر عن روح الشركة في الكنيسة، مع احترام اختلاف الثقافات الإنسانية.