30- في الحقيقة مهما تكن الحدود والتنظيمات القانونية للمجمعية الإقليمية فإنّها تؤكّد أنّ كنيسة الله ليست شركة أشخاص أو كنائس محلية تمّ اقتلاعهم من جذورهم الإنسانية. لأنّها شركة خلاص وهذا الخلاص هو «تجديد الخليقة» (القديس ايريناوس). إنّها تحتضن الشخص البشري في كلّ ما يوّحده بالحقيقة البشرية التي خلقها الله. الكنيسة ليست مجموعة بسيطة من الأفراد؛ إنّها مؤلّفة من جماعات لهم ثقافات وتاريخ وهيكلية اجتماعية مختلفة.
31- على المستوى الإقليمي في مجموعات الكنائس المحلية، تظهر جامعية الكنيسة بنورها الحقيقي. إنّها التعبير عن وجود الخلاص، ليس في عالم غير متميّز ولكن في الجنس البشري كما خلقه الله وجاء ليخلّصه. في سر الخلاص، الطبيعة البشرية هي في الوقت ذاته موجودة بكمالها وتمّ شفاؤها ممّا سببته لها الخطيئة من الاكتفاء الذاتي، الكبرياء، الكراهية، العدوانية، الحسد، الغيرة، الكذب والكراهية. الشركة الكنسية هي العطيّة التي بواسطتها يتحّد الجنس البشري معاً، بروح الرب الناهض. هذه الوحدة التي أوجدها الروح وبعيداً عن الغرق في التشابه، تدعو وتحمي – و، بطريقة ما، تعزّز - التنوّع والخصوصية.
3- المستوى العالمي
32- كل كنيسة محليّة هي في شركة ليس فقط مع الكنائس المجاورة ولكن مع جميع الكنائس المحليّة، مع تلك الموجودة حالياً في العالم، مع تلك التي كانت منذ البدء، والتي ستكون في المستقبل، ومع الكنيسة الموجودة في المجد. وبحسب إرادة المسيح فإنّ الكنيسة هي واحدة وغير منقسمة، هي نفسها دائماً وفي كل مكان. يعترف الطرفان في قانون الإيمان النيقاوي – القسطنطيني بأنّ الكنيسة هي واحدة وجامعة. تحتضن في جامعيتها ليس فقط تنوّع المجتمعات البشرية ولكن أيضاً وحدة جوهرهم.
33- بالنتيجة، من الواضح أنّ الإيمان الواحد نفسه يجب أن يُعترف به ويُعاش في جميع الكنائس المحليّة، كما أنّ الافخارستيا الواحدة نفسها يجب أن يُحتفل بها في كلّ مكان، وأنّ نفس الكهنوت الرسولي يجب أن يعمل في كل الجماعات. إنّ كنيسة محليّة لا يمكنها أن تعدّل العقيدة المُصاغة بواسطة المجامع المسكونية. كما أنّه على الكنيسة دائماً أن تعطي الأجوبة المناسبة للمشاكل الجديدة، أجوبة تستند على الكتاب المقدّس وبانسجام واستمراريّة مع التعابير العقائدية السابقة (وثيقة باري، فقرة 29). أيضاً إنّ أي كنيسة محليّة لا تستطيع وبقرار فردي تغيير أي نقطة أساسيّة تتعلّق بشكل الخدمة، ولا يمكن لأي كنيسة محليّة أن تحتفل بالافخارستيا بانفصال إرادي عن باقي الكنائس المحلية من غير أن يؤثر هذا وبشكل خطير على الشركة الكنسية. في كل هذه الأشياء يُمسّ رابط الشركة نفسه - أي كيان الكنيسة عينه.
34- بسبب هذه الشركة فإنّ كل الكنائس، بواسطة القوانين، تنظّم كل ما يتعلّق بالافخارستيا والأسرار، بالخدمة والرسامة، وبالتقليد (paradosis) و تعليم (didaskalia) الإيمان. إنه لواضح لماذا هي ضرورية الأحكام القانونية والأنظمة التأديبية في هذا المجال.
35- في المسيرة التاريخية، عندما كانت تنشأ مشكلات خطيرة تؤثر على الشركة والانسجام بين الكنائس، وتتعلّق بالتفسير الأساسي للإيمان أو بالتراتبية الكهنوتية وعلاقتها بالكنيسة كلّها أو بالتعليم المشترك الذي يتطلّب الوفاء للإنجيل، كان يتمّ اللجوء للمجامع المسكونية. هذه المجامع كانت مسكونية ليس فقط لأنّها جمعت الأساقفة معاً من كل المناطق وخاصة الكراسي الخمسة الكبرى: روما، القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية وأورشليم بحسب التراتبية القديمة (taxis). كانت مسكونية أيضاً لأنّ القرارات العقائدية الهامة والصياغات الإيمانية المشتركة وخاصة فيما يتعلّق بالنقاط الأساسية، هي إلزامية لكل الكنائس ولكل المؤمنين وفي كل الأوقات والأماكن. لهذا السبب فإنّ قرارات المجامع المسكونية تبقى دائماً قانونية.
36- إنّ تاريخ المجامع المسكونية يُظهر ما يجب أن يُعتبر على أنّه من صفاتهم الخاصة. هذه المسألة يجب أن تُدرس بشكلٍ أعمق في حوارنا مستقبلاً آخذين بعين الاعتبار تطوّر الهيكلية الكنسية في القرون الماضية في الشرق والغرب.
37- إنّ الطابع المسكوني لقرارات المجمع يُعترف به من خلال قبولها خلال مدة قد تطول أو تقصر، والتي بموجبها شعب الله بأجمعه - ومن خلال التأمل والتمييز والمناقشة والصلاة - يعترف بأنّ في هذه القرارات يوجد الإيمان الرسولي الواحد للكنائس المحلية، والذي كان هو دائماً نفسه والأساقفة فيه هم المعلمون والحرّاس. عملية القبول هذه تٌٌفسّر بطريقة مختلفة في الشرق والغرب تبعاً لتقاليدهم القانونية الخاصة.
38- إنّ المجمعية أو السينودسية، وفقا لذلك، هي أكثر من اجتماع للأساقفة. إنّها تتضمّن أيضاً كنائسهم. فالأولون هم حاملو إيمان الآخرين المعبرون عنه. إنّ قرارات الأساقفة يجب أن تُقبل في حياة الكنائس وخاصة في حياتهم الليتورجية. فكل مجمع مسكوني تمّ قبوله على هذا الأساس هو بالنتيجة إظهار لشركة الكنيسة وخدمة لها.
39- بخلاف المجامع المحليّة والإقليمية، فإنّ المجمع المسكوني ليس مؤسّسة يمكن أن تنظّم باستمرار بواسطة قوانين. إنّه «حدث» مُلهم من الروح القدس الّذي يقود الكنيسة كي يوجِد فيها المؤسسات الضرورية لها والتي تناسب طبيعتها. هذا الانسجام بين الكنيسة والمجامع عميق جداً حتى أنّه بعد الانشقاق بين الشرق والغرب والذي كانت نتيجته استحالة انعقاد مجامع مسكونية بالمعنى الدقيق للمُصطلح، فإنّ كلتا الكنيستين استمرّت بعقد مجامع في كل مرّة ظهرت فيها مشاكل خطيرة. هذه المجامع جمعت معاً أساقفة الكنائس المحليّة التي هي في شركة مع كرسي روما أو، بالرغم من أن ذلك يُفهم بطريقة مختلفة، مع كرسي القسطنطينية، على التوالي. في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بعض من هذه المجامع التي عُقدت في الغرب اعتبرت مسكونية. هذا الوضع الذي أجبر طرفي المسيحية على الدعوة إلى مجامع خاصة بكلٍ منهما كرّس النزاعات التي ساهمت في زيادة التباعد المتبادل. يجب البحث عن طرق تسمح بإصلاح التوافق المسكوني.
40- في مجرى الأحداث خلال الألفية الأولى، كانت الشركة العامة للكنائس مُصانة من خلال العلاقات الأخوية بين الأساقفة. هذه العلاقات بين الأساقفة أنفسهم، وبين الأساقفة والأول، وبين الأوائل أنفسهم وبحسب التراتبية القانونية التي تشهد لها الكنيسة الأولى، قد غذّت وعزّزت الشركة الكنسية. سجّل التاريخ المشاورات والرسائل والنداءات إلى الكراسي الرئيسيّة وخاصة كرسي روما، وهي تعبّر بشكلٍ واضح عن التضامن الّذي تخلقه الشركة. الترتيبات القانونية مثل تدوين أسماء أساقفة الكراسي الرئيسية في الذيبتيخا، وإرسال رسائل المجاهرة بالعقيدة الدينية إلى باقي البطاركة بمناسبة الانتخابات، هي تعابير ملموسة للوحدة.
41- في فترة الكنيسة غير المنقسمة كان كلا الطرفين متفقين على الاعتراف بالتراتبية القانونية. وهم متفقون على أنّ روما، الكنيسة التي «ترأس بالمحبة» بحسب تعبير القديس اغناطيوس الانطاكي (إلى أهل روما، المقدمة)، تتبوأ المركز الأول في الترتيب، وتبعاً لذلك فإنّ أسقف روما هو الأول (protos) بين البطاركة. بالمقابل هم يختلفون على تفسير الأدلّة التاريخية لهذه الحقبة المتعلّقة بامتيازات أسقف روما كأول، مسألة حتى في الألفية الأولى كانت مفهومة بطرق مختلفة.
42- المجمعية على المستوى العالمي، ممارسة في المجامع المسكونية، تتطلّب دوراً فعالاً لأسقف روما كونه الأول بين أساقفة الكراسي الرئيسية، باتفاق الأساقفة المجتمعين. على الرغم من أنّ أسقف روما لم يدعُ إلى المجامع المسكونية في القرون الأولى ولم يرأسها شخصياً أبداً، لكنّه كان يشترك بفاعلية في قرارات هذه المجامع.
43- الأولية والمجمعية مترابطتان تبادلياً. لهذا السبب فإنّ الأولية في مختلف مستويات حياة الكنيسة، المحلية والإقليمية والعالمية، يجب أن تعتبر دائماً ضمن نطاق المجمعية، والمجمعية أيضاً في نطاق الأولية.
فيما يتعلّق بالأولية في مختلف المستويات نرغب التأكيد على النقاط التالية:
1- الأولية، في كل المستويات، هي ممارسة مؤسسة بقوة في التقليد القانوني للكنيسة.
2- وبينما وجود الأولية على المستوى العالمي مقبول في الشرق كما في الغرب، إلا أنّه يوجد اختلافات في الفهم تتعلّق بالطريقة التي يجب أن تُمارس فيها هذه الأولية، وأيضاً تتعلّق بأسسها الكتابية واللاهوتية.
44- في تاريخ الشرق والغرب، على الأقل حتى القرن التاسع، عُرفت مجموعة من الامتيازات ودائماً في المجال المجمعي، ووفقاً لظروف الأزمنة، بالنسبة للأول أو الرأس في كلٍّ من المستويات الكنسية القائمة: محلياً، للأسقف كأول في أبرشيته بالنسبة لكهنته ولشعبه، اقليمياً، للأول في كلّ متروبوليتية بالنسبة لأساقفة مقاطعته، وللأول لكلٍ من البطريركيات الخمس بالعلاقة مع مطارنة كل منطقة، ومسكونياً، لأسقف روما كأول بين البطاركة. هذا التمييز في المستويات لا يقلّل من المساواة الأسرارية لكل أسقف أو من جامعية كل كنيسة محليّة.
45- يجب أن ندرس بشكلٍ أكثر عمقاً مسألة دور أسقف روما في شركة كلّ الكنائس. ما هي المهمّة المحدّدة لأسقف «الكرسي الأول» في اكليزيولوجية الشركة وفي ضوء ما قلناه عن المجمعية والسلطة في النص الحالي؟ كيف يجب أن يُفهم ويُعاش تعليم الفاتيكاني الأول والفاتيكاني الثاني حول الأولية المسكونية في ضوء الممارسة الكنسية خلال الألفية الأولى؟ إنّها مسائل أساسيّة لحوارنا ولآمالنا بإعادة الوحدة بيننا.
46- نحن، أعضاء اللجنة العالمية المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وبين الكنيسة الأرثوذكسية، مقتنعون بأنّ هذا التصريح بشأن الشركة الكنسية، المجمعية والسلطة تشكّل تقدماً هاماً وايجابياً في مسيرة حوارنا، وتقدّم أساساً صلباً لمناقشات مستقبلية فيما يتعلّق بموضوع الأولية على المستوى المسكوني للكنيسة. نحن واعون أنّ هناك عدة مواضيع شائكة متبقية تتطلّب التوضيح، ولكنّنا نأمل أننا وباتكالنا على صلاة يسوع «لكي يكونوا كلّهم واحداً ... لكي يؤمن العالم» (يو 17: 21) وبالطاعة للروح القدس، يمكننا أن نتقدّم ابتداءً من الاتفاق الذي توصلنا إليه. مؤكدّين ومعترفين «ربّ واحد، ايمان واحد، معمودية واحدة» (أفسس4: 5) نمجّد الله الثالوث القدّوس، الآب والابن والروح القدس الّذي جمعنا معاً.
تعريب الأرشمندريت ديمتري شربك
[align=center]
النشرة العدد الرابع 2008
[/align]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات